الشَّرح
أهمية توحيد الأسماء والصفات:
تتجلى أهمية توحيد الأسماء الحُسنى والصِّفات العُلى في الأسباب التالية:
أولًا: هذا التوحيد شَطر باب الإيمان بالله تعالى:
لا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تَبَع له وفرع عنه، وهو أهم ما خُلق لها الخلق، وأُرسلت به الرسل، وأُنزلت به الكتب، وأُسِّست عليه الملة؛ فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأنَّ الإنسان لما كان مخلوقًا مَربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وبارئه؛ فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غِنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عِوض، وليس لكل شيء عن الله عوض؛ فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربِّه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خُلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فُضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يُعلم من تَتبع دعوات الرسل في القرآن.
وملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بَعث الله ﷾ رسوله ﷺ، وإليه دَعت الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- من أولهم إلى آخرهم.
وأحدهما: التوحيد العِلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
[ ١٦ ]
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم -﵀-: «ولا ريبَ أنَّ العِلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأَفضلها، ونِسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أَجَلُّ العلوم وأشرفُها، فهو أصلها كلها، كما أنَّ كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته، وكل علم فهو تابع للعلم به مُفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم، كما أنَّه- سبحانه- ربُّ كل شيء ومليكه ومُوجده …»، إلى أن قال: «فالعِلم بذاته- سبحانه- وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه فهو- في ذاته- ربُّ كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عَرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).
والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يَجعل له عدلًا في شيء من الأشياء.
وقد جمع ﷾ هذين النوعين في سورتي الإخلاص، وهما سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.
فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيانُ ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.
وسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.
ولا يتمُّ أحدُ التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنَّة الفجر والوتر والمغرب، وقد ورد كذلك في سُنَّة المغرب
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦)، دار الكتب العلمية - بيروت.
[ ١٧ ]
القراءة بهاتين السورتين (^١)؛ ليكون فاتحة العمل وخاتمته توحيدًا؛ إذ مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته توحيدًا (^٢).
فالتوحيد المطلوب من العبد شَطره هو توحيد الأسماء والصفات.
ثانيًا: توحيد الأسماء والصِّفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق:
إنَّ شرف العلم تابع لشرف معلومه؛ لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه، ولشدة الحاجة إلى معرفته وعِظم النفع بها.
ولا ريب أن أَجَلَّ مَعلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.
فلا ريب أن العلمَ به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات (^٣).
فإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أنَّ الغاية أشرف من الوسيلة؛ فكيف تُفضل الوسائل على غاياتها؟
_________________
(١) قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٢٦) عن أبي هريرة -﵁-: «أنَّ رسول الله -ﷺ- قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾». وأخرج الترمذي (٤٦٢) عن ابن عباس -﵄-، قال: «كان النبي -ﷺ- يقرأ في الوتر: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة ركعة»، وأخرجه الدارمي بنحوه (١٦٣٠)، وصححه الألباني في «صلاة التراويح» (ص ١٠٨). وأخرج النسائي (٩٢٢) عن ابن عمر -﵄- قال: «رَمَقتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عِشرين مَرَّةً يقرأ في الرَّكعَتَينِ بعد المغرب، وفي الرَّكعَتَين قبل الفجرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٣٨٥): «إسناده جيد»، وصححه الشيخ أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٨/ ٨٩)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٢٨).
(٢) انظر «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية» لابن القيم (ص ٣٥، ٣٦).
(٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
[ ١٨ ]
قيل: كل مِنْ العلم والعمل ينقسم إلى قسمين؛ منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإنَّ العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مطلوب لنفسه، مراد لذاته؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، فقد أخبر- سبحانه- أنه خلق السموات والأرض، ونَزَّل الأمر بينهن؛ ليَعلم عباده أنه بكل شي عليم، وعلى كل شي قدير؛ فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له؛ فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.
الأمر الأول: أن يُعرف الربُّ تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.
والأمر الثاني: أن يُعبد بمُوجبها ومُقتضاها.
فكما أنَّ عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضًا، فإنَّ العلم من أفضل العبادات (^١).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل العلوم الدينية:
كما أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها فهو أصلها كلها، فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عرف الله عَرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو: أنَّ مَنْ نسي ربَّه أنساه ذاته ونفسه، فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسي ما به
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٧٨).
[ ١٩ ]
صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده؛ لأنَّه خرج عن فطرته التي خلق عليها، فنسي ربَّه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها؛ قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، فغفل عن ذكر ربه؛ فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مُشتت القلب مُضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلًا.
فالعِلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مُستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته (^١).
رابعًا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف:
معرفة أسماء الله وصفاته هي الأساس الذي يَنبني عليه عمل العبد، ومن خلالها تتحدد العلاقة التي تربط العبد بربه، وعلى ضوئها يَعبد المسلم ربَّه، ويتقرب إليه.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية -﵀-: «وأصلُ الإيمان: قولُ القلب الذي هو التَّصديق. وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع؛ إذ لا مُلائمة لأرواح العباد أتم من ملاءمة إلهها؛ الذي هو الله الذي لا إله إلا هو».
ولذلك كان منهج السلف يقوم على أمرين؛ هما:
١ - العلم بالله.
٢ - والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.
وحققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
[ ٢٠ ]
وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.
فوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.
والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (^١).
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله -﷿-، وعَطَّلوا صفاتِه -﷾-.
وعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و«واحد في صفاته»: «لا نظير له». و«واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (^٢)، ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: «ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤١) بتصرف.
(٢) انظر: «المِلل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٤٢)، مؤسسة الحلبي.
[ ٢١ ]
في حيز» ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا تحدثوا عن أفعال الله تعالى هذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.
وأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
وهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.
أمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله -﷿- على لسان رسوله -ﷺ-.
فالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن.
فلذلك لا بد لصاحب السُّنَّة أن يدرس هذا الباب، وأن يَبني هذه الدراسة على الكتاب والسنة؛ ليعرف الله -﷾-، فلن تكون من أصحاب السنة ولن تكون من أتباع السلف حتى تُعنى بهذا الباب، وطبعًا العلم بهذا الباب- كما ذكر العلماء مطلوب لذاته، ليس وسيلة للعمل كما يزعم البعض؛ فكلٌّ من العِلم بالله والعمل لله مطلوب لذاته؛ فقد يكون منه ما هو وسيلة، ومنه ما هو غاية؛ فيجب أن نعلم أنه لا بد من معرفة هذا الباب وتعلمه؛ باعتبار أنه أمر
[ ٢٢ ]
مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد وأن يجتمع معه عبادة الله -﷾-، وإلا فإن العبد لا يكون مؤمنًا، وبهذا نعلم أن من أهمية هذا الباب أنه أصلٌ عظيمٌ في منهج أهل السنة والجماعة؛ فبالتالي لا بد من الاعتناء به، ولا بد من الاهتمام به، ولا بد من تعلُّمِه، وكما أشار المصنف: لا بد منه لأهميته وعِظمه ومنزلته، وكذلك لوقوع الاختلاف والافتراق في هذا الباب بين الفِرَق والطوائف لا بد من مزيد جهد وعناية بفهمه وتوضيحه ودراسته وتعلمه وتطبيقه.
والله تعالى ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿الإسراء: ٨٥]؛ فالله تعالى تَعَرَّف إليك! فضلًا منه ومِنَّة عليك عَرَّفك بأسمائه وصفاته، عَرَّفك بأنه العليم، وأنه السميع، وأنه البصير، وأنه القدير، وأنه الغفور، وأنه الرحيم، وأنه الجبَّار، وأنه المتكبر .. إلى غير ذلك مِنْ أسماء الله -﷿- وصفاتِه الواردة في الكتاب والسُّنَّة؛ فمِنَّةٌ عُظمى فتحها الله عليك! بالله عليك كيف تُغلقها على نفسِك؟! بل إن الله رَغَّبك في هذه المعرفة فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .. إلى غير ذلك من المواطن التي ذُكرت فيها أسماء الله -﷾-؛ إمَّا جملة وإما تفصيلًا.
فافتح بابَ معرفة الله تعالى! لا تُغلقه على نفسك! لا تحرم هذا القلب من أن يَعرف ربَّه، ويَعرف معبودَه!
خامسًا: العلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد باب معرفة الله:
إنَّ محبة الشيء فرع عن الشعور به، وأعرف الخلق بالله أشدهم حُبًّا له، فكل من عرف الله أحبه، والعلم يَفتح هذا الباب العظيم الذي هو سِرُّ الخَلق
[ ٢٣ ]
والأمر (^١)؛ فمن أعظم أصول الدين: المحبة، بل هي قاعدة العبادة، فكيف يكون حبٌّ في قلب العبد المؤمن وهو لم يعرف الله -﷿-؛ فالله تعالى فتح لنا باب معرفته من هذا الطريق، فإن شأت فادخل وتعَرَّف على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وإلا فإنك محروم مِنْ ضِمن مَنْ حُرم مِنْ هذا الخير العظيم؛ فطمأنينة القلب وحياته هي في هذا الأمر العظيم: في معرفة الله -﷾-، ولا سبيل للحصول على هذه المعرفة إلا من باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلا تَستقر للعبد قَدَم في معرفة الله إلا بالتعرف على أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة؛ فالعلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد هذا البابَ العظيمَ، فالله ﷿ لم يجعل السبيل إلى معرفته من طريق الاطلاع على ذاته، فهذا الباب موصود إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحدٌ مِنكم ربَّه ﷿ حتى يَموت» (^٢).
وكذلك فإنَّ من المحال أن تَستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه التفصيل، فهي عاجزة عن ذلك لكونه من المُغيبات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الوحي، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهذه الآية تُبين محدودية علم الإنسان.
وقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بَعث الرسل به مُعَرِّفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:
١ - تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: «شريعته المتضمنة لأمره ونهيه».
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.
[ ٢٤ ]
٢ - تعريفهم مآلهم في الآخرة.
وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مَبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.
سادسًا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته:
على أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها؛ فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليها؛ لسلامة قلبه، وصلاح معتقده، واستقامة عمله، فهذه المعرفة لأسماء الله وصفاته وأفعاله تُوجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يَليق به، ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.
وذلك يتم بتدبر كلام الله تعالى، وما تعَرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نَزَّه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه.
والجدير ذِكره أن معرفة الله نوعان:
النوع الأول: المعرفة الإجمالية:
وهي التي تَلزم العبد المؤمن؛ لينعقد بها أصلُ الإيمان، وهي تتحقق بالقدر الذي يميز العبد به بين ربه وبين سائر الآلهة الباطلة، ويتحقق بها الإيمان المجمل، وتجعله في سلامة من الكفر والشرك المُخرجين من الإيمان، وتُخرجه من حدِّ الجهل بربه وما يجب له.
وهذه المعرفة يتحصل عليها من قراءة سورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرها من الآيات، ومعرفة معانيها.
[ ٢٥ ]
ولكن هذه المعرفة لا تُوجب قوة الإيمان والرسوخ فيه.
النوع الثاني: المعرفة التفصيلية:
وهذه تكون بمعرفة الأدلة التفصيلية الواردة في هذا الباب، وتعلمها واعتقاد اتصاف الله بها، ومعرفة معانيها، والعمل بمقتضياتها وأحكامها.
وهذه المعرفة هي التي يحصل بها زيادة الإيمان ورسوخه، فكلما ازداد العبد علمًا بالله زاد إيمانه وخشيته ومحبته لربِّه وتَعلقه به؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، كما تجلب للعبد النور والبصيرة التي تُحَصِّنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.
«والعلم بالله يُراد به في الأصل نوعان:
أحدهما: العلم به نفسه، أي: بما هو متصف به مِنْ نُعوت الجلال والإكرام، وما دَلَّت عليه أسماؤه الحسنى.
وهذا العلم إذا رَسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يعلم أن الله يُثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته.
والنوع الثاني: يُراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي والحلال والحرام.
ولهذا قال بعض السلف: العلماء ثلاثة:
١ - عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله.
٢ - عالم بأمر الله ليس عالمًا بالله.
٣ - عالم بالله وبأمر الله.
فالعالم بالله: الذي يخشى الله. والعالم بأمر الله: الذي يعرف الحلال والحرام» (^١).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٣) بتصرف بسير.
[ ٢٦ ]
سابعًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب:
يجب أن نعلم أنَّ معرفة الله تعالى هي حياة قلوبنا؛ فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تَعرف ربها ومعبودها وفاطرها، ويكون أحب إليها مما سواه، ولا يمكن أن تنجو وأن تَسعد في الآخرة إلَّا بهذه المعرفة والمحبة.
والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربِّه لا يكون إلا شقيًّا مُعذَّبًا كما هو حال الكافرين.
فالله﵎- خلق هذا الإنسان ورَكَّبه من الجسد والروح، وشاء أن يكون قَوَام هذا الجسد من هذه الأرض؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وجعل حياة هذا الجسد من التراب؛ فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها.
وجعل في هذا الجسد الروح؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].
أمَّا أصل هذه الروح ومادتها فهذا لا علم لنا به: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فأمرٌ استأثر الله تعالى به في علم الغيب عنده.
لكن الله -﷾- شاء أن يكون قِوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته؛ قال ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبَّة فاطره وبارئه، ودوام ذِكره، والسعي في مرضاته، لذلك فإنَّ مَنْ في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التَّبَصُّر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خُلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأُرسلت الرسل، وقامت
[ ٢٧ ]
السموات والأرض، ووُجدت الجنة والنار، ولأجله شُرعت الشرائع، وأُسِّست الملة، ونُصبت القِبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.
وهو بحقٍّ أفضل ما اكتسبته القلوب، وحصَّلته النفوس، وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه (^١).
وإذا تأملت أعمال القلوب وجدت- مثلًا- أن كل حبٍّ هو تَبَعٌ لحبِّ الله -﷾-؛ وكذلك الخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والإخلاص، والرغبة، والرهبة .. إلى غير ذلك.
فلا يمكن أن تتحرك أعمال القلوب في القلب ولا أن تقوم بواجبها ما لم تكن على معرفة بالله -﷾-!
إذًا، كيف تتحقق في القلب أعمال القلوب؟
فمثلًا إذا علمت أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المُميت، وهو النَّافع، وهو الضَّار، وهو القابض، وهو الباسط .. إذا علمت هذا أَثْمَر في قلبك توكلًا على الله -﷾-. هذه المعرفة تُوَلِّدُ التوكل. ممن تخاف ومَن ترجو والرزق بيد الواحد الأحد -﷾-؟! يرزق من يشاء بغير حساب. وكيف ترجو ما في يد الناس؟ أو حتى كيف تحسد فلانًا من الناس: أن أعطاه الله تعالى من فضله؛ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ فالخير بيد الله -﷾-، والله يختص برحمته مَنْ يشاء؛ فكيف لقلبٍ أن يحسد لو كان على إيمان؟! ويحسد مَن؟! كأنما يعترض على حكم الله -﷾-: أن أعطى فلانًا ومنع فلانًا!
_________________
(١) انظر: «الفتوى الحموية الكبرى» (ص ٢٨، ٢٩).
[ ٢٨ ]
فصلاح قلوبنا وحمايتها من تلك الأمراض التي تضرها، وتفسد على الإنسان حياته مِنْ غِلٍّ وحسد وحقد وغِيبة ونميمة .. إلى غير ذلك من أمراض- سببها هو: أن الإنسان ما عرف الله تعالى حقَّ المعرفة، ومثلًا الله -﷾- أخبرك بأنه عليم، وأنَّه سميع، وأنه بصير؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومُطَّلِع على عملك وعلى فعلك؛ أفَلَا يحملُك هذا على الحياء منه؟!
فيجب أن يحمل هذا العبدَ على خوف الله تعالى، على مراقبته، على خشيته؛ فلو أن النفوس استحضرت هذه المعاني لَمَا أَقْدَمَت على فِعل معصية، ولذلك يقول النبي -ﷺ-: «لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مؤمن، ولا يَشرب الخمرَ حين يَشرب وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرق السارق حين يَسرق وهو مؤمن …»، الحديث (^١)؛ لأنه لو قام الإيمان كما يجب- وكما ينبغي- في نفسِه في تلك اللحظات لَمَا أقدم على فَعلته.
أنت لو لَمَحت أحدًا من الناس وأنت على معصية لربما استحييت منه، ولربما خِفت أن يُفشي سِرَّك! فكيف وأنت أمام عالم الغيب والشَّهادة، المُطَّلِع على جميع أحوالك وعلى جميع أمورك وعلى جميع سكناتك وعلى جميع حركاتك؛ ألا تستحي مِنْ الله -﷾-؟! وكما يذكرون أنَّ رجلًا لقي أعرابية فأرادها على نفسها فأَبَت وقالت: أي ثكلتك أمك، أَمَا لك زاجر من كرم؟ أما لك ناهٍ مِنْ دين؟ قال: قلت: واللهِ إنَّه لا يَرانا إلا الكواكب، قالت: ها بأبي أنت، وأين مُكوكبها» (^٢)؛ فأراد أن يُطمأنها أنَّه لا يراهم أحد إلا هذه الكواكب!. فقالت له: «وأين مُكوكبُها؟!»؛ فذكَّرَته بالله -﷾- في تلك اللحظة؛ فقام عنها، وكان ذلك سببًا في هدايته.
فنحن لو استحضرنا معاني أسماء الله وصفاته لكان هذا سببًا في حياة قلوبنا، ولكنَّ قلوبَنا مُلئت بالغفلة عن الله -﷾- والإعراض عن معرفة أسمائه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٦٥) عن العتبي.
[ ٢٩ ]
وصفاته؛ فأصابها ما أصابها من أمراض أثقلت كواهلنا، وأفسدت علينا أمر ديننا، وأفسدت علينا أمر دنيانا، بل إن الواحد منا يقف في الصلاة ويسمع آيات الله سبحانه تُتلى عليه، ومع ذلك قلبه قاسٍ، وأصبح قلبًا متحجرًا مهما ذُكِّر بآية عذاب أو وعيد لا يهتز لها، ولا يتحرك لها شعور في قلبه من ذِكر شيء من آيات الله -﷾-؛ فأصابنا ما أصابنا من أمراض في قلوبنا وفي نفوسنا بسبب أننا غفلنا عن معرفة الله -﷾-.
فليتنا نعودُ إلى أسماء الله وصفاته! ليتنا نتدبر ما جاء فيها من معانٍ، وما تُثمره من ثمرات! أنت إذا أثمرت هذه المعرفة في قلبك التوكل حصلت عِزَّة للمؤمن، وحصلت طمأنينة للنفس، وكذلك إذا حصل حياء وإذا حصل خوف وإذا حصلت خشية- منعك هذا مِنْ أن تقترف معصية؛ لا في السر ولا في العلن. إذا حصلت هذه المعرفة قامت بك محبةٌ لله تعالى وتعظيم وإجلال.
هذه المعرفة وهذه المحبة وهذا التعظيم وهذا الإجلال يحملك على أن تُراقب الله -﷾- في جميع أحوالك، وأن يكون اللهُ تعالى أحبَّ إليك مِنْ كل شيء وأعظم وأكبر وأجَل من كل شيء، لكن للأسف حَرمنا قلوبنا من ذلك، فلربما استحقت وعيدَ الله -﷾-: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]؛ فقست القلوب، والقلوب تقسو، بل وتمرض وتموت، والله تعالى قد قال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]؛ فالران: هو الصدأ؛ يعلو على هذه القلوب حتى تصبح هذه القلوب صَدِأَة، هذه القلوب قاسية مُبتعدة عن ذكر الله -﷾-.
فأين النفس المطمئنة التي ستنادى كما قال الله -﷾-: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧]؟!
فمعرفةُ الله -﷾- حياةٌ لقلوبنا، وستثمر لنا من أنواع الإيمان وأنواع العمل ما يكون- بإذن الله تعالى- سببًا في صلاحنا وصلاح أحوالنا وصلاح مَعاشنا وصلاح معادنا؛ لو أننا عرفنا ذلك وعملنا به!
[ ٣٠ ]
ثامنًا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته:
مما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تُثمره معرفة أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة في الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تَجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.
فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشيةَ الله لا محالة؛ فلكلِّ اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك- تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.
ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ فالأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مُطَّرِد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فمثلًا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يُثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنَّه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يُرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه؛ فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.
ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبِرِّه وإحسانه ورحمته تُوجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.
وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العُلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية.
[ ٣١ ]
فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها (^١).
وبهذا يتبين أنَّ معرفة العبد لأسماء الله وصفاته على الوجه الذي أخبر الله ﷿ به في كتابه وسنة رسوله ﷺ- تُوجب على العبد القيام بعبودية الله على الوجه الأكمل، فكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص والتعبد أقوى، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر؛ إذ كل اسم من أسمائه ﷿ له تَعَبُّد مُختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا.
(علمًا ومعرفة): أي: إنَّ مَنْ عَلِم أنَّ الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة، ثم اعتقد ذلك- فهذه عبادة.
و(حالًا) أي: إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك- تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.
وهذه الطريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
والدعاء بها يتناول: دعاء المسألة. ودعاء الثناء. ودعاء التعبد.
