أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾».
الشرح
التمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق: أنَّها مِثل صفات المخلوقين.
وهو قول المُمَثِّل: له يدٌ كيدي وسَمع كسمعي. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
والتمثيل والتَّشبيه بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^١).
فالمماثلة: هي مُساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير بنفي (التمثيل) أَوْلَى لموافقة لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾.
والتكييف: هو جعل الشيء على حقيقة مُعَيَّنة من غير أن يُقَيِّدها بمماثل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل، وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل؛ فكل تمثيل تكييف؛ لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كَيَّف تلك الصفة، أي: جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
وليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن مِنْ التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين؛ كقولهم: (طوله كعرضه).
وقد وقع في التمثيل والتكييف (المُشَبِّهة) الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
_________________
(١) «القواعد المُثلى» (ص ٢٧).
[ ١٥٥ ]
فعقيدتهم تقوم على دعواهم: أنَّ الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فتعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتقَوَّلوا على الله بغير علم، وشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين؛ فقال قائلهم: (له بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي). تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
«وقد هدى الله أصحاب سواء السَّبيل للطريقة المُثلى؛ فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين وهديًا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نُؤول ولا نُمَثِّل ولا نجهل.
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك مَنْ أثبت لله شيئًا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا
[ ١٥٦ ]
إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا» (^١).
فالعارفون به المصدقون لرسله المقرون بكماله يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات؛ فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، ويُفوضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إليه ﷾، فلا عِلم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كنه شيء من صفات ربنا تعالى؛ كأن يقال: استوى على هيئة كذا، وكل مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله مِنْ الغلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم يَأذن به الله، ولا يليق بجلاله وعظمته، ولم ينطق به كتاب ولا سُنَّة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووضَّحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما عَلَّمهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فليؤمن العبد بما عَلَّمه الله تعالى وليقف معه، وليُمسك عما جهله، وليكل معناه إلى عالمه» (^٢).
ومعنى قول أهل السنة: (من غير تكييف)، أي: مِنْ غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: (من غير تكييف): أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإنَّ كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون عِلمهم بالكيف؛ إذ لا يَعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^٣)؛ لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات، ولم يُخبرنا عن كيفيتها؛ فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قَفْوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
(٢) انظر: «معارج القبول» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧).
(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (ص ٢١).
[ ١٥٧ ]
مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
أي: يؤمن السلف بأسماء الله وصفاته وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيُفَوِّضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويُفَوِّضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف؛ فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرءون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه؛ فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل، ولم يقع تعطيلٌ إلا بتشبيه، ولو أنهم نَزَّهوا الله تعالى ابتداء عن مُشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة؛ لسَلِموا ونَجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أنَّ السلف لم يَكونوا حملةَ أسفار لا يَدرون ما فيها.
ومَن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب: عَلم أنَّهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يَفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
ومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.
[ ١٥٨ ]
قال المصنف ﵀: