الشَّرح
هذه هي القاعدة الثانية من قواعد أسماء الله الحسنى، وهي «أن أسماء الله -﷾- أعلام وأوصاف».
فكل اسم من أسماء الله -﷾- له دلالة على الذات، ويتضمن كذلك هذا الاسم معنى من المعاني؛ فالسميع: اسم من أسماء الله الحسنى يدل على ذات الله -﷾-، وكذلك متضمن لصفة، وهي صفة السمع، فبالتالي يدل على هذه الصفة.
فهي- أي: الأسماء- أعلام؛ بالاعتبار الأول، وأوصاف بالاعتبار الثاني، أي: باعتبار ما دَلَّت عليه وما تضمنته.
وفي هذه القاعدة عدة مسائل:
المسألة الأولى: أن أهل اللغة فرقوا بين الأعلام والأوصاف، أي: بين أن يكون هذا اللفظ علمًا وبين أن يكون صفة؛ فجعلوا الأعلام جامدة، وجعلوا الأوصاف مشتقة؛ فمثلًا لو أخذت وصفًا وأطلقته اسمًا مثل كريم، وأردت أن تسمي ابنك أو تسمي أخاك به، فتقول: (كريم)، فهذا اللفظ عندما نقلته من الوصفية إلى العلمية قد تجرد من خصائص الوصفية، وأصبح علمًا جامدًا، فأصبحت هذه خاصية للاسم: أنه جامد غير مشتق والصفة مشتقة.
فبالتالي في أسماء المخلوقين يقال: العلمية تنافي الوصفية؛ فيكون العلم جامدًا والوصف مشتقًّا.
[ ٥٢ ]
ومعلوم أن العلم يختص والوصف يكون مشتركًا، فإذا قلت: فلان من الناس طويل. فهذا وصف مشترك بين جملة من الناس.
فمثلًا: لو قلنا: (فلان طويل) فهذا وصف مشترك بين جملة من الناس، فلا يمكن أن تنادي في جمع كبير من الناس، وتقول: يا طويل؛ لأنه قد يلتفت إليك اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ باعتبار أن هذا وصف مشترك بين كل هؤلاء، والاسم يحمل خاصية الاختصاص، فأنت ما سَمَّيت ابنك (أحمد) مثلًا أو غيرها من الأسماء؛ إلا لتتعين وتتميز. فهذه وظيفة الاسم. يقولون: الاسم هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا، فإذا قلت لك: أحضر آلة التسجيل. فهذا اسم قد أطلقتُه على جهاز مُعَيَّن. إذًا فقد عينت لك ماذا أريد، ومَيَّزته عن غيره من الأجهزة؟
فيقولون: الاسم هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا. فهذه وظيفة الاسم، فبالتالي في أسماء البشر وفي أسماء الخلق هناك منافاة بين العلمية والوصفية.
وبالتالي لا يمكن للصفات أن تؤدي هذه الوظيفة بالنسبة للمخلوق؛ لأن صفات العباد مشتركة بينهم؛ فيتعذر بذلك الاختصاص الذي هو وظيفة الاسم.
وقد أراد المعتزلة (^١) أن يدخلوا من هذا الباب، بل أراد أهل الباطل- حتى مِنْ قَبلهم- أن يدخلوا من هذا الباب؛ فمثلًا- والله -﷾- ذكر هذا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ﴿الإسراء: ١١٠]، فدعوت فقلت: يا الله. أو قلت: يا رحمن. فكلا الأمرين اسم لله.
_________________
(١) المعتزلة: فرقة عقلانية كلامية فلسفية، تتكون من طوائف من أهل الكلام، الذين خلطوا بين الشرعيات والفلسفة والعقليات في كثير من مسائل العقيدة، وقد خرجت المعتزلة عن السنة والجماعة في مصادر التلقي ومناهج الاستدلال ومنهج تقرير العقيدة وفي أصول الاعتقاد، ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية والعدلية، وبرزت كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الذي كان تلميذًا للحسن البصري ﵀.
[ ٥٣ ]
والجواب: أن أسماء الله -﷾- أعلام وأوصاف، «والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد؛ فإنها تُنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة، فنَافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى» (^١)، وذلك لسببين:
السبب الأوَّل: أن أوصاف الله -﷿- مختصة به -﷾-، فكون هذه الأوصاف مختصة به، فعند ذلك في حق الله تعالى لا تنافي بين العلمية والوصفية، فكونها أعلامًا تحمل خاصية الاختصاص، وكونها أوصافًا لا شك أن الوصف يكون بهذا الشكل، فلا تنافي بين أن تكون أعلامًا وأوصافًا؛ لأن أسماءه -﷿- مختصة به، فلا تنافي بين أن تكون وصفًا وأن تكون اسمًا، فأوصافه مختصة وأسمائه مختصة به، فإذًا ليس هناك تنافٍ من جهة الاختصاص، بخلاف أوصاف العباد فهي مشتركة بينهم؛ فنافتها العلميَّة المختصة.
السبب الثاني: أن أسماء الله -﷾- الدالة على هذه الأوصاف، هذه الأوصاف الله متصف بها أزلًا، بخلاف أسماء المخلوقين فإنها مستعارة لهم؛ «فقد يُسمَّى الرّجل (حكيما) وهو جاهل، و(حَكَمًا) وهو ظالم، و(عزيرًا) وهو حقير، و(كريمًا) وهو لئيم، و(صالحًا) وهو طالح، و(سعيدًا) وهو شقيٌّ، و(محمودًا) وهو مذموم، و(حبيبًا) وهو بغيض، و(أسدًا وحمارًا وكلبًا) …، وليس كذلك» (^٢).
فهذه أسماء مستعارة لك، ولا يكون هذا في حق الخالق ﷾.
«فالله﵎ اسمُه- كُلُّ أسمائه سواء، لم يزل كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يَسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يَرى أعيانهم مخلوقة (^٣).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
(٢) «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للشارح (ص ١٠٤، ١٠٥).
(٣) «الرد على المريسي» (ص ٤٩)، المكتبة الإسلامية، مصر، الطبعة الاولى، ١٤٣٣ هـ- ٢٠١٢ م ..
[ ٥٤ ]
والمعتزلة أرادوا أن يطبقوا في حقِّ أسماء الله تعالى ما هو الشأن في حق أسماء المخلوقين أخذًا بهذه القاعدة اللغوية، والقاعدة اللغوية مسألة اصطلاحية؛ لكي تفرق بين الاسم والصفة، فجعلت هذا جامدًا وجعلت هذا مشتقًّا. وهذا أمر يختص بمسائل اللغة والنحو وغير ذلك.
أما في حق أسماء الله تعالى وأوصافه فلا تناف، وهذا ما تجده مطبقًا في النصوص؛ فأسماء الله أعلام وأوصاف، وهذا تجده ماثلًا أمامك في النصوص. ففي الاعلام قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿الشورى: ١١]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿التحريم: ٢]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧]. والذي أخبر بالاسم هو الذي أخبر بالصفة؛ فمثلًا أخبر بـ (الرحيم)، فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]، وأخبر بالغفور فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ ﴿فصلت: ٤٣]، وأخبر بالعزيز فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ﴿فاطر: ١٠]، فالذي أخبر بالاسم أخبر بالصفة، فأين التنافي؟!
وبهذين السببين يتأكَّدُ التَّفريق بين أسماء الخالق وأسماء المخلوقين (^١).
فإذا أراد المعتزلي أن يقول: هو سميع بلا سمع، عليم بلا علم، بصير بلا بصر، ليطبق القاعدة النحوية على أسماء الله -﷾-! فهذا أمر يتنافى مع النص تنافيًا واضحًا؛ لأن الله تعالى أخبر بهذه الأسماء وأخبر بصفاتها، فلا تنافي بين العلمية والوصفية؛ إذ كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الذات؛ باعتبار أن هذا اسم من أسمائه، ويدل على الصفة باعتبار ما تضمنه الاسم من المعنى الذي نُسميه الصفة.
وبالتالي يجب أن ننظر إلى الأسماء باعتبارين: باعتبار أنها مترادفة. وباعتبار أنها متباينة.
_________________
(١) «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للشارح (ص ١٠٥).
[ ٥٥ ]
فالألفاظ تنقسم من حيث العلاقة بين اللفظ والمدلول إلى أربعة أقسام:
الألفاظ المترادفة. والألفاظ المشتركة. والألفاظ المتباينة. والألفاظ المتواطئة.
ولا بد من معرفة هذه المصطلحات حتى نستطيع فهم المسألة واستيعابها.
فالمترادف يقابله المشترك.
والمتباين يقابله المتواطئ.
يعني كل نوعين يكاد يُشكلان ضِدَّين.
فأحيانًا اللفظ الواحد يعطيك أكثر من معنى، وأحيانًا المعنى الواحد أو المدلول الواحد تعبر عنه بأكثر من لفظ، فإذا كان المدلول واحدًا، أو المعنى واحد، أو المراد واحد والألفاظ متعددة، فهذا يسمى المترادف؛ مثل: (الأسد) من أسمائه: الأسد والهزبر وأسامة والغضنفر … إلى غير ذلك من أسمائه. و(السيف): من أسمائه: الصارم والحسام والبتار والمهند. فتجد جملة من الألفاظ دالة على شيء واحد. فهذا النوع نسميه المترادف، وهو المراد منها، فإذًا (الله السميع البصير العليم الحكيم)، هذه باعتبار أنها أسماء تكون مترادفة، فإذا كانت الألفاظ متعددة والمدلول واحد، فهذا يسمى بالمترادف.
والمشترك عكسه؛ فاللفظ واحد والمعاني متعددة. فمثلًا: لفظ (العين) يُطلق على الحسد، ويطلق على الجاسوس، ويطلق على عين الماء، ويطلق على العين الباصرة؛ فكل واحدة من هذه تستخدم فيها هذا اللفظ وحده، فتقول: هذا عين للأعداء. هذه عين عذبة. هذه عين حادَّة البصر. أو أصابته عين. فاستخدمت اللفظ الواحد في مَعان عِدَّة. وكذلك (السماء) تطلق على السَّماء الدنيا، وتطلق على السقف، وتطلق على العُلو، وتطلق على المَطر، وتطلق على السحاب. فهذه خمسة معان واللفظ واحد، فيسمى لفظًا مشتركًا، فإذا اتحد اللفظ وتعددت المعاني فهذا يُسَمَّى مشتركًا.
[ ٥٦ ]
أمَّا المتباين، فكلا اللفظين مختلفان والمعاني مختلفة، فكلما استعملت لفظين اختلفا لفظًا واختلفا مدلولًا، فهذا يسمى متباينًا. فمثلًا: سقف وأرض. وباب ونافذة. فاللفظ متعدد والمعنى متعدد. فهذا يسمى اللفظ المتباين.
والألفاظ المتواطئة عكسها، وهي أن تكون متفقة اللفظ ومتفقة المعنى. فاللفظ واحد والمعنى واحد، لكن هذا النوع ينقسم إلى قسمين:
تواطئ كلي. وتواطئ مشكك.
مثال: التواطئ الكلي. مثلًا نقول إذا تحدثنا عن الجنس: زيد رجل وعمرو رجل. ف
أردنا الجنس هنا، يعني في مقابل الأنثى. فزيد من جنس الرجال وعمرو من جنس الرجال. فلفظة (رجل) استخدمت هنا في حق زيد وفي حق عمرو.
ومثال التواطئ المشكك: نور المصباح ونور الشمس. هذا لأن الضوء الخارج من هذه المصابيح نسميه نورًا، وهذا الضوء المنبعث من الشمس نسميه نورًا، لكن هل النور كالنور؟
فالألفاظ المتواطئة فيها تفاوت في القَدْر والمعنى.
والتواطؤ المشكك يسمى بذلك؛ لأن الإنسان يتشكك: هل هو من هذا الباب أو من قبيل المشترك؟ أمَّا لماذا المشترك وليس المترادف أو المتباين؟ لأن اللفظ واحد، فالمشترك فيه اللفظ واحد والمعاني متعددة، وفي المتواطئ اللفظ واحد والمعنى واحد، لكن إما أن يكون كليًّا، وإما أن يكون مشككًا؛ أي: متفاوتًا في المعنى ومتفاوتًا في القدر، فحتى لو قلت: زيد عالم وخالد عالم. فليسا في قَدْر العلم سواء.
فإذا نظرت إلى أسماء الله باعتبارها أسماء، فهي مترادفة، وإذا نظرت إليها باعتبار أنها احتوت على صفات تكون متباينة؛ لأن العلم غير القدرة، والقدرة غير الخلق، والخلق غير الحياة، والحياة غير السمع، وهكذا، فتجد
[ ٥٧ ]
أن هذا الاسم باعتبار ما دل عليه من معنى دل على معنى غير الذي دل عليه الاسم الآخر؛ فتكون متباينة.
فإذًا أسماء الله أعلام وأوصاف أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، فهي نَعَمْ أسماء، ونَعَمْ متضمنة لصفات؛ لأنَّ كل اسم من أسماء الله تعالى متضمن لصفة، فليس في أسماء الله- تعالى- اسم جامد.
وهذه قاعدة عند أهل السنة، وإن حاول البعض أن يستثني من ذلك لفظ الجلالة (الله)؛ فيزعم أنه جامد، فليس بجامد.
«كبعض الأشاعرة الذين يُقَسِّمون الأسماء إلى قسمين:
القسم الأول: أسماء مشتقة.
القسم الثاني: أسماء غير مشتقة.
قال البغدادي: «جملة أسمائه قسمان: مشتق وغير مشتق» (^١).
فيجعلون اسم (الله) غير مشتق، أي: لا يدل على معنى؛ فيعاملونه معاملة الأسماء الجامدة.
وهذا مخالفة لمذهب أهل السنة الذين يعتقدون بأن أسماء الله جميعها متصفة لمعان، وليس فيها اسم جامد لا يدل على معنى» (^٢).
فليس في أسماء الله اسم جامد، وكل أسماء الله متضمنة لصفات؛ فيجب أن يُعلم أن كلَّ اسم من هذه الأسماء دل على صفة.
فإذًا قال المصنف: «أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف:
أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله ﷿»،
_________________
(١) «أصول الدين» للبغدادي (ص ١١٨)، إستانبول، مطبعة الدولة، ١٣٤٦ - ١٩٢٨ م.
(٢) انظر «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للشارح (ص ٢٤).
[ ٥٨ ]
وهذا كما يقول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معنى خاص؛ فـ (الحي العليم القدير السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم) - كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله -﷾-، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧] وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]».
فالآية الأولى دلت على أنها أسماء، والآية الثانية دلت على أنها صفات؛ فالرحيم هو المتصف بصفة الرحمة، فهذا من حيث الدلالة الشرعية.
ثم من حيث الدلالة اللغوية «لا يقال: عليم لمن لا علم له، ولا سميع لمن لا سمع له، ولا بصير لمن لا بصر له».
فإذًا الدلالة اللغوية والعرفية تجتمع مع الدلالة الشرعية، وهذا كما قال المصنف: «أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل».
وبهذا عُلم ضلال مَنْ سَلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل الباطل، وهم المعتزلة وليسوا وحدهم، ويدخل معهم طوائف من أهل الكلام؛ فيدخل معهم الزيدية (^١)، ويدخل معهم الروافض الإمامية (^٢)، ويدخل معهم
_________________
(١) الزيدية: إحدى فرق الشيعة، ترجع نسبتها إلى زيد بن علي زين العابدين، وكان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعًا، ولم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة، ومن مذهبهم: جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل.
(٢) الإمامية: إحدى فرق الشيعة، وقد افترقوا عن أهل السنة في زعمهم أن الله ورسوله قد نصوا على اثني عشر إمامًا بأعيانهم؛ أولهم: علي بن أبى طالب ﵁، وآخرهم محمد بن الحسن العسكري، وزعموا أن كل إمام يتولى أمر المسلمين غير هؤلاء فهو إمام باطل بدءًا من الصديق أبي بكر ﵁ ولآخر إمام يتولى الأمر غير الاثني عشر. وقد فارقوا أهل السنة والجماعة بهذا، وفي تكفيرهم لأصحاب رسول الله ﷺ إلا عددًا محدودًا منهم (ثلاثة أو خمسة)، ويقول كثير منهم بنقض القرآن، وأن الصحابة حذفوا منه آيات وسور! وقد وضعوا لهم دينًا مستقلًّا عن أهل السنة، ولذلك فهم يخالفون اهل السنة في القرآن وتأويله، وفي معنى السنة، وفي الإمامة، والأئمة …
[ ٥٩ ]
الإباضية (^١)؛ فتدخل معهم عدة طوائف، لكن المعتزلة هم أشهر هؤلاء الذين قالوا: «سميع بلا سمع، وعليم بلا علم»؛ فجردوا أسماء الله من معانيها، وهذا أمر باطل دَلَّت النصوص على بطلانه.
قال المصنف: «وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عزيز بلا عزة، وهكذا»، وعلتهم في ذلك، أي: لماذا جردوها عن الصفات؟ زعمًا منهم أنه يلزم من تعدد الصفات تعدد الذوات.
وهذه بالطبع علة عليلة ميتة، فأصلًا لا يُمكن أن تُعقل صفة إلا قائمة بموصوف، فلو قلت: بياض. فالبياض صفة، هل ترى البياض الآن شيء قائم بذاته، أو يقوم بثوب، أو يقوم في جدار، فهل الصفة يمكن أن تقوم بنفسها، أو لا بد لها من موصوف تقوم به؟!
فلهذا؛ هذه علة ميتة، تدل الأادلة السمعية (أي: من القرآن والسنة) على بطلانها، وكذلك يدل العقل على بطلانها.
أما السَّمع، فمثلًا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ﴿البروج: ١٢ - ١٦]، فهذه أوصاف لواحد، وليس لمتعددين.
_________________
(١) الإباضية: فرقة قديمة من فرق الخوارج، ولها مُنتسبون إلى يومنا هذا، وهم يفترقون عن أهل السنة والجماعة في تركهم ولاية علي بن أبى طالب ﵁ بعد موقعة النهروان التي قاتل فيها الخارجين عنه، والخوارج يكفرون علي بن أبى طالب ﵁ من أجل ذلك وأمور أخرى ينكرونها عليه. وقد أصبح الخوارج بعد فترة جهمية معتزلية في الصفات، ووضعوا لهم أصولًا تخالف أهل السنة في قبول الخبر الصحيح. ومن أجل ذلك بعدت الشقة بينهم وبين أهل السنة هذا مع تكفيرهم بالكبيرة وقولهم بخلود عصاة المؤمنين في النار.
[ ٦٠ ]
فمن الموصوف هنا؟ مَنْ الذي بطشه شديد؟ من الذي يبدئ ويعيد؟ من الغفور الودود؟ من ذو العرش المجيد، من هو؟! هل هم ستة أم واحد؟ بل واحد وهو الله -﷾-.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ﴿الأعلى: ١ - ٥]؛ هل الموصوفون متعددون أو واحد؟ والجواب: الموصوف واحد وهو الله -﷾-.
فالسمع جاء بجملة كبيرة من النصوص، فيها أوصاف لله تعالى، والموصوف واحد، وهو الله -﷾-، ولا يلزم من تعدد هذه الصفات أن تكون هناك عدة آلهة، بل هذه كلها أوصاف لموصوف واحد!
وكذلك أنت فيك عدة أوصاف: مثلًا: الطول، البياض، لون الشعر … فلو عددتُ أوصافك مثلًا فقلت: أنت رجل طويل، وأنت رجل شديد البياض، وأنت رجل مربوع الجسم، هل الآن عددتُك أو وصفتُ شخصًا واحدًا؟
فالموصوف هو شخص واحد.
لذلك هي علة ميتة، ففي الأصل لا يمكن أن تقوم صفة بنفسها. هذا لا يمكن أبدًا، ولا يلزم من تعدد الصفات تعدد الموصوف، أي: تعدد الذات، فقد تكون جملة صفات لموصوف واحد، فكيف يقول هؤلاء: يلزم مِنْ تعدد الصفات تعدد الذوات؟!
هذا ليس بلازم أبدًا، فاستدل المصنف بأدلة السمع، ثم قال: «وأمَّا العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف»، فلا يُعقل أن الصفة تقوم بنفسها، فليست بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي من صفات مَنْ اتصف بها، فهي قائمة بهذا الموصوف، ونوع هذا الموصوف بحسبه، لكن تقوم بموصوف معين؛ فتتعدد وتكثر، حسب نوع هذا
[ ٦١ ]
الذي وصفتَه، فهي قائمة به، «وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته»، والوجود نفسه صفة؛ لأن الشيء إمَّا موجود وإما معدوم، فلإنه موجود، فهذه صفة، فتقول: هذا الشيء موجود، أي: ليس معدومًا، ثم هذا الموجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكن الوجود، كما يسمونه؛ لأنهم يُقسمون الأشياء إلى واجب الوجود- أي: الخالق- وإلى ممكن الوجود وهو المخلوق، فأي شيء موجود لا بد أن يوصف- أولًا- بأنه موجود وليس معدومًا، ثم بعد ذلك يُنظر هل هو واجب الوجود أو ممكن الوجوب؛ فقد يكون واجبًا وقد يكون ممكنًا، فإذا كان خالقًا فهو واجب الوجوب، وإذا كان مخلوقًا فهو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمة بنفسه أو وصفًا في غيره.
فقد يكون الشيء وصفًا للغير، وقد يكون عينًا قائمة بنفسها، فمثلًا: هذا الطلاء موجود في هذا الجدار ولونه أبيض، ويمكن أن تزيله وتجعل مكانه لونًا آخر أخضر أو أزرق أو غير ذلك من الألوان، فيكون قائمًا بهذا الغير، ويكون هذا الشيء من طبيعته أنه يكون بهذا اللون المعين، فسواء كان قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره- فهو وصف بهذا الشيء الموجود، فلا يمكن أن يكون وصفًا بنفسه ويقوم بنفسه، بل لا بد أن يقوم بشيء.
فما نؤمن به ونعتقده: أن أسماء الله أعلام وأوصاف؛ فنحن نؤمن بها أسماء، ونؤمن بما دلت عليه من المعاني، ولا ننكر شيئًا من ذلك، فلا نكذب بشيء مما دلت عليه من المعاني. فالله هو السميع وله صفة السمع، وهو العلي وله صفة العلو، وهو الخالق وله صفة الخلق؛ فنؤمن بهذا اسمًا ونؤمن بهذا صفة.
ونعلم أنه ليس في أسماء الله اسم جامد، ولذلك مَنْ قال: إنَّ من أسمائه الدهر، فكلامه مرجوح.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل الدهر اسم من أسماء الله، أو لا؟
[ ٦٢ ]
قال القاضي أبو يعلى: «قال حنبل: سمعت هارون الحمَّال يقول لأبي عبد الله- أي: الإمام أحمد-: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فحدثنا أن النبي ﷺ قال: «لا تَسُبُّوا الدهر»؛ فقام فتح بن سهل، فقال: يا أبا محمد، نقول: يا دهر، ارزقنا؟! فسمعت سفيان يقول: خذوه، فإنَّه جهمي، وهرب.
فقال أبو عبد الله: القوم يَرُدُّون الآثارَ عن رسول الله ﷺ ونحن نؤمن بها، ولا نردُّ على رسول الله ﷺ قوله.
وظاهر هذا: أنه أخذ بظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون قوله: «ونحن نؤمن بها» راجع إلى أخبار الصفات في الجملة، ولم يرجع إلى هذا الحديث بخاصَّةٍ.
وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله- بن حامد﵀ هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أن يُسمَّى الله دهرًا.
والأمر على ما قاله؛ لأنَّه قد رُوي في بعض ألفاظ الحديث ما يَمنع من حمله على ظاهره هذا، ولم يَرد في غيره من أخبار الصفات ما دلَّ على صرفه عن ظاهره، فلهذا وجب حملها على ظاهرها (^١)».
فالراجح: أنَّ الدهر ليس من أسماء الله؛ لأنه اسم جامد.
ومن استدل بحديث: «لا تسبُّوا الدهر؛ فإنَّ الله هو الدهر» (^٢)، أو بحديث: «يُؤذيني ابنُ آدم؛ يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار» (^٣) - فهذه النصوص لا تدل على أن الله تعالى من أسمائه الدهر، لكن المراد منها: أن هذا الذي كان يقع فيه أهل الجاهلية؛ إذ كانوا يسبون الزمن، ولا يزال إلى الآن بعض الناس يتلفظ بألفاظ فيها إلقاء باللوم على الزمان؛
_________________
(١) «إبطال التأويلات» للقاضي أبي يعلى (٢/ ٣٧٤)، دار إيلاف الدولية، الكويت.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٨١) بنحوه، ومسلم (٢٢٤٦) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) تقدم تحريجه قريبًا.
[ ٦٣ ]
فنسمع الناس في تعبيرهم يقولون: زمن أغبر. أو ذاك يوم أسود، أو غير ذلك، فالعبارات تختلف والمراد واحد قديمًا وحديثًا، وفيها سبٌّ للدهر، وفي الحقيقة: الدهر هو الوقت والزمان، والوقت والزمان بيد الله -﷾- هو الذي يُقَدِّر الأمور ويدبرها؛ فمن يقول هذا اللوم، فكأنما يعترض على إرادة الله -﷾-.
فالشاهد: أنه ليس المراد بهذا أن الدهر اسم من أسماء الله تعالى، لكن المراد أن الله هو الذي يتصرف في هذا الوقت وفي هذا الزمن. ولذلك قال: «وبهذا- أيضًا- عُلم أن (الدهر) ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد، لا يتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى؛ ولأنه اسم للوقت والزمن؛ قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ﴿الجاثية: ٢٤]؛ يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله -ﷺ- قال الله -﷿-: «يُؤذيني ابنُ آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهر بِيَدِي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار» - فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك أن الذين يسبون الدهر إنَّما يريدون الزمان الذي هو مَحل الحوادث»؛ الذي هو الوقت والزمن الذي تكون فيه مجريات هذه الأمور، والحوادث جارية فيه، و«لا يريدون الله تعالى؛ فيكون معنى قوله: «وأنا الدهر» ما فسَّره بقوله: «بِيَدِي الأمرُ؛ أُقَلِّب الليل والنهار»، فالمراد منها: أن الله هو المتصرف في هذا الوقت وفي هذا الزمن، «فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بَيَّن أنه يُقَلِّب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يُمكن أن يكون المُقَلِّب هو المُقَلَّب، وبهذا تَبَيَّن أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى».
فإذًا (الدهر) ليس من أسماء الله تعالى الحسنى؛ لأنه اسم جامد، وأسماء الله تعالى ليس فيها اسم جامد، بل كلها دالة على معان؛ لأنَّها أعلام وأوصاف.
فعلينا أن نفهم هذه القاعدة، وأن نُطبقها اعتقادًا وعملًا.
[ ٦٤ ]