ظواهر نصوص الصِّفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر:
فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة.
وقد دلَّ على ذلك السمع والعقل.
أمَّا السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والتَّدبُّر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه؛ ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًّا لِيعقله مَنْ يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم، وإلَّا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لَفْظه وبيان مَعْناه.
وأمَّا العقل: فلأنَّ من المُحال أن يُنَزِّل الله تعالى كتابًا، أو يتكلم رسولُه ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون
[ ١٧٨ ]
هِداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يُفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
هذه دلالة السَّمع والعقل على عِلمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأمَّا دلالتهما على جَهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.
وبهذا عُلِم بطلان مذهب المُفَوِّضَة الذين يُفَوِّضون علم معاني نصوص الصِّفات، ويَدَّعون أنَّ هذا مذهب السَّلف. والسَّلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا، وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله ﷿.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه المعروف بـ «العقل والنقل» (ص ١١٦، ج ١) المطبوع على هامش «منهاج السنة»: «وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحَضَّنا على عَقْلِه وفَهْمِه، فكيف يجوز مع ذلك أن يُراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟!»، إلى أن قال (ص ١١٨): «وحينئذ فيكون ما وَصَفَ الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يَعلم الأنبياءُ معناه، بل يقولون كلامًا لا يَعقلون معناه».
قال: «ومعلوم أنَّ هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هُدى وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن
[ ١٧٩ ]