للشرك الأصغر أنوع كثيرة، أشهرها:
النوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرياء
الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: رائيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه"١".
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يَظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم"٢".
_________________
(١) "١" ويقال: أريته العمل إراءة، ورئاء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فالياء في "رياء"مقلوبة عن همزه. ينظر بصائر ذوي التمييز ٣/١١٦، القاموس المحيط "مادة رئاء". "٢" وينظر الرعاية ص٢٠٩، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص١٦٠، الإحياء ٣/٣١٤، تفسير القرطبي للآية ٣٦ من سورة النساء ٥/١٨١، وتفسيره للآية ١٤٢ من سورة النساء ٥/٤٢٢، وتفسيره للآية الأخيرة من سورة الكهف ١١/٧١،
[ ٣٦٥ ]
فمن أراد وجه الله والرياء معًا فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلًا سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة"١".
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين "ص٢٧٥"، الفروق "الفرق ١٢٢"، فتح الباري: الرقاق، باب الرياء ١١/٣٣٦، الزواجر "الكبيرة الثانية ١/٤٣"، الموافقات ٢/٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢، سبل السلام ٤/٣٥٦. وقد أدخل بعض العلماء إرادة الدنيا في الرياء، والصحيح أن الرياء من إرادة الدنيا، لا العكس؛ لأن المرائي إما أن يريد أن يعظم في نفوس الخلق ليحصل على رئاسة أو مال من قبلهم ونحو ذلك، وهذا كله من الدنيا، وإما أن يريد مدح الناس والجلالة في أعينهم فقط، وهذا أيضًا من إرادة الدنيا؛ لأنه إنما يريد هذه الأمور العاجلة في هذه الحياة الدنيا، ولا يريد وجه الله والدار الآخرة، أما كون الإنسان يعمل العمل الصالح من أجل الوظيفة ونحو ذلك فهذا ليس من الرياء؛ لأنه لم يُرِ عمله أحدًا، وإنما هو من إرادة الدنيا، وهي أعمّ من الرياء، وأفرد الرياء بمبحث مستقل لخطره. ينظر: الفروق "الفرق١٢٢"، الموافقات ٢/٢١٧، فتح المجيد ص٤٣٧، رسالة "الشرك الأصغر"ص١٠٢-١٠٤. "١" قال ابن نجيم في "الأشباه""ص٣٩": "في الينابيع: قال إبراهيم بن يوسف: لو صلى رياء فلا أجر له، وعليه الوزر. وقال بعضهم: يكفر. وقال بعضهم: لا أجر له ولا وزر عليه، وهو كأنه لم يصل". وقال الشيخ حافظ الحكمي في "معارج القبول"٢/٤٩٣: "إن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله - ﷿ –
[ ٣٦٦ ]
والرياء له صور عديدة، منها:
١ - الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود"١".
_________________
(١) فذلك النفاق الأكبر، سواء في ذلك من يريد به جاهًا ورئاسة وطلب دنيا ومن يريد حقن دمه وعصمة ماله وغير ذلك". وينظر: شعب الإيمان للبيهقي ٥/٣٣٥، سبل السلام ٤/٣٥٦، ٣٥٧، النواقض الاعتقادية ص٢٠٤. وبعض العلماء كالغزالي وابن رجب والهيتمي لا يجعل الرياء المحض في العبادات مكفرًا، وهو ظاهر كلام كثير من أهل العلم، ولعله الأقرب، ومثله من أراد بعبادته الدنيا وحدها؛ لأنه لم يخضع ولم يتذلل في ذلك لأحد، ولم يعظمه، وإنما أراد تحقيق ما تهواه نفسه من المدح ونحوه من الحظوظ العاجلة وقد حكى أبوالبقاء في الكليات "مادة: شرك" الإجماع على أن العمل لغير الله معصية من غير كفر، وبالجملة فإن المسألة خطيرة، لكونه قصد بالعبادة غير وجه الله. وينظر: الرعاية ص٢١٠-٢١٤، إحياء علوم الدين ٣/٣١٧-٣٢٠، مختصر منهاج القاصدين ص٢٧٩، ٤٦٣، قواعد الأحكام ١/١٢٤، مجموع الفتاوى ٢٢/٢١، الفروع: الردة ٦/١٦٦، الزواجر ١/٤٤، جامع العلوم والحكم ١/٧٩، النواقض الاعتقادية ص٢٠٤. أما الرياء بأصل الإيمان، أو إظهار بعض العبادات الأخرى رياءً مع إبطان الكفر فهذا من الشرك الأكبر والنفاق الأكبر، كما سبق بيانه عند الكلام على شرك النية والإرادة والقصد في الباب السابق. "١" وكبِرِّ الوالدين ليُقال: بارٌّ وكإكرام الضيوف ليقال: كريم، وكالصدقة على الفقراء وفي أوجه الخير الأخرى ليقال: كريم. أما الإنفاق على الأغنياء وإقامة الولائم لهم لا
[ ٣٦٧ ]
٢ - المراءاة بالقول، كسرد الأدلة إظهارًا لغزارة العلم، ليقال: عالِم"١".
٣- المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياءً"٢".
_________________
(١) على وجه العبادة والصدقة، بل ليقال: سخي، فليس من الرياء؛ لأنه ليس من أعمال الخير. "١" وكتحريك الشفتين بالذكر أمام الناس رياءً. ومن الرياء بالقول أن يحسن صوته بالقراءة، ليقال: فلان قارئ، وهذا من السمعة المحرمة، وقد روى البخاري "٦٤٩٩"، ومسلم "٢٩٨٧" عن جندب مرفوعًا: " من يرائي يراء الله به، ومن يسمع يسمع الله به " والمعنى أن الله يفضحه يوم القيامة بإظهار قصده السيء. ومن أنواع السمعة المحرمة أيضًا أن يذكر للناس ما عمله من أعمال صالحة فيما مضى، ليمدحوه أو يعظم في نفوسهم. وهل السمعة بعد انتهاء العمل تبطل العمل؟ ورد في ذلك حديثان عند البيهقي في "الشعب" "الباب: ٤٥ في الإخلاص وترك الرياء، رقم ٦٨١٣، ٦٨٦٤"، وعند الخطيب في "تاريخ بغداد" ٦/٦٣، ٦٤ في أنه يبطل. وإسناد كل منهما ضعيف. قال في الإحياء ٣/٣٢٥: "الأقيس أنه مثاب على عمله الذي مضى، ومعاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها". وقال في مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٣: "أما إن تحدث به بعد تمامه وأظهره فهذا مخوف، والغالب عليه أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء، فإن سلم من الرياء نقص أجره". "٢" وكتقصير الثياب، والظهور بمظهر الزهاد من أجل أن يمدح بذلك.
[ ٣٦٨ ]
_________________
(١) ينظر في صور الرياء: الرعاية للمحاسبي ص٢٢٧-٢٣٢، ٢٦٤، ٢٧٣، إحياء علوم الدين ٣/٣١٤-٣١٦، قواعد الأحكام ١/١٢٣-١٢٥، مختصر منهاج القاصدين ص٢٧٦-٢٧٨، شرح الأربعين للنووي ص١٠، مجموع الفتاوى ٢٢/٥٠٦، ٥٠٧، قواعد الأحكام ١/١٢٣-١٢٥، شرح الطيبي ١٠/٧، فيض القدير ٦/١٥٥، ١٥٧، فتح الباري ١١/٣٣٦، عمدة القاري ١/٣٣، ٣٢٠، الزواجر ١/٤٣-٤٧، المرقاة ٥/٩٨، سبل السلام ٤/٣٥٦، الشرك الأصغر ص٨٤-٩٤. هذا وهناك بعض الصور أدخلها بعض أهل العلم في الرياء، والأقرب أنها لا تدخل فيه ومنها:
(٢) ترك فعل العبادات أمام الناس خوفًا من الرياء، فقد عمم بعض العلماء الحكم في هذا، والأقرب في ذلك هو التفصيل: فمن علم من نفسه أنه سيقع في الرياء إن أدى هذه العبادة أمام الناس ينبغي له أن لا يفعلها أمامهم، بل إنه قد ورد الندب إلى فعل النوافل في البيوت، وورد الندب إلى الإسرار بالصدقة، فهنا أولى. وينظر: تفسير القرطبي للآية ٢٧١ من البقرة، الإحياء ٣/٣٣٩-٣٤٧، قواعد الأحكام ١/١٢٨، ١٢٩، الزواجر ١/٤٨، ٤٩. أما من ترك العبادة من أجل مجرد رؤية الناس له فهو رياء، لأنه تركها من أجل الناس، لكن لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب. ينظر: شرح الأربعين للنووي ص١٥.
(٣) ترك المعصية خوفًا من ذم الناس، فإن الأقرب أن هذا ليس من الرياء؛ لأن المسلم مأمور بالستر على نفسه، ومأمور بأن يبتعد عما يسيء إلى عرضه، ومأمور بإبعاد قالة
[ ٣٦٩ ]
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه"١"، منها حديث محمود بن لبيد ﵁
_________________
(١) السوء عن نفسه، وترك المعصية وإخفاؤها خوفًا من الذم داخل في هذا، وقد ذكر الغزالي في الإحياء ٣/٣٣٦-٣٣٩: ثمانية أعذار يجوز أو يندب من أجلها إخفاء المعصية، ثم قال: "ومهما قصد بستر المعصية أن يخيل إلى الناس أنه ورع كان مرائيًا"، وبالجملة فإن العبرة بالنية والقصد. وينظر المقدمات لابن رشد ص٣٠، مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٦، ٢٨٧، مقاصد المكلفين ص٤٧.
(٢) الفرح بعلم الناس بعمله بعد أدائه للعبادة. قال في مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٣: "فإن ورد عليه بعد الفراغ سرور بالظهور من غير إظهار منه فهذا لا يحبط العمل، لأنه قد تم على نعت الإخلاص، فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده". وقال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد ٢/٢٢٨: "وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة". وينظر الإحياء ٣/٣٢٣، ٣٢٤، شرح النووي لمسلم ١٦/١٨٩، جامع العلوم والحكم ١/٨٣، سبل السلام ٤/٣٥٧. "١" قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم ١/٧٩-٨٣: "تارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص تدل على بطلانه وحبوطه، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجَّحا أن
[ ٣٧٠ ]
مرفوعًا: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر "، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: " الرياء، يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاءً؟ " "١".
وحديث محمود بن لبيد ﵁ الآخر، قال: خرج النبي ﷺ فقال: " أيها الناس! إياكم وشرك السرائر " قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟. قال: " يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى
_________________
(١) عمله لا يبطل بذلك، وأنه يُجازى بنيته الأولى". انتهى كلامه مختصرًا. وينظر: شعب الإيمان للبيهقي ٥/٣٣٤، ٣٣٥، نقلًا عن الحليمي، مختصر منهاج القاصدين ص٢٧٩، ٢٨٣، شرح الأربعين للنووي ص٩، ١٠، قواعد الأحكام ١/١٢٤، الفروق: الفرق ١٢٢، مجموع الفتاوى ٢٢/٥٠٦، ٥٠٧، ٦١٢، و٢٦/٢٨-٣٢، إعلام الموقعين ٢/١٨٢، الاختيارات ص٥٩، الوابل الصيب ص١٦، تجريد التوحيد ص٩١، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٩، الزواجر ١/٤٣-٤٥، رسالة الشرك الأصغر لعبد الله السليم "رسالة ماجستير ص٨١-٨٦". "١" رواه أحمد "٢٣٦٣٠"، والبغوي "٤١٣٥" بإسناد حسن. وقال المنذري في الترغيب ١/٨٢، ٨٣: "رواه أحمد بإسناد جيد، وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج، وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع بن خديج فيه".
[ ٣٧١ ]
من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر ""١". وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جرئ، ورجل تعلّم العلم وعلّمه أو قرأ القرآن ليقال: عالم أو قارئ، ورجل تصدَّق ليُقال: جواد. رواه مسلم"٢".
ولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:
١- تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.
٢- التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية، ليكون ذلك حرزًا له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه
_________________
(١) "١" رواه ابن أبي شيبة ٢/٤٨١، وابن خزيمة "٩٣٧" بإسناد حسن، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند أحمد ٣/٣٠، وابن ماجه "٤٢٠٤"، وفي سنده ربيح بن عبد الرحمن، قال البخاري "منكر الحديث". "٢" صحيح مسلم: الإمارة باب: من قاتل للرياء والسمعة "١٩٠٥"، ورواه الترمذي "٢٣٨٢"، وابن خزيمة "٢٤٨٢"، وابن حبان "٤٠٨" مطولًا بإسناد صحيح.
[ ٣٧٢ ]
جل وعلا، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد عنه، وليعرف أيضًا مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.
٣- الإكثار من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أنه يعيذه من شر نفسه ومن شرور الشيطان ووساوسه، وأن يرزقه الإخلاص فيما يأتي وما يذر، والