ولقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ﴾، ومن المعلوم: أنَّ كثيرًا من أمور الشَّريعة العِلمية والعَمَلية جاء بيانُها بالسُّنَّة؛ فيكون بيانُها بالسنة مِنْ تِبيان القرآن.
وأما العقل فنقول: إنَّ تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل- فوجب الرجوعُ فيه إلى ما جاء في الكتاب والسُّنَّة.
الشرح
مجمل القول: إن في الأمر ثلاثة أبواب:
١ - باب الأسماء: وهذا يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٢ - باب الصِّفات: وهذا كذلك يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٣ - باب الأخبار: وهذا لا يشترط فيه ورود النص الشرعي، ولكن يشترط أن يكون معنى اللفظ المستعمل ليس بِسَيِّئ.
أمَّا أهل التعطيل: فقد جعلوا (العقل) وحده هو أصل عِلمهم؛ فالشُّبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تُثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشُّبه العقلية؛ فإن وافقتها قُبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها رُدَّت تلك النصوص الشرعية وطُرحت، وفي هذا يقول قائلهم: «كل ما ورد السمع به يُنظر، فإن كان العقل مجوِّزًا له وَجب التصديق به».
وأمَّا ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يُتصور أن يَشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.
وظواهرُ أحاديث التَّشبيه- يعني: بها أحاديثَ الصفات- أكثرها غير
[ ١٦٦ ]
صحيحة، والصَّحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل» (^١).
فهذا النَّقل يُبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروضًا عليها؛ فما أجازته عقولهم قَبِلوه، وما لم تُجزه عقولهم شَكَّكوا فيه وانتقصوه، ومِن ثَمَّ سَعوا في تأويله وتحريفه، ومَن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة- مثلًا- يجد أنَّ القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى: (إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات)، وهم في باب (الإلهيات والنُّبوات) لا يَقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشُّبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبًا؛ أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم مِنْ ملاحدة اليونان وتلاميذهم؟!
وأمَّا باب (السمعيات) - أي: البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد- فهم يَقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بـ (السمعيات) في مقابل باب (الإلهيات والنبوات)؛ إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال مَنْ قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقد زلَّت في هذا الباب فِرَقٌ شتى، وقد أرجع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختلافهم إلى قولين؛ فقال: «والناس متنازعون: هل يُسَمَّى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يَرد بإطلاقه نص ولا إجماع، أم لايُطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا، على قولين مشهورين:
_________________
(١) «الاقتصاد في الاعتقاد» لأبي حامد الغزالي (ص ١٣٢، ١٣٣)، وقال في كتابه «المستصفى» (٢/ ١٣٧، ١٣٨): «كل ما دلَّ العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليلٌ سمعي على خلاف العقل؛ فإمَّا أن لا يكون متواترًا فيُعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا».
[ ١٦٧ ]
١ - فعامة النُّظَّار- أي: أهل الكلام- يُطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ (القَديم) و(الذات) ونحو ذلك.
٢ - ومِن الناس مَنْ يَفْصِل بين الأسماء التي يُدعى بها، وبَين ما يُخبر به عنه للحاجة؛ فهو- سبحانه- إنَّما يُدعى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وأمَّا إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك. فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدلُّ على المدح» (^١).
فالذين خالفوا الحقَّ في هذا الباب هم بعض أهل الكلام، كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النَّقل السابق، ومِن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرَّامِيَّة.
أمَّا المعتزلة، فقد ذكر البغداديُّ أنَّ المعتزلة البَصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس» (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعري: «واختلفت المعتزلة، هل يجوز أن يسمى البارئ عالمًا مِنْ استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه، وإن لم يَأته السمع مِنْ قِبَل الله سبحانه؛ بأن يسميه بهذا الاسم أم لا، على مَقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم: أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميعًا بصيرًا مَنْ استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية: أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء
_________________
(١) «رسالة في العقل والرُّوح» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤٦، ٤٧)، (مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية).
(٢) «الفَرق بين الفِرَق» (ص ٣٣٧).
[ ١٦٨ ]
من دَلَّه العقلُ على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسولٌ مِنْ قِبَل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (^١).
٢ - وأما الأشاعرة، فإنَّ جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يَشترط التوقيف، واشترط أمرين هما:
١ - أن يدل على مَعنى ثابت لله تعالى.
٢ - ألَّا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى (^٢).
وتَوَقَّف الجُويني في هذه المسألة؛ فهو يَرى أنَّ الجواز وعدمه حكمان شرعيَّان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع، ولم يأت، ولذا قال بالتَّوَقُّف (^٣).
قال السَّفَّاريني: «الجمهور منعوا إطلاق ما لم يَأذن به الشرع مطلقًا، وجَوَّزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعضُ الأشاعرة؛ كا لقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقَّف إمامُ الحرمين الجوينى ..» (^٤).
غير أنَّ مُعتقد أهل السنة في الأسماء والصفات قد قام على أساس وجوب الإيمان بما وردت به نصوصُ القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.
وهذا الأساس لابد فيه من مراعاة ما يلي:
أولًا: أنَّ طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
فالذي يجب اعتقاده هو أنَّ معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف
_________________
(١) «مقالات الإسلاميين» (ص ١٩٧).
(٢) «شرح المقاصد» للتفتازاني (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥).
(٣) «الإرشاد» (ص ١٣٦، ١٣٧).
(٤) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٢٤).
[ ١٦٩ ]
على دراسة الكتاب والسُّنَّة؛ لأن هذا التوحيد يتطلب أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة؛ «فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته؛ فإنَّه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره» (^١)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا؛ لأنه لا يُسَمِّي اللهَ أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، فالله ﷿ هو الذي سَمَّى ووصف نفسه بما جاء في نصِّ كلامه الذي هو القرآن.
ولا يُسَمِّي ويَصف اللهَ بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفَصَّلت ذلك أعظم مِنْ تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
ثانيًا: تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تَبع؛ فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام: أنَّ العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.
فالعقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات؛
_________________
(١) «معارج القبول» (١/ ٣٣٠، ٣٣١).
[ ١٧٠ ]
فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لأن العقل يَقصر عن إدراك حقيقة المغيبات، حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يُحيط علمًا بحقيقة رُوحه التي بين جَنْبَيْه؛ لمَّا أخفى الله أمرها عنه؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فإذا كان الإنسان يجهل أمر رُوحِه، فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يَصلح وما لا يَصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفيَّة ذاته؟!
[ ١٧١ ]
قال المصنف ﵀: