ظاهر النُّصوص ما يَتبادر منها إلى الذِّهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السِّياق، وما يُضاف إليه الكلام:
فالكلمة الواحدة يكون لها مَعْنى في سياق ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يُفيد مَعنى على وجه ومعنى آخر على وجه.
فلفظ (القرية) مثلًا يُراد به: القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
ومن الثاني: قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾.
وتقول: صنعتُ هذا بيدي. فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾؛ لأن اليد في المثال أُضِيفت إلى المخلوق، فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق، أو بالعكس.
وتقول: ما عندك إلا زيدٌ، وما زيد إلَّا عندك. فتفيد الجملة الثانية مَعنى غير ما تُفيده الأولى، مع اتِّحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغيَّر المعنى به.
[ ١٨٦ ]
إذا تقرر هذا فظاهر نُصوص الصفات ما يَتبادر منها إلى الذهن من المعاني.
وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقًّا يليق بالله ﷿، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السَّلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذين لا يَصْدُقُ لقبُ أهل السنة والجماعة إلَّا عليهم.
وقد أجمعوا على ذلك، كما نقله ابن عبد البر فقال: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكَيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة». اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال التأويل»: «لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تُشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما رُوِيَ عن الإمام أحمد وسائر الأئمة». اهـ نَقَلَ ذلك عن ابن عبد البر والقاضي شيخُ الإسلام ابن تيميه في «الفتوى الحموية» (ص ٨٧ - ٨٩، ج ٥) من «مجموع الفتاوى» لابن القاسم.
وهذا هو المذهب الصحيح والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:
الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسُّنَّة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته، كما يُعلم ذلك من تَتبعه بعِلم وإنصاف.
[ ١٨٧ ]
الثاني: أن يقال: إنَّ الحق إمَّا أن يكون فيما قاله السلف، أو فيما قاله غيرهم. والثاني باطل؛ لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحًا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده. وهذا يستلزم أن يكونوا إمَّا جاهلين بالحق، وإمَّا عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدلُّ على بطلان الملزوم، فتعيَّن أن يكون الحقُّ فيما قاله السلف دون غيرهم.
القسم الثاني: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك. وهؤلاء هم المشبهة، ومذهبهم باطل، محرم من عدة أوجه:
الأول: أنه جناية على النُّصوص، وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
الثاني: أن العقل دلَّ على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يُحكم بدلالة النصوص على التَّشابه بينهما؟
الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المُشَبِّه من النصوص مُخالف لما فهمه السلف منها، فيكون باطلًا.
فإن قال المُشَبِّه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله تعالى لم يُخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله.
فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ونهى عباده أن يضربوا له
[ ١٨٨ ]
الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وكلامه تعالى كله حق، يُصَدِّق بعضه بعضًا ولا يتناقض.
ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تُشبه الذوات؟ فسيقول: بلى. فيقال له: فلتعقل له صفات لا تُشبه الصفات، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومَن فرق بينهما فقد تناقض.
ثالثها: أن يقال: ألست تُشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟ فسيقول: بلى. فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا، فلماذا لا تَعقله بين الخالق والمخلوق، مع أنَّ التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق، كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.
القسم الثالث: مَنْ جعلوا المعنى المُتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أَنكروا ما دلَّت عليه من المعنى اللائق بالله. وهم أهل التعطيل، سواء كان تعطيلهم عامًّا في الأسماء والصفات، أم خاصًّا فيهما، أو في أحدهما. فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عيَّنوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابًا كثيرًا، وسَمَّوا ذلك تأويلًا وهو في الحقيقة تحريف.
ومذهبهم باطل من وجوه:
أحدها: أنه جناية على النصوص، حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.
[ ١٨٩ ]
الوجه الثاني: أنه صَرْفٌ لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره. والله تعالى خاطب الناس بلسان عربيٍ مبين؛ ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حملُ كلام الله ورسوله ﷺ على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي، غير أنه يجب أن يُصان عن التكييف والتمثيل في حق الله ﷿.
الوجه الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قولٌ على الله بلا علم، وهو مُحَرَّم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولقوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.
فالصَّارف لكلام الله تعالى ورسوله ﷺ عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يَعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله تعالى ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام.
الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.
وإذا كان من المعلوم أنَّ تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قولٌ بلا علم، فما ظنُّك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟
[ ١٩٠ ]
مثال ذلك: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾، فإذا صرف الكلام عن ظاهره وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين، وإنما أراد كذا وكذا. قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟ وما دليلك على ما أَثْبَتَّ؟ فإن أتى بدليل وأنَّى له ذلك، وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
الوجه الرابع في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنَّ صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، فيكون باطلًا؛ لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.
الوجه الخامس: أن يُقال للمُعَطِّل: هل أنت أعلمُ بالله من نفسه؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أخبر الله ﷿ به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله تعالى؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تَظن أن الله ﷾ أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص؛ ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا.
هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.
أمَّا باعتبار ما جاء في السنة:
فيقال له: هل أنت أعلم بالله من رسوله ﷺ؟. فيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أَخبر به رسولُ الله عن اللهِ صِدق وحَقٌّ؟ فسيقول: نعم.
[ ١٩١ ]
ثم يقال له: هل تعلم أنَّ أحدًا من الناس أفصح كلامًا وأَبْيَن من رسول الله ﷺ؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تعلم أنَّ أحدًا من الناس أَنصح لعباد الله من رسول الله ﷺ؟ فسيقول: لا.
فيُقال له: إذا كنت تُقِرُّ بذلك، فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأَثبته له رسوله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك وصرفه إلى مَعنى يخالف ظاهره بغير علم؟
وماذا يضيرك إذا أثبتَّ لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو سنة نبيه ﷺ على الوجه اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا؟!
أفليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سُئلت يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
أَوَليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها وتعيين معنى آخر مُخاطرة منك؛ فلعل المراد يكون- على تقدير جواز صرفها- غير ما صرفتها إليه؟
الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.
فمن هذه اللوازم:
أولًا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موُهم لتشبيه الله تعالى
[ ١٩٢ ]
بخلقه، وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. قال نُعَيم بن حمَّاد الخزاعي أحد مشايخ البخاري رحمهما الله: «ومَن شَبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومَن جَحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا». اهـ.
ومن المعلوم: أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ تشبيهًا وكفرًا أو مُوهمًا لذلك.
ثانيًا: أن كتاب الله تعالى الذي أنزله تبيانًا لكل شيء وهدى للناس، وشفاء لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين الحق والباطل- لم يبين الله تعالى فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكولًا إلى عقولهم، يُثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون. وهذا ظاهر البطلان.
ثالثا: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين أو مُقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات، أو يمتنع عليه، أو يجوز. إذ لم يَرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله تعالى وسَمَّوه تأويلًا.
وحينئذ إمَّا أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك، وعجزهم عن معرفته، أو مُقَصِّرين لعدم بيانهم للأمة. وكِلا الأمرين باطل.
رابعًا: أن كلامَ اللهِ ورسولِه ليس مرجعًا للناس فيما يعتقدونه
[ ١٩٣ ]
في ربهم وإلههم، الذي مَعرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع، بل هو زُبدة الرسالات. وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة، وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا إن لم يتمكنوا من تكذيبه.
خامسًا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ، فيقال في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: إنه لا يجيء. وفي قوله ﷺ: «ينزل ربُّنا إلى السَّماء الدنيا»: إنه لا ينزل؛ لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم. وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدلُّ عليه.
ثم إنَّ من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء أيضًا. ومنهم مَنْ تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض؛ كالأشعرية والماتريدية، أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل يَنفيه أو لا يدل عليه.
فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه- يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه، كما هو ثابت بالدليل السمعي.
مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.
أثبتوا صفة الإرادة؛ لدلالة السمع والعقل عليها.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
[ ١٩٤ ]
وأمَّا العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف- دليل على الإرادة.
ونفوا الرحمة قالوا: لأنها تستلزم لين الرَّاحم، ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى.
وأَوَّلوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل، أو إرادة الفعل، ففسروا الرَّحيم بالمُنعم، أو مريد الإنعام.
فنقول لهم: الرَّحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة. فقد وردت بالاسم مثل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والصفة مثل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، والفعل مثل: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
ويمكن إثباتها بالعقل، فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين- دالة على ثبوت الرحمة لله ﷿، ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنَّه لا يظهر إلا لأفراد من الناس.
وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة. فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها، فيقال: الإرادة ميل المُريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة. وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك.
فإن أجيب: بأن هذه إرادة المخلوق. أمكن الجواب بمثله في الرحمة، بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.
[ ١٩٥ ]
وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل؛ سواء كان تعطيلًا عامًّا أم خاصًّا.
وبه عُلم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شُبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه طريق مُبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تُدفع بالبدعة، وإنما تدفع بالسُّنَّة.
الثاني: أن المعتزلة والجهمية يُمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلًا عقليًّا، وأَوَّلتم دليله السَّمعي، فلماذا تحرِّمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلًا عقليًّا، ونؤول دليله السمعي؟ فلنا عقول كما أنَّ لكم عقولًا، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة؟ وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة؟ وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى.
وهذه حجة دامغة، وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مَدفع لذلك ولا محيص عنه، إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويُثبون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتًا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهًا لا تعطيل فيه ولا تحريف، ومَن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
[ ١٩٦ ]