فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازمًا من قوله- لزم أن يكون قولًا له؛ لأن ذلك هو الأصل، لا سيما مع قرب التلازم. قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر. وله حالات نفسية وخارجية توجب الذُّهول عن اللازم، فقد يَغفل أو يسهو، أو يَنغلق فكره، أو يقول القول في مَضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه ونحو ذلك.
الشرح
لفظ (دلالة) لفظ ثلاثي، أي: يجوز في داله الفتح أو الكسر أو الضم، لكن أصحها الفتح، ثم الكسر، ثم الضم أضعفها.
فكل اسم من أسمائه- تعالى- له دلالاتٌ:
دلالة على الذَّات والصفة بالمطابقة.
ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.
ويتضح ذلك بما يلي:
أوَّلًا: بيان أقسام الدلالات اللفظية: تنقسم الدلالات اللفظية إلى ثلاثة أقسام:
١ - دلالة المطابقة.
٢ - دلالة التضمُّن.
٣ - دلالة الالتزام.
وذلك لأنَّ الكلام إمَّا أن يُساق ليدل على تمام معناه.
وإما أن يساق ليدل على بعض معناه.
وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلَّا أنه لازم له.
فدلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة (مطابقة)، وسُمِّيت مطابقة؛ للتَّطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه.
[ ٧٢ ]
ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة (تضمُّن)، وسُمِّيت دلالة تضمن؛ لأنَّ اللفظ قد تضمن معنى آخر إضافة إلى المعنى الذي فُهم منه.
ودلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له- تسمى دلالة (التزام)، وسُمِّيت دلالة التزام؛ لأن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن معناه يلزم منه هذا المعنى المستفاد.
الأمثلة:
أ- مثال لدلالة المطابقة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، فلفظة (البقرة): اسم جنس سيق ليدل على تمام معناه، وهو الحيوان المعروف، فأيَّةُ بقرة كانت كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل، ولكنهم شدَّدوا على أنفسهم في طلب التعيين، فشدَّد الله عليهم.
ب- مثال لدلالة التضمُّنـ كأن يقول إنسان: أنا عالم بالفرائض وتقسيم المواريث.
فنقول له: بَيِّن لنا إذن أحكام الجَد مع الإخوة؟
فيقول: أنا لم أقل لكم: إنني أعلم هذه الأحكام.
فنقول له: لقد تضمنت دعواك العلم بالفرائض وتقسيم المواريث: أنك عالم بأحكام الجَد مع الإخوة، وقد فهمنا هذا من كلامك عن طريق الدلالة التضمُّنية.
ج- مثالٌ لدلالة الالتزام: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فإنَّ قالَه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الواقع في جواب الشرط- يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أنَّ الله يغفر لكم ويرحمكم؛ إن أنتم عفوتم وصفحتم وغفرتم، مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ، ولكن يلزم من كونه غفورًا رحيمًا أن يُكافئ أهلَ العفو والصفح
[ ٧٣ ]
والمغفرة بالرحمة والغفران؛ ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التَّصريح للازمهما.
فتلاحظ دلالة الالتزام في هذا في قوله تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾، فلازم إن عفوتَ وصفحتَ وغفرت أن يغفر الله لك.
ثانيًا: تطبيق الدَّلالات الثلاث على أسماء الله تعالى:
قال ابنُ القيم: «إنَّ الاسم من أسمائه﵎- كما يدل على الذات والصفة التى اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أُخريين بالتضمُّن واللزوم.
فيدل على الصفة بمفردها بالتضمُّن، وكذلك على الذات المجردة على الصفة،
ويدل على الصفة الأخرى باللزوم.
الأمثلة:
أ - (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن.
ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، ذلك لأنَّ العلم والقدرة لازمان للخلق.
مثال آخر: (السَّميع) يدلُّ على ذات الرب وسمعه بالمطابقة.
وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن.
فاسمه تعالى (السميع) دل على ذت الله، وتضمن إثبات صفة السمع لله، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السِّرَّ والنَّجوى، كما قال: ﴿والله يسمع تحاوركما﴾.
[ ٧٤ ]
ويدل على اسم (الحيِّ) وصفة الحياة بالالتزام.
وكذلك سائر أسمائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأسماؤه كلها مُتَّفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كلُّ اسم يدل على معنى مِنْ صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر؛ فـ (العزيز) يدل على نفسه مع عِزَّته.
و(الخالق) يدل على نفسه مع خلقه.
و(الرَّحيم) يدل على نفسه مع رحمتها.
ونفسُه تستلزم جميع صفاته؛ فصار كلُّ اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم» (^١).
وقال الشيخ حافظ حكمي: «واعلم أنَّ دلالةَ أسماء الله- تعالى- حقٌّ على حقيقتها؛ مطابقة وتضمُّنًا والتزامًا.
فدلالة اسمه تعالى: (الرحمن) على ذاته ﷿ مطابقة، وعلى صفة الرحمة تضمُّنًا، وعلى الحياة وغيرها التزامًا.
وهكذا سائر أسمائه ﵎.
وليست أسماء الله تعالى غيره، كما يقولُه المُلحدون في أسمائه؛ تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
فإنَّ الله ﷿ هو الإله، وما سِوَاه عبيدٌ.
وهو الربُّ، وما سواه مَربوب.
وهو الخالق، وما سواه مخلوق.
وهو الأول فليس قبله شيء، وما سِواه محدث كائن بعد أن لم يَكن.
_________________
(١) «الإيمان» (ص ١٧٥)، ط: المكتب الإسلامي.
[ ٧٥ ]
وهو الآخر الباقي فليس بعده شيء، وما سواه فانٍ.
فلو كانت أسماء الله تعالى غيره- كما زعموا- لكانت مخلوقة مَربوبة محدثة فانية؛ إذ كل ما سواه كذلك؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا» (^١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «الدلالة نوعان:
١ - لفظية. ٢ - معنوية عقلية.
فإن أعطيتَ اللفظَ جميعَ ما دخل فيه من المعاني فهي دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ طابق المعنى من غير زيادة ولا نقصان.
وإن أعطيته بعضَ المعنى فتُسمى دلالة تضمن؛ لأن المعنى المذكور بعض اللفظ وداخل في ضمنه.
وأمَّا الدلالة المعنوية العقلية فهي خاص بالعقل والفِكر الصحيح؛ لأن اللفظ بمجرَّده لا يدل عليها، وإنما يَنظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام، مثال ذلك: (الرَّحمن) يدل على الذات وحدها. وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن. وعلى الأمرين دلالة مطابقة. ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الرَّاحم وقُدرته الموصِّلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته.
وكذلك ما تقدم من استلزام (المَلِك) جميعَ صفات المُلْك الكامل، واستلزام (الرَّب) لصفات الربوبية، و(الله) لصفات الألوهية، وهي صفات
_________________
(١) «معارج القبول» (١/ ٧٨).
[ ٧٦ ]
كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يَستلزم عِدَّة أوصاف؛ كالكبير، والعظيم، والمجيد، والحميد، والصَّمد، فهذه قاعدةٌ نافعةٌ» (^١).
قال ابن القيم: «الاسم من أسمائه له دلالات: دلالة على الذات، والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم» (^٢).
وهذه القاعدة لا تختص بأسماء الله فقط، بل كل لفظ فإنه يدل على المعنى بالمطابقة والتضمن والالتزام، وعليه؛ فأنواع الدلالات ثلاثة:
دلالة المطابقة: وهي أن يدل اللفظ على جميع أجزاء معناه وأفراده.
ودلالة التضمن، فمعناها: دلالة اللفظ على جزء معناه.
وأما دلالة الالتزام، فمعناها: دلالة اللفظ على شيء خارج عنه، لكنه لا ينفك عنه، بل هو مرتبط به ارتباطًا وثيقًا (^٣).
فالأسماء دلالتها مطابقة وتضمن والتزام:
١ - فدلالتها على الذات والصفة دلالة مطابقة.
٢ - ودلالتها على الصفة وحدها دلالة تضمُّن.
٣ - ودلالتها على الصفات الأخرى دلالة التزام.
ثم ضرب مثالًا لذلك باسم الله: (الخالق)؛ فهو:
١ - يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
٢ - ويدل على صفة الخلق بالتضمن.
_________________
(١) «الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية» (ص ٥٤، ٥٥).
(٢) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
(٣) انظر «شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» للشيخ ابن باز (٤٤، ٤٥)، دار التيسير، الطبعة الاولى، ١٤٢٦ هـ، ٢٠٠٥ م.
[ ٧٧ ]
٣ - ويستلزم الإرادة والعلم والقدرة.
ويُوضِّح الشيخ خليل هراس ذلك التقسيم فيقول: «يُقَسِّم المناطقة دلالة اللفظ الموضوع لمعنى إلى ثلاثة أقسام: مطابقة. وتضمُّن. والتزام، وذلك لأنَّه إن قُصد باللفظ الدلالة على تمام المعنى فمطابقة؛ لتطابق اللفظ والمعنى، أي: توافقهما. وإن قُصد به الدلالة على جزء ذلك المعنى فتضمُّن؛ لأن ذلك الجزء داخل في ضمن المعنى الموضوع له، وإن قُصِد به الدلالة على لازم ذلك المعنى فالتزام. وهذا التقسيم جارٍ في دلالة الأسماء الحسنى على معانيها؛ فكلٌّ منها يدل بالمطابقة على مجموع الذات والصفة التي اشتُّق منها؛ فعليم دالٌّ بالمطابقة على ذاتٍ ثَبَت لها العِلم، وحيٌّ دال بالمطابقة على ذات وحياة، وهكذا.
وأمَّا دلالته على الذات وحدها أو على الصفة وحدها فتضمُّن؛ لأن كلًّا منهما جزء لمعنى الاسم داخل في ضمنه. وأما دلالته على صفة للذات غير الصفة التي اشتق هو منها فدلالة التزام قريب من متناول العقل» (^١).
وقد بَيَّن الله ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
فالخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو يعلم كيف سيخلق، والخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو قادر على أن يخلق، ونحن نعلم أنه لو أراد أحد أن يصنع شيئًا وهو لا يَعلم، فإنه لا يستطيع، ولو كان يعلم ولا يريد فإنه كذلك لا يستطيع.
إذًا فكلمة (خالق) تدل على ذات خالقة، وتدل على (خلق)، وتدل على (علم)، وتدل على (قدرة)، فدلالتها على ذات الخالق وعلى الخلق «دلالة
_________________
(١) «شرح القصيدة النونية لابن القيم» (٢/ ١٢٤)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.
[ ٧٨ ]
مطابقة»، ودلالتها على ذات الخالق فقط «دلالة تضمن»، ودلالتها على الخلق وحده «دلالة تضمن»، ودلالتها على العلم والقدرة «دلالة التزام»، ولهذا لما خلق الله السموات والأرض في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾ قال بعد ذلك: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾، أي: أن الله هو الخالق، وقد خلق بقدرة وعلم، فلولا القدرة لما خلق، ولولا العلم لما خلق (^١).
* * *
_________________
(١) انظر «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن باز (ص ٤٦)، بتصرف واختصار.
[ ٧٩ ]