على أحد القولين؛ فسموا بها أصنامهم، وذلك لأن أسماء الله- تعالى- مختصة به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقوله: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يُسَبِّح له ما في السماوات والأرض، فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختصُّ بالله ﷿ ميلٌ بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه مُحَرَّم؛ لأنَّ الله- تعالى- هَدَّدَ الملحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية».
* * *
الشرح
الإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحقِّ الثابت لها.
والإلحاد مأخوذ من المَيل، كما يدل عليه مادته (ل- ح- د)؛ فمنه: اللحد، وهو الشَّق في جانب القبر الذي قد مال عن الوَسط.
ومنه المُلحد في الدين: المائل عن الحقِّ إلى الباطل؛ قال ابن السِّكِّيت: «الملحد: المائل عن الحقِّ المُدخِلُ فيه ما ليس فيه (^١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
[ ١١٠ ]
لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ» (^١).
وقال ابن حجر: «قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة» (^٢).
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع.
أحدها: أن يسمى الأصنام بها؛ كتَسميتهم اللات من الإلهيَّة، والعُزَّى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة؛ فإنهم عَدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة (^٣).
قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (^٤).
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له: مُوجبًا بذاته أو علَّةً فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك (^٥)؛ وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها.
قال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (^٦).
وفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (^٧).
_________________
(١) «معالم التنزيل» (٣/ ٣٥٧).
(٢) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٣٠).
(٥) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
(٦) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٩).
[ ١١١ ]
فأسماء الله توقيفية، ومخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فِعل شي من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.
الثالث: أن ينكر شيئًا منها أو ممَّا دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها، وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
قال ابن القيم: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول مَنْ يقوله من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معان، فيُطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرَّحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا مِنْ أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها؛ فكلاهما ملحد في أسمائه، ثم الجهمية وفروخهم مُتفاوتون في هذا الإلحاد؛ فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب، وكل مَنْ جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك؛ فليستقلل أو لِيستكثر» (^١).
فالمعتزلة ضلوا؛ لأنهم نفوا معاني أسماء الله الحُسنى، وادعوا أنَّها كالأعلام المحضة التي لم تُوضع لمسمَّاها باعتبار معنى قائم به، وقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عِزَّة وهكذا، وعلَّلوا ذلك: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدُّد القدماء.
وهذه العلة عليلةٌ بل ميتة؛ لدلالة السمع والعقل على بطلانها.
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩، ١٧٠).
[ ١١٢ ]
أمَّا السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنَّه الواحد الأحد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥].
وأما العقل، فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفاتُ مَنْ اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدُّد صفاته (^١).
ومن المكابرة الصريحة والبُهت البيِّن: أن يُجعل معنى اسمه (القدير) هو معنى اسمه (السميع)، أو (البصير).
الرابع: أن يجعلها دالَّة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه؛ وذلك لأنَّ التشبيه معنى باطل لا يُمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجَعْلُها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها.
قال ابن القيم: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تشبيه صفاته بصفات خلقه- تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا- فهذا الإلحاد في مقابل إلحاد المعطلة؛ فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شَبَّهوها بصفات خلقه، فَجَمَعَهُم الإلحادُ وتفرَّقت بهم طُرُقُه، وبرَّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصفوه إلا بما وصف به نفسه، لم يجحدوا صفاته، ولم يُشبهوها بصفات خلقه، ولم يَعدلوا بها عما أُنزِلَت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريًّا من التَّشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كمن شَبَّه حتى كأنه يَعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا، وأهل السنة وسطٌ في
_________________
(١) «القواعد المثلى» (ص ٨).
[ ١١٣ ]
النِّحَلِ، كما أنَّ أهل الإسلام وسطٌ في المِلل» (^١).
وقال ﵀: «قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ومِن أعظم أنواع الإلحاد في أسمائه: إنكار حقائقها ومعانيها، والتَّصريح بأنها مجازات، وهو أنواع هذا أحدها.
والثاني: جَحدها وإنكارها بالكلية.
والثالث: تشبيهه فيها بصفات المخلوقين ومعاني أسمائه، وأن الثابت له منها مماثل لخلقه» (^٢).
واسمع إلى أبيات يُحَذِّر فيها ابنُ القَيِّم من الإلحاد؛ حيث يقول:
أسماؤه أوصافُ مَدْحٍ كلِّها … مُشتقة قد حُمِّلت لمعان
إيَّاك والإلحاد فيها إنه … كفر مَعاذ الله مِنْ كفران
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإ … شراك والتَّعطيل والنُّكران
فالمُلحدون إذًا ثلاث طوائف … فعليهم غضبٌ من الرحمن
المشركون؛ لأنَّهم سموا بها … أوثانهم قالوا: إله ثان
هم شَبَّهوا المخلوق بالخلَّاق عكـ … سَ مُشبه الخَلَّاق بالإنسان
وكذاك أهل الاتحاد فإنَّهم … إخوانهم مِنْ أقرب الإخوان
والملحد الثاني فذو التَّعطيل إذ … ينفي حقائقها بلا برهان
هذا وثالثهم فنافيها ونا … في ما تدل عليه بالبهتان
ذا جاحد الرحمن رأسًا لم يُقِ … ر بخالق أبدًا ولا رحمن
هذا هو الإلحاد فاحذره لعل اللـ … ـه أن يُنجيك من نيران
وتفوز بالزُّلفى لديه وجَنَّة المَـ … أوى مِنْ الغفران والرِّضوان (^٣)
ومِن خلال ما سبق يتضح: أنَّ الإلحاد دائر بين التَّعطيل والتمثيل، فلابد للنَّجاة من الإلحاد والسلامة منه أن نَحذر مِنْ هذين الداءين، وذلك بالبُعد
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٠).
(٢) «مختصر الصواعق» (٢/ ١١٠).
(٣) «القصيدة النونية» (ص ١٥٤، ١٥٦).
[ ١١٤ ]
منهما أشد البُعد؛ لأنه بجميع أنواعه مُحَرَّم؛ فالله سبحانه تعالى قد هَدَّدَ المُلحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن الإلحاد ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
[ ١١٥ ]