للكفر الأصغر أمثلة كثيرة، أهمها:
١- كفر النعمة والحقوق، وذلك بأن لا يعترف العبد بنعمة الله تعالى عليه"١"، ومنه أن ينكر معروفًا أسداه إليه أحد المخلوقين"٢"،
_________________
(١) "١" الاستدلال على هذا المثال بقوله تعالى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً..﴾ [النحل:١١٢] فيه نظر، فإن الأقرب أن الآية في الكفر الأكبر، والقرية هي مكة، لما كفر أهلها بالنبي ﷺ كما ورد عن كثير من المفسرين، أما ما رواه الطبري في تفسير هذه الآية عن حفصة ﵂ من أن القرية هي المدينة النبوية لقتلهم عثمان ﵁ فإسناده ضعيف. "٢" قال أبوعبيد في رسالة "الإيمان" ص٨٧، ٨٨ بعد ذكره لبعض الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عمن فعل بعض المعاصي، وبعض الأحاديث التي فيها
[ ٤٤٥ ]
ومن أوضح الأدلة على هذا المثال ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس – ﵄ – في ذكر صلاة الكسوف، وفيه أن النبي ﷺ قال: " وأُريت النار، فلم أرَ منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت
_________________
(١) البراءة ممن فعل بعض المعاصي، كحديث: " من غشنا فليس منا "، وبعض أحاديث الشرك الأصغر، وبعض أحاديث الكفر الأصغر، قال: "فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل: فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، وثانية تحملها على التغليظ والترهيب. وثالثة تجعلها كفر أهل الردة. ورابعة تذهبها كلها وتردها، فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة، لما يدخلها من الخلل والفساد. والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لإنعام الله وآلائه وهو كالمخبر عن نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم، وقد منَّ الله عليه بالسلامة. وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا إن كان ذلك فيما بينها وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه. ينبئك عن ذلك مقالة النبي ﷺ للنساء: " إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير - يعني الزوج - وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط "، فهذا ما في كفر النعمة"، وقال في العباب كما في عمدة القاري ١/٢٠٠: "الكفر: نقيض الإيمان، والكفر أيضًا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وأصل الكفر التغطية، وقد كفرت الشيء أي سترته، وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره، ومنه الكافر، لأنه يستر توحيد الله أو نعمة الله".
[ ٤٤٦ ]
أكثر أهلها النساء " قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: " بكفرهن"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: " يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط " "١".
٢- قتال المسلم لأخيه المسلم، ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " "٢".
٣ و٤- الطعن في أنساب الآخرين"٣"، والنياحة على الميِّت"٤"،
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: الكسوف "١٠٥٢"، وصحيح مسلم: الكسوف "٩٠٧"، ولموضع الشاهد منه شاهد من حديث ابن عمر عند مسلم في الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والح قوق "٧٩"، وله شاهد آخر من حديث أبي سعيد عند البخاري "٣٠٤"، ومسلم "٨٠"، وله شاهد ثالث من حديث جابر عند مسلم "٨٨٥"، وليس في هذه الشواهد قوله: " لو أحسنت إلى إحداهن.. الخ". "٢" صحيح البخاري "٤٨"، وصحيح مسلم "٦٤"، وله شاهد من حديث جرير عند البخاري "١٢١"، ومسلم "٦٥"، ومن حديث ابن عمر عند البخاري "٤٤٠٣"، ومسلم "٦٦"، ولفظهما: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ". "٣" وذلك كأن يقدح في نسب قبيلة بقادح، وكأن يقول: إن نسبهم وضيع، ونحو ذلك. "٤" النياحة هي: ما يفعله من توفي له قريب من البكاء بصياح ورنة وندب، والندب
[ ٤٤٧ ]
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت " "١".
٥- إباق العبد – أي هروبه – عن سيده، ففي صحيح مسلم عن جرير قال: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم""٢".
٦- انتساب الإنسان لغير أبيه، ففي الصحيحين عن أبي ذر ﵁
_________________
(١) هو النداء بحرف "وا"، وهذا غالبًا يصدر من النساء، كأن تقول: "واأبتاه" عند وفاة أبيها، أو "وامحمداه" عند وفاة "محمد"، أو تقول "واجبلاه" أو "واعضداه"، فتذكر محاسن الميت، وفي البخاري "١٢٩٤" مرفوعًا: " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية " وهي النياحة ونحوها. وفي البخاري أيضًا "١٢٩٦" أن النبي ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. والصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء، والحالقة: التي تحلق شعرها. وينظر الفتح ٢/١٦٤-١٦٦، المطلع ص١٢١، لسان العرب "مادة: ندب". "١" صحيح مسلم: الإيمان "٦٧". "٢" رواه مسلم "٦٨" عن منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن جرير. ثم قال: قال منصور: قد والله روي عن النبي ﷺ، ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة. فمنصور قد رواه مرفوعًا أيضًا، ولكنه لم يذكر رواية الرفع بالبصرة لئلا يتمسك بها الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة، وكانت البصرة من مواطن تجمعهم. ينظر شرح مسلم للنووي ٢/٥٩
[ ٤٤٨ ]
مرفوعًا: " ليس من رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر " "١".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "٣٥٠٨"، وصحيح مسلم "٦١"، وله شاهد عند البخاري "٦٧٦٨"، ومسلم "٦٢" عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: " لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر ".
[ ٤٤٩ ]