مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
مثال ثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾؛ لأن العجز سببه: إمَّا الجهل بأسباب الإيجاد، وإمَّا قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن لِيُعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
وبهذا المثال علمنا أنَّ الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال».
الشرح
تنقسمُ الصِّفات باعتبار ورودها في النُّصوص إلى قسمين:
١ - صفات ثبوتية. ٢ - صفات سلبية (أي: منفية).
القسم الأول: الصفات الثبوتية:
وتعريفها: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
والصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم- والحياة- والعزة- والقدرة- والحكمة- والكبرياء- والقوة- والاستواء- والنزول- والمجيء، وغيرها.
وتنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية:
وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها: الدليل الشرعي السَّمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
[ ١٣٦ ]
وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثُّبوتية يشترك فيها الدَّليلان السَّمعي والعقلي (^١)، وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.
ومنها: (العلم، السَّمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة).
وسميت «شرعية عقلية».
فشرعية: لأنَّ الشرع دلَّ عليها أو أرشد إليها.
وعقلية: لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تُعلم إلا بمجرد الخبر.
فإذا أخبر الله بالشييء ودل عليه بالدلالات العقلية- صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليل العقل الذي يُعلم به؛ فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تُسَمَّى الدلالة الشرعية (^٢).
القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية:
وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتَّسليم (^٣).
ومنها: (الوجه- اليد- العين- الرِّضا- الفرح- الغضب- القَدَم- الاستواء- النزول- المجيء- الضحك).
وهي تنقسم إلى قسمين:
١ - صفات ذاتيَّة؛ مثل: (الوجه- اليد- العين- القَدَم).
٢ - صفات فعلية؛ مثل: (النزول- الاستواء- الغضب- الفرح- الضحك).
_________________
(١) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيه» (ص ٢٠٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧١، ٧٢).
(٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٧).
[ ١٣٧ ]
القسم الثاني: الصفات السلبية:
وتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه.
ومن أمثلتها: النَّوم- الموت- الجهل- النِّسيان- العجز- التعب- الظلم.
فيجب نفيُها عن الله ﷿ مع إثبات أنَّ الله موصوف بكمال ضدها.
فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
«وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (^١).
ومجمل القول أن أهل السنة يعتقدون: أن باب الصفات كباب الأسماء يجب الاعتماد فيهما على ما جاء في الكتاب وما ثبت في السنة فقط.
وأن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه؛ فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنص كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجب الإيمان بها، والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه
_________________
(١) «رسالة في العقل والروح» (٢/ ٤٦، ٤٧) لابن تيمية، (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية).
[ ١٣٨ ]
وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تَمَدَّح بها أو أَثنى عليه بها نبيُّه ﷺ: أن يكون مُعَظِّمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه؛ أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).
فالعارفون به ﷾، والمصدقون لرسله، المُقِرُّون بكماله- يُثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات؛ فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل؛ فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهُدًى بين ضلالتين.
وكذلك أهل السنة يُفَوِّضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إليه جل وعلا؛ فلا علم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كُنه شيء من صفات ربنا تعالى، كأن يقال: استوى على هيئة كذا، وكلُّ مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغُلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العِباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووضحه، والعِباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما علَّمهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فليؤمن العبد بما علمه الله تعالى وليقف معه، وليمسك عما جهله ولْيَكِل معناه إلى عالمه» (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢١، ٢٢).
(٢) انظر: «معارج القبول» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧).
[ ١٣٩ ]