الشرح
سبق أَنْ قرَّرنا أنَّ طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
ولذلك فمن الواجب على كل مُكَلَّف أن يُجري نصوص القرآن والسُّنَّة على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.
والتحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة. فهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حَرفتُ الشيء عن وجهه: إذا أَمَلْتَه وغَيَّرته.
والتحريف شرعًا: الميلُ بالنُّصوص عما هي عليه؛ إمَّا بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.
أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره (^١).
والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.
٢ - أنواع التحريف:
التحريف نوعان:
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:
١ - الزيادة في اللفظ.
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥).
[ ١٧٣ ]
٢ - النُّقصان في اللفظ.
٣ - تغيير حركة إعرابية.
٤ - تغيير حركة غير إعرابية.
ومن أمثلة تحريف اللفظ:
المثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: «وَكَلَّمَ اللهَ»، أي: موسى كلم اللهَ، ولم يُكَلِّمه اللهُ، ولما حرفها بعضُ الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تَصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؛ فبُهِت المُحَرِّفُ.
مثال آخر: إنَّ بعض المعطلة سأل بعضَ أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ (العرش) بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقصد بهذا التحريف: أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (^١).
النوع الثاني: تحريف المعنى:
وتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (^٢).
أو نقول: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدرٍ ما مشترك بينهما.
وهذا النوع هو الذي جَالَ فيه أهلُ الكلام من المُعَطِّلة وصالوا وتوَسَّعوا وسَمَّوْه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يُعهد به استعمالٌ في اللغة (^٣).
ومن أمثلة تحريف المعنى:
قول المعطلة في معنى ﴿استوى﴾: (استولى)، وذلك كما في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٨).
(٢) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٠١).
(٣) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧).
[ ١٧٤ ]
وفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾: النعمة والقدرة.
وفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: وجاء أمر ربك. وأشباه ذلك.
وقد ذَكر الله التحريف وذَمَّه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود؛ فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المُحَرِّفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة، وما غُلِبوا عن تحريف لفظه حَرَّفوا معناه، ولهذا ذمَّ الله تعالى اليهود- دون غيرهم من الأمم- على تحريفهم، وبَيَّن أنهم بتحريفهم مِنْ أبعد الناس عن الإيمان؛ فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية.
وقد درج على آثارهم الرَّافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (^١).
وأصحاب تحريف الألفاظ شَرٌّ مِنْ أصحاب تحريف المعنى من وجه.
وأصحاب تحريف المعنى شَرٌّ من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.
فأصحاب تحريف اللفظ عَدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه؛ فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله؛ فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.
فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حَرَّفوا له لفظًا يَصلح له؛ لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أُطلق ذلك اللفظ المحرف فُهِم منه المعنى المحرف؛ فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥، ٢١٦).
[ ١٧٥ ]
اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ؛ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (^١).
وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرًّا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالًا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رَوَاجًا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيَفتتن به مَنْ ليس لديه زادٌ من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهم وَفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يُتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص لمجرد أنَّها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^٢).
فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تُحفظ لها حُرمتها، وذلك بأن نفهمها وَفق مراد الشارع؛ فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.
فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومِن تمام العلم أن يُبحث عن مراد الله ورسوله بها ليُثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، ويُنفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^٣).
وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجهٍ أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب؛ فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فَصَّلت
_________________
(١) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧، ١٤٨).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٠١).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ١١٣، ١١٤) بتصرف.
[ ١٧٦ ]
رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
فالمُطَّلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.
ولا تَرُوج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أُتِي مِنْ جهة جهله لا مِنْ قِلَّة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
[ ١٧٧ ]
قال المصنف ﵀: