أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها.
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسُّنَّة، فلا يزاد فيها ولا يُنقص؛ لأن العقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقُّه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النَّصِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولأن تسميته- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقِّه تعالى؛ فوجب سُلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النَّص».
الشرح
من الأمور المُتقررة في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في باب أسماء الله الحسنى: أن من ضابط أسماء الله الحسنى: وُرود النَّصِّ بذلك الاسم؛ فلا يُسَمَّ الله إلا بما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-.
أ- فمعنى كون أسماء الله توقيفية: أي: يجب الوقوف في أسماء الله على ما ورد ذكره في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة لا نَزيد على ذلك ولا ننقص منه.
[ ٨٠ ]
ولذلك يرى السلفُ أنَّ مِنْ أحكام باب الأسماء ما يلي:
١ - إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء الحسنى الواردة قي نصوص القرآن والسنة الصحيحة.
٢ - ألَّا نَنفي عن الله ما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-.
٣ - ألا نُسَمِّي الله بما لم يُسَمِّ به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-.
وذلك لأنَّه لا طريق إلى معرفة أسماء الله﵎- إلَّا مِنْ طريق واحد هو طريق الخبر (أي: الكتاب والسُّنَّة).
ب- ومِن أقوال أهل العلم في تقرير هذه المسألة ما يلي:
قال ابن القيم ﵀: «أسماء الله تعالى هي أحسن الأسماء وأكملها؛ فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها ولايؤدي معناها.
وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفتَ هذا فله مِنْ كلِّ صفة كمال أحسنُ اسم وأكملُه وأتمُّه معنى، وأبعده عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات:
العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان:
البَر الرحيم الودود دون الرَّفيق والشفوق ونحوهما.
وكذلك العَلِي العظيم دون الرفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المُشَكِّل.
[ ٨١ ]
والغفور العفو دون الصَّفوح الساتر.
وكذلك سائر أسمائه- تعالى- يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه؛ فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسنُ الأسماء، كما أنَّ صفاته أكمل الصفات، فلا تَعدل عما سَمَّى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ- إلى ما وصفه به المُبطلون والمُعَطِّلون» (^١).
وقال أبو سليمان الخَطَّابي: «ومن علم هذا الباب- أعني الأسماء والصفات- ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط: أنَّه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يُستعمل فيها القياس؛ فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام:
فـ (الجواد) لا يجوز أن يُقاس عليه السخي وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام، وذلك أن السخيَّ لم يَرد به التوقيفُ، كما ورد بـ (الجواد).
و(القوي) لا يُقاس عليه الجَلْد، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين؛ لأن باب التَّجَلُّد يدخله التَّلف والاجتهاد.
ولا يُقاس على (القادر): المُطيق ولا المُستطيع.
وفي أسمائه (العليم) ومن صفته العلم، فلا يجوز قياسًا عليه أن يسمى عارفًا؛ لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء، وكذلك لا يُوصف بالعاقل.
وهذا الباب يجب أن يُراعى ولا يُغفل؛ فإنَّ عائدته عظيمة، والجهل به ضارٌّ، وبالله التؤفيق» (^٢).
وقال السفاريني في منظومته:
لكنَّها في الحقِّ توقيفية … لنا بِذَا أدلة وَفِيَّة
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
(٢) «شأن الدعاء» (١١١ - ١١٣).
[ ٨٢ ]
ثم قال في شرحه: «لكنها- أي: أسماء الله- في القول الحق المُعتمد عند
أهل الحق: توقيفية بنصِّ الشرع وورود السمع بها، ومما يجب أن يُعلم أنَّ علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات على البارئ جل وعلا إذا وَرَد بها الإذنُ من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه» (^١).
ج- الأدلة على كون أسماء الله توقيفية:
من خلال ما تقدَّم مِنْ نُقول يتضح لك مَدى تمسُّك علماء أهل السنة بالتوقيف في باب الأسماء الحسنى، ومنعهم لاستخدام القياس اللغوي والعقلي في هذا الباب.
وهذا هو القول الحقُّ الذي تدل عليه النصوص الشرعية، ومنها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾:
فهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأسماء توقيفية من وجهين:
١ - قوله: ﴿الأَسْمَاءُ﴾ جاءت معرفة (بأل)، وهي هنا للعهد؛ فالأسماء بذلك لا تكون إلا معهودة، ولا معروف في ذلك إلا ما نصَّ عليه في الكتاب أو السنة (^٢).
٢ - قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾ وصف يدلُّ على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأنَّ غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها (^٣)؛ فلا يجوز بحال أن يُدخل في أسماء الله ما ليس منها، فهذا الوصف يُؤكد كونها توقيفية.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته
_________________
(١) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٢٤).
(٢) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
[ ٨٣ ]
بما لم يَتَسَمَّ به ولم ينطق به كتابُ الله ولا سنة رسوله -ﷺ-» (^١).
وقال ابنُ حَجَر: «قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السُّنَّة الصَّحيحة» (^٢).
وقال ابنُ حَزْم: «منع تعالى أن يُسَمَّى إلَّا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (^٣).
وبهذا يتبين أنَّ هذه الآية دليل على أنَّ أسماء الله توقيفية، وأن مخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فعل شيء من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: أنك لا تُسَمِّ به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه؛ فهذا ما يستحقه اسم الله» (^٤)، فإذا فُسِّرت الآية بهذا الوجه ففيها دليل على كلِّ ما سبق في الآية التي قبلها من اعتبار تَسميته بما لم يُسَم به نفسه من أنواع الإلحاد في أسمائه.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
فإذا كانت هذه الآيات تُحَرِّم وتُحَذِّر من الخوض في الأمور المغيبة عند فقد الدليل الشرعي، فإن ذلك التحريم والتحذير يدخل فيه باب أسماء الله باعتباره من الأمور المغيبة التي لا تُعرف إلا من طريق النص الشرعي.
ولذلك من الواجب هنا الاقتصار على الأسماء الواردة في النصوص
_________________
(١) «معالم التنزيل» (٣/ ٣٥٧).
(٢) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).
(٣) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٩).
[ ٨٤ ]
وترك ما سواها.
خامسًا: حديث: «ما أصاب عبدًا قطُّ همٌّ ولا غَمٌّ ولا حَزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك؛ سَمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا مِنْ خَلقك، أو استأثرت به في عِلم الغَيب عندك …»، الحديث (^١)، والشاهد في الحديث قوله: «أسألُك بكلِّ اسم هو لك سَمَّيت به نفسك».
فالله تعالى هو الذي يسمِّي نفسه، وليس لأحد مِنْ خَلقه أن يسمي الله تعالى بشيء من عنده، فأسماء الله أمور حكمها الغيب وحكمها التوقيف والخبر؛ فلا بد من الرجوع إلى ذلك. هذا قول أهل السنة والجماعة.
قال ابنُ القَيِّم: «فالحديث صريح في أنَّ أسماءه ليست مِنْ فعل الآدميين وتسمياتهم» (^٢).
و(أو) في قوله: «سَمَّيت به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابِك»: حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله؛ فيكون من باب عطف الخاص على العام، فإنَّ ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام، فوجه الكلام أن يقال: «سَمَّيت به نفسك؛ فأنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (^٣).
د- الذين خالفوا الحقَّ في هذه المسألة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والناس مُتنازعون: هل يُسَمَّى الله
بما صَحَّ معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يَرد بإطلاقه نصٌّ ولا إجماع، أم لايُطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا، على قولين مَشهورين:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (١/ ٣٩١، ٤٥٢)، وابن حبان في «موارد الظمآن» ح (٢٣٧٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٠٩)، والطبراني في «الكبير» ح (١٠٣٥٢).
(٢) «شفاء العليل» (ص ٢٧٧).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٧٦) بتصرف.
[ ٨٥ ]
١ - فعامَّة النُّظَّار- أي: أهل الكلام- يُطلقون ما لا نَصَّ في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ القديم والذات، ونحو ذلك.
٢ - ومِن الناس مَنْ يُفَصِّل بين الأسماء التي يُدعى بها وبين ما يُخبر به عنه للحاجة؛ فهو- سبحانه- إنَّما يُدعى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وأمَّا إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك. فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح» (^١).
فالذين خالفوا الحقَّ في هذه المسألة هم بعض أهل الكلام، كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النقل السابق، ومِن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرَّامِيَّة.
أمَّا عن المعتزلة فهم ينقسمون إلى قسمين: معتزلة البصرة. ومعتزلة بغداد.
فالاعتزال أول ظهوره كان في البصرة، ثم بعد ذلك أصبحت هناك مدرسة للمعتزلة في بغداد.
فمعتزلة البصرة لا يلتزمون التوقيف في أسماء الله -﷾-؛ فقد ذكر البغداديُّ: أن المعتزلة البصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس» (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعريُّ: «واختلفت المعتزلة: هل يجوز أن يُسَمِّي البارئ عالمًا مَنْ استدل على أنَّه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السَّمعُ مِنْ قِبَل الله سبحانه؛ بأن يُسَمِّيه بهذا الاسم أم لا؟ على مقالتين:
_________________
(١) «رسالة في العقل والروح» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤٦، ٤٧)، (مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية).
(٢) «الفرق بين الفرق» (ص ٣٣٧).
[ ٨٦ ]
فزعمت الفرقة الأولى منهم: أنه جائز أن يسمِّي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميعًا بصيرًا مَنْ استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية: أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء مَنْ دَلَّه العقل على معناها، إلا أن يأتيه بذلك رسولٌ مِنْ قِبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (^١).
٢ - وأمَّا عن الأشاعرة، فإن جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يَشترط التوقيف، واشترط أمرين هما:
١ - أن يدل على معنى ثابت لله تعالى.
٢ - ألَّا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى (^٢).
وتوقف الجويني في هذه المسألة؛ فهو يَرى أنَّ الجواز وعدمه حكمان شرعيَّان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع ولم يأت، ولذا قال بالتوقُّف (^٣).
قال السفاريني: «الجمهور مَنعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا، وجَوَّزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعضُ الأشاعرة؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجوينى» (^٤).
٣ - وأمَّا الكرامية، فقد قال الرازي: «وقالت المعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دلَّ العقل على أنَّ المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله؛ سواء ورد التوقيف به أو لم يَرد» (^٥).
_________________
(١) «مقالات الإسلاميين» (ص ١٩٧).
(٢) «شرح المقاصد» للتفتازاني (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥).
(٣) «الإرشاد» (ص ١٣٦، ١٣٧).
(٤) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٢٤).
(٥) «لوامع البينات» (ص ٤٥).
[ ٨٧ ]
وإنَّ مما لا شَكَّ فيه أن إسقاط شرط التوقيف في باب أسماء الله ضرره عظيم، وأذكر لك قصة تبين فساد قول القائلين بإسقاط هذا الشرط؛ فمعتزلة البصرة يُسقطون هذا الشرط، وشيخهم الجبائي في ذلك الوقت قد اعترض عليه أبو الحسن الأشعري- وكان ربيبه (^١) - عندما دخل رجلٌ على الجبائي؛ فقال: هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلًا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأنَّ العقل مُشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله تعالى محال؛ فامتنع الإطلاق.
قال الشيخ أبو الحسن (الأشعري): فقلتُ له: فعلى قياسك لا يُسَمَّى الله- سبحانه- حكيمًا؛ لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام. وهي الحديدة المانعة للدَّابة عن الخروج، ويَشهد لذلك قول حسان بن ثابت ﵁:
فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء (^٢)
وقول الآخر (^٣):
أبي حنيفة أحكموا سفهاءكم … إني أخاف عليكمو أن أغضبا
أي: «نمنع بالقوافي من هجانا»، و«امنعوا سفهاءكم».
فإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال- لزمك أن تَمنع إطلاق (حكيم) عليه ﷾.
_________________
(١) أي: كان الجبائي متزوجًا من أم أبي الحسن الأشعري بعد وفاة أبيه؛ فنشأ أبو الحسن الأشعري في بيت الجبائي إلى أن بلغ سن الأربعين، وقد أخذ منه الاعتزال، ثم بدأ أبو الحسن الأشعري يَعترض على بعض أقوال المعتزلة، ومنه اعتراضه المذكور هنا.
(٢) راجع «ديوان حسان بن ثابت» بشرح عبد الرحمن البرقوقي. القاهرة، المكتبة التجارية (ص ٦). يقول: مَنْ هجانا منعناه بقوافينا المُفحمة، ونحن نضرب حين تختلط الدماء! أي: حين تلتحم الحرب. وقوله: نحكم: أي: نمنع.
(٣) البيت لجرير، وقاله في بيت آخر في هجاء بني حنيفة. والحكمة: ما أحاط بحَنَكي الفرس من لجامه. راجع «ديوان جرير» (ص ٤٧)، بيروت، ١٩٦٠ م.
[ ٨٨ ]
فوقع الجبائي بهذا في هذا الفخ، وأُلزم بلازم قوله؛ فلا يمكن للجبائي أن يقول: لا أُسَمِّيه حكيمًا؛ لأنه قد ورد في القرآن.
فلأنه ألغى شرط التوقيف، وبنى عليه هذا الحكم- وقع في محظور، وهو أنه بناء على قياسه هذا يلزم أن يمنع الحكيم كما يمنع العاقل؛ لأن مدار الكلمتين على المنع.
قال الأشعري: فلم يَحر جوابًا، إلا أنه قال لي: فَلِمَ مَنعتَ أنت أن يُسَمَّى الله سبحانه عاقلًا، وأجزتَ أن يسمَّى حكيمًا؟
قال (أي: الأشعري): فقلت له: لأنَّ طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي، دون القياس اللغوي. فأطلقت (حكيمًا)؛ لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلًا؛ لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقتُه» (^١).
فالشاهد: أن أسماء الله توقيفية؛ لا مجال للعقل فيها، فليس لك أن تستعمل في إثباتها القياس العقلي أو القياس اللغوي، وعليك أن تلتزم بما ورد في أسماء الله -﷾-؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا﴾، فالله -﷾- أدَّبنا أن لا نتكلم في أمر لا علم لنا به.
والملائكة- مع فضلهم- لا عِلم لهم إلا ما عَلَّمهم الله؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ونحن طريق العلم عندنا هو الوحي؛ فبالتالي ما كان وحيًا آمنَّا به.
وقال تعالى عندما ذَكر المحرمات: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، والعلماء يقولون: تدرج هنا من الأدنى إلى الأعلى، فعلى هذا أعلى المحرمات: هو أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
_________________
(١) «طبقات الشافعية» للسبكي (٢/ ٢٥١، ٢٥٢)، الطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية.
[ ٨٩ ]
لذا يجب على المسلم أن يحذر حذرًا شديدًا من أن يتقول على الله تعالى بغير علم.
والعلماء عندما أخذوا بالاشتقاق أخذوه من طريق النص، وهكذا ما ورد مضافًا، وهذا ليس بخروج عن التوقيف.
ثم قال المصنف: «لأن تسميته- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقِّه تعالى»، وهذا سيأتي أنه نوع من أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى، وهو قاعدة مستقلة.
* * *
[ ٩٠ ]