وهو- سبحانه- يدعو عباده إلى أن يَعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها (^٢).
تاسعًا: ضرورة تجنُّب الباطل، وعدم مخالفة طر يق الحق في هذا الباب:
قد وقع الخلاف في هذا الباب، وكَثُر كلام أهل الباطل فيه؛ لما عرفوا من أهميته، فبالتالي ازداد تسلطهم عليه، وأرادوا أن يَحجبوا الناس عن معرفة الله تعالى؛ لأنهم بهذا سيوصدون الباب، وإذا أُوصد الباب لم يمكن الدخول! فَكَثُر الخلاف والافتراق، فكان لا بد مِنْ مَعرفة تَنبني على الكتاب
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩٠).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).
[ ٣٢ ]
والسنة، وكان لا بد من فهم للحقِّ حتى يُتَّبع، ولا بد من معرفة للباطل حتى يُجتنب.
فباب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومَزلة؛ من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمُشبهة من جهة أخرى.
فمن واجب طالب العلم: أن يَتعمق في فهم الحق المَبني على الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربِّه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
فمن الواجب على المسلم: أن يدرس هذا الباب وأن يتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضَرَّت أصحابها، وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قُوى حُبِّهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.
ومعلوم: أنه لا يستقر للعبد قَدَمٌ في المعرفة- بل ولا في الإيمان- حتى يؤمن بأسماء وصفات الربِّ ﷻ، ويَعرفها معرفة تُخرجه عن حدِّ الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتَعَرُّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان؛ فمَن جَحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان. فينبغي للمؤمن أن يَبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات،
[ ٣٣ ]
وأن تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتُلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ، فالمعرفة الصحيحة هي المُتلقاة من الكتاب والسنة، وما رُوي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.
ومما يذكره العلماء في أهمية هذا العلم- الذي هو العلم بأسماء الله وصفاته- بالإضافة إلى كونه شطر باب (الإيمان بالله تعالى): أنه أشرف العلوم؛ فهو أشرف العلوم وأعظمها وأجلها وأكبرها؛ فإذا قلنا: إن شرف العلم تابع لشرف المعلوم، فالمعلوم هنا: هو ما يليق بأسماء الله تعالى من أسمائه وصفاته -﷾-، وما تَعَرَّف به إلى خلقه مما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله -ﷺ-؛ من أسمائه الحسنى وصفاته العُلى؛ فأنت أمام أشرف علم تكتسبُه؛ فلا شك أن العلم شرفٌ لصاحبه، وأشرف علم يكتسبُه العبد المؤمن هو معرفة الله -﷾-؛ لأن شرف العلم تابع لشرف المعلوم.
والمعلوم هنا: هو الله -﷾- وما يليق به من الأسماء والصفات والأفعال؛ فلذلك ينبغي على المؤمن مع حرصه على إكمال توحيده أن يحرص كذلك على نيل هذا الشرف العظيم، وهو أن يكتسب هذا العلم الصحيح بأسماء الله وصفاته، كذلك مما يدل على شرف هذا العلم: أنه أصل العلوم وأساسها، كما يقول العلماء: «مَنْ عرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).
وتأمل هذا وخذه من قول الله -﷾- حيث قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿الحشر: ١٩]، وقد قال النبيُّ -ﷺ- في وصيته لابن عباس: «يا غلام- أو- يا غُلَيِّم: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تُجاهك» (^٢)، ونحن
_________________
(١) انظر «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في «مسنده» (٢٦٦٩) من حديث ابن عباس -﵄-، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢).
[ ٣٤ ]
نعلم أنَّ حفظ الله -﷾- بمعرفته وعبادته، فإذا ما العبدُ حَفِظ الله -﷾- فإن الله تعالى تعَهَّد بحفظِه، وتعهد بصلاح أمره؛ فيجب أن نعلم أن هذا العلمَ هو أصلُ العلوم الدينية.
فنسيان العبد لربه عقوبته أن الله -﷾- يُنسيه أمرَ نفسِه وصلاحَ نفسه؛ يقول ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿الحشر: ١٩]: «تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو أنَّ مَنْ نَسِي ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه؛ فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده؛ فصار مُعَطَّلًا مُهملًا بمنزلة الأنعام السَّائبة، بل ربُّما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه؛ لبقائها هداها الذي أعطاها إيَّاه خالقُها» (^١)، وهذا تجده- كذلك- في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، قال قتادة: «أضاع أكبر الضَّيعة؛ أضاع نفسه وعسى مع ذلك أن تجده حافظًا لما له، مُضَيِّعًا لدينه» (^٢).
فإذا أنت علمت هذا الباب أصلحت أساس العلم عندك؛ فعلمك ومعرفتك بالله -﷾- ستنبني عليها جميعُ المعارف؛ لأن هذا أصلُ العلم وأصلُ الدِّين، وإن كنت مضيعًا لهذا الباب ضَيَّعت جميعَ أحوالك وجميع أمورك وجميع مصالحك في دنياك وفي أُخراك.
وتأمل مَنْ كان غافلًا عن الله -﷾-، وعن معرفته، وعن الإيمان بأسمائه وصفاته، ولو نظرنا إلى عينة من أحوال بعض الناس الذين غَفلوا عن الله -﷾-، وغفلت قلوبهم عن ذِكر الله -﷾-، وما يُصيبهم من القلق والضياع والحسرة
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (ص ٢٥)، وقال الإمام ابن كثير: «﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿الكهف: ٢٨]، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه» «تفسير ابن كثير» (٥/ ١٥٤).
[ ٣٥ ]
والنَّدامة؛ فمثلًا صاحبُ المُخَدِّرَات- والعياذ بالله- يظن أن طريق سعادته عن طريق هذا الأمر الذي يُهلك صحته، ويهلك عقله، بل ويفسد عليه الضرورات الخمس المعلومة (^١)؛ فيظل صاحب هذه المخدرات يتعاطى تلك الحقنة- مثلًا- حتى يصل إلى مرحلة هو يعلم- ويجزم- أنها قد تكون أقوى من أن يتحملها هذا الجسم؛ فتكون سببًا في هلاكه، فيُختم له- والعياذ بالله- بخاتمة سوء؛ فتجده قد مات في دورة المياه- دورة الخلاء- أصبحت نهايته في ذلك المكان، وقتل نفسه بيده، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، فإذا ما اعتنى المسلم بأصل العلم وبأصل الدين- وهو العلم بأسماء الله وصفاته- فإن ذلك سيحرك كوامن الإيمان في النفس، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا؛ فإذا ما ضيع هذا، فإن ذلك يكون سببًا في ضياعه في دنياه وفي أُخراه، فكما يقول ابن القيم: «بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده» (^٢)، والعياذ بالله.
فخلاصة الأمر: ضرورة معرفة الحق بدليله، وضرورة معرفة الباطل بِشُبهه حتى يُمكن التصدي له.
وهذا الباب- بحمد الله- أُحكم إحكامًا عظيمًا، ومن آية واحدة تستطيع أن تَستخرج عِدَّة قواعد، كما سيأتيك الآن في بعض هذه القواعد؛ انظر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، و﴿وَلِلَّهِ﴾ هذه فيها قاعدة. ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ فيها قاعدة. ﴿الْحُسْنَى﴾ فيها قاعدة. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فيها قاعدة. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيها قاعدة. في آية واحدة تستخرج جملة من القواعد وجملة من المعاني، ولو أنَّنا تدبرنا كلام الله
_________________
(١) وهي: (الدِّين والنَّفْس والعقل والعِرض والمال)، وقد جاء الإسلام بحفظها؛ قال الإمام الشاطبي ﵀: «اتفقت الأمة- بل سائر الملل- على أنَّ الشريعة وُضِعَت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس …، وعِلْمُها عند الأُمَّة كالضَّروري». «الموافقات» (١/ ٣١).
(٢) تَقَدَّم كلامه قريبًا.
[ ٣٦ ]
وكلام رسوله -ﷺ- سيكون هذا- بإذن الله تعالى- سببًا في أن تلين هذه القلوب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، ستلين هذه القلوب، وسيكون هذا سببًا في فلاحها وسعادتها.
وقد أحببنا أن نُقَدِّم بهذه المقدمة لأهمية هذا الباب، فهو كما قال المصنف: «منزلته في الدين عالية، وأهميته عظيمة، ولا يمكن أحدًا أن يَعبد اللهَ على الوجه الأكمل حتى يكون على علم بأسماء الله تعالى وصفاته؛ ليَعبده على بصيرة»، ثم ذكر أنواع الدُّعاء هنا: فَذَكر دعاء المسألة، وذكر دعاء الثناء؛ فدعاء المسألة كقولك: رَبِّ اغفر لي، رب ارحمني. بل إنه من الأدب أن تُثني على الله -﷾- بين يدي طلبِك؛ فتأمل دعاء النبي -ﷺ-: «اللهم إنَّك عفو تحبُّ العفو؛ فاعفُ عَنِّي» (^١)؛ فأين جاء الطلب في آخر الأمر: «اللهم إنك عفو تحب العفو» هذا كله ثناء، «فاعفُ عَنِّي» هذه المسألة.
بل ونحن نشاهد في عصرنا الحاضر كيف أن القلوب مَرضت حتى كثرت العيادات النفسيَّة؟! وتأسف كيف لأمة أن يكون هذا هو حالها، مع أنَّ نَبِيَّها -ﷺ- أرشدَها إلى ما فيه دواء هذه النُّفوس، حيث قال: «ما أصابَ عبدًا قط هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حَزَنٌ ..»، هذه ثلاثة أحوال تصيب النفس: الهم والغم والحزن، ما الفرق بينها؟ الهم يأتي قبل المكروه؛ فأنت إذا توقعت مكروهًا أصابك الهم؛ تهتم له. والغم يأتي أثناء المكروه؛ أثناء المصيبة. والحزن يأتي بعد وقوع المصيبة. والإنسان دائمًا بين هَمٍّ؛ يعني يتوقعه مستقبلًا، أو أمر قد فاته قد حَزن عليه، أو في غَمٍّ أصابه في ذلك الوقت؛ فيقول النبيُّ -ﷺ- وهو الطبيب لهذه الأمة؛ التي أعرضت هذه الأمة عن طِبِّه وعن دوائه- يقول لنا: «ما أصاب عبدًا قطٌّ هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حَزن، ثم قال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك؛ أسألك بكلِّ
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥١٣) من حديث عائشة -﵂-، وقال: «حسن صحيح»، والنسائي في «الكبرى» (٧٦٦٥)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٧٨٩).
[ ٣٧ ]
اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسَك ..» - انظر بماذا سأل؟ سأل الله بأسمائه تصديقًا وتطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]- «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابِك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في عِلم الغيب عندك: أن تَجعل القرآنَ العظيم ربيعَ قلبي …» إلى آخر الحديث (^١).
انظر أعطى النبي -ﷺ- تطبيقًا لهذه الآية ومصداقًا لهذه الآية؛ فسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى. فهل الأمة تُطبق هذا في حالها؟!
فهذا الدواء! بدلًا عن هذه العيادات النفسية التي في غالب الأحيان تعطيك مسكنات وأدوية حسيَّة قد يكون وبالها عليك أكثر من نفعها لك؛ فلو أنك داومت على هذا الدواء الشافي- بإذن الله تعالى- لأصبحت في غُنية عما يُواجهه الكثير من الناس من حالة اضطراب وقلق نفسي وأمراض نفسية؛ بسببها تجد هذه العيادات وهذه المستشفيات وما أكثرَها، ووالله ما كان مجتمع المسلمين يعرف هذا إلا في حالات من الجنون ونحوه، لكن اليوم يتردد كثير حتى الصِّغار- حتى الصبية- يَترددون على هذه العيادات، مع أننا- بحمد الله تعالى- قد نكون نحن في غنية عن كثير مما يدعو إلى اللجوء إليها، لكننا هجرنا مثل هذا الخير؛ فحُرمنا الخير، ونالنا ما نالنا مِنْ بلاء في هذا الشيء.
فإذًا وجه الاستشهاد من قوله ﷾: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾: أن الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالدعاء بها يتناول:
- دعاء المسألة (^٢): كقولك: ربي ارزقني.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (٣٧١٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٩٧٢) من حديث ابن مسعود -﵁-، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٩٩).
(٢) دعاء المسألة: ما كان فيه طلب جلب نفع أو دفع مضرة.
[ ٣٨ ]
ودعاء الثناء (^١): كقولك: سبحان الله.
ودعاء التعبد (^٢): كالركوع والسجود (^٣).
_________________
(١) دعاء الثناء: ما كان فيه التمجيد والثناء على الله، وخلا من السؤال.
(٢) دعاء التعبد: الحركات التعبدية؛ كالصلاة، فهي الدعاء.
(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).
[ ٣٩ ]
قال المُصَنِّفُ ﵀: