أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دَلَّت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مُسَمًّى واحد، وهو الله ﷿، وبالاعتبار الثاني متباينة؛ لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.
فـ «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم» كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله ﷾، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف؛ لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة. ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بَصر. وهذا أمر أَبْين من أن يحتاج إلى دليل.
وبهذا عُلِم ضلال مَنْ سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل، وقالوا: «إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عِزَّة»، وهكذا. وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء. وهذه العلة عليلة، بل ميتة؛ لدلالة السَّمع والعقل على بطلانها.
[ ٥٠ ]
أمَّا السَّمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ﴿البروج: ١٢ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ﴿الأعلى: ١ - ٥]؛ ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القُدماء.
وأمَّا العَقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي مِنْ صفات مَنْ اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود أو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمًا بنفسه أو وصفًا في غيره.
وبهذا- أيضًا- عُلِم أنَّ «الدَّهر» ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يَتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن؛ قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ﴿الجاثية: ٢٤]، يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله -ﷺ-: قال الله ﷿: «يُؤذيني ابنُ آدم؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدهر، بيَدِي الأمر، أُقَلِّب الليلَ والنَّهارَ» (^١)، فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك أن الذين يَسُبُّون الدهر؛ إمَّا يريدون الزمان الذي هو مَحل الحوادث، لا يريدون الله تعالى.
فيكون معنى قوله: «وأنا الدَّهر» ما فَسَّره بقوله: «بِيَدِي الأمرُ، أُقَلِّب الليل والنهار»، فهو- سبحانه- خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يُمكن أن يكون المُقَلِّب (بكسر اللام) هو المُقَلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى».
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥١ ]