يُبَلغ البلاغ المبين، وأن يُبَيِّنْ للناس ما نُزِّل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الربُّ عن صفاته .. لا يَعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بَيَّنَ للناس ما نُزِّل إليهم، ولا بَلَّغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل مُلحد ومُبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النُّصوص ما يُناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة مُتشابهة، ولا يَعلم أحد معناها، وما لا يَعلم أحد معناه لا يجوز أن يُسْتَدَلَّ به؛ فيَبقى هذا الكلام سدًّا لباب الهُدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب مَنْ يعارضهم، ويقول: إن الهُدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونُبَيِّنه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يَعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يُبينوا مرادهم.
فتَبين أنَّ قول أهل التَّفويض الذين يزعمون أنهم مُتَّبعون للسُّنة والسلف من شرِّ أقوال أهل البدع والإلحاد». اهـ كلام الشيخ، وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد؛ رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنَّات النَّعيم».
الشرح
خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فهذا ردٌّ على المُمَثِّلة المُشَبِّهة.
فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.
[ ١٨٠ ]
وكذلك من عَطَّل صفات الخالق توهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يُوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.
وهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها مُعَيَّنًا مختصًّا به.
فإذا سُمِّي بها العبد كان مُسَمَّاها مختصًّا به.
فوجود الله وحياته لا يُشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟
وبهذا ومثله يتبين لك أنَّ المُشَبِّهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحقِّ فَضَلُّوا.
وأنَّ المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجهٍ من الوجوه، وزادوا فيه على الحق حتى ضَلُّوا.
وأنَّ كتاب الله دلَّ على الحقِّ المَحض الذي تعقلُه العقول السليمة الصحيحة، وهو الحقُّ المعتدل الذي لا انحرافَ فيه (^١).
وبعد إثباتنا لصفات الله تعالى علينا فقط أن نقطع الطمع عن إدراك كيفية اتصافه سبحانه بهذه الصفات، ويتم ذلك بما يلي:
أولًا: إن الله لم يُطلع الخلق على ذاته، ولم يُكَلِّفهم معرفة ذاته.
لم يشأ الله ﷿ أن يجعل للعباد مِنْ سبيل إلى معرفة كيفية وكُنه صفاته، فقد سَدَّ سبحانه الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو مِنْ جهة لم يُطلع الخلق على ذاته، فهذا باب مَوصود إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحد منكم ربَّه حتى ﷿ حتى يموت» (^٢).
_________________
(١) «شرح الطحاوية» (ص ١٠٤) بتصرف.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب (الفتن)، باب (ذكر ابن صياد)، حَدِيث (١٦٩).
[ ١٨١ ]
ومِن جهة ثانية لم يخبرنا الله ﷿ بكيفية وكُنه صفاته في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فما وردت به النصوص إنما هو إثبات وجود لتلك الصفات لا إثبات كيفية.
ومن جهة ثالثة فإنَّ الله لم يُكلف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك ولا أراده منهم، بل قَصرهم على الإيمان بما أخبرهم به، فالواجب عليهم أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وأن لا يتجاوزوا حدود ذلك.
وقد ورد النص في وجوب قطع الطَّمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله؛ فإدراك ذلك مستحيل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية من سورة طه، فقوله: ﴿يُحِيطُونَ بِهِ﴾ فعل مضارع منفي، والفعل الصناعي الذي يسمى (بالفعل المضارع، وفعل الأمر، والفعل الماضي) ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا؛ فيحيطون في مفهومها (الإحاطة)، فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنَّكرة المَبنية على الفتح؛ فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري بربِّ السموات والأرض، فيُنفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المُسندة منفية (للخلق) عن ربِّ العالمين» (^١).
ولذلك على العقل أن ييأس مِنْ تعرُّف كُنه الصفات وكيفياتها لعجزه عن معرفة ذلك؛ لأنَّ الشيء لا تُعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العِلم بنظيره المُساوي له، أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق مُنتفية في كيفية صفات الله، فوجب بطلان تكييفها.
_________________
(١) «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢٤).
[ ١٨٢ ]
وعِلم الإنسان محدود، كما أخبر الله بذلك؛ حيث قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
وإذا كانت نفسُ الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته- لا يَعرف الإنسانُ كيفيتها ولا يحيط علمًا بحقيقتها، فالخالقﷻ- أَوْلَى أن لا يَعلم العبد كيفيته ولا يحيط علمًا بحقيقته (^١).
وقد أدَّب الله عباده المؤمنين ووجَّههم بأن لا يخوضوا في أمور لا علم لهم بها، فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها، ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قَفْوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به، ومخالفة لما نهانا الله وحذرنا منه، وحَرَّمه علينا.
فيجب الكفُّ عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان؛ لأن أيَّةَ كيفية تقدرها الأذهان فالله أعظم وأجَلُّ من ذلك، ثم هي في الوقت ذاته ستكون كذبًا؛ لأنه لا عِلم لقائلها بذلك.
ولهذا نقل أصحاب المقالات عن بعض المشبهة- الذين خاضوا في كيفية صفات الله- أنه قال في ربِّه في عام واحد خمسة أقاويل (^٢)، وصدق الله إذ قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.
_________________
(١) «رسالة في العقل والروح» لابن تيمية (٢/ ٤٤)، مطبوعة ضمن مجموعة «الرسائل المنيرية».
(٢) «مقالات الإسلاميين» (ص ٣٣).
[ ١٨٣ ]
فعلى المُسلم أن يحذر من التكييف أو محاولته، فإنَّ مَنْ فعل ذلك فقد وقع في مَفاوز لا يستطيع الخلاص منها، فالخوض في ذلك هو مما يلقيه الشيطان في القلوب، وهو نزغة من نزغاته، فلذلك يجب على المؤمن أن يلجأ إلى ربِّه ويستعيذ به من نزغات الشيطان؛ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ولذلك معنى قول السلف: «بلا كيف» أي: بلا كيف يَعقله البشر، فليس المراد من قولهم: «بلا كيف» هو نفي الكيف مطلقًا، فإنَّ كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد هو نفي العلم بالكيف، إذ لا يَعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^١)، فهذا مما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى الوصول إليه، فكما أنَّ ذات الله لا يمكن للبشر معرفة كيفيتها، فكذلك صفاته سبحانه لا نعلم كيفيتها، ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ فقيل له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ كيف استوى؟ قال ﵀: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». ثم قال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه من مجلسه.
وقد روى عن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن قوله: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول»، أي: لا تَعقله العقول ولا تحيط به.
وهذا يقال في سائر الصفات، وقد مشى أهل العلم على هذا الميزان، واعتبروا ذلك قاعدة من قواعد الصفات.
فقول الإمام مالك: «الاستواء معلوم»: أي: معلوم المعنى في لغة العرب، فـ (استوى) هنا عُدِّيت بـ (على)، فهي هنا بمعنى: علا وارتفع، وهكذا الأمر في سائر نصوص الصفات، فإن معانيها معروفة في لغة العرب، وليست مجهولة.
_________________
(١) «شرح العقيدة الواسطية» للهراس (ص ٦٧، ٦٨).
[ ١٨٤ ]
«والكيف مجهول»: أي: مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستوٍ على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يَكِلُون علمَ كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه.
«والإيمان به واجب»: أي: الإيمان باستواء الله على عرشه حقيقة واجب؛ لوروده في النصوص الشرعية.
«والسؤال عنه بدعة»: أي: السؤال عن كيفية الاستواء؛ لأن السائل قال: كيف استوى؟
فعدم العلم بكيفية صفات الله لا يَقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها؛ لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات ويُفسرونها، فإذا أثبتوا لله السَّمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تَجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كُنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلًا.
وكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلًا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم مِنْ كل دان قد حُجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يَعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشكُّ المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته؛ كما قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».
فكذا الأسماء والصفات لا يَمنع انتفاء نظيرها في الدنيا مِنْ فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها (^١).
فإيماننا صحيحٌ بحقِّ ما كُلِّفنا به وإن لم نَعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم.
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٥٨).
[ ١٨٥ ]
قال المصنف ﵀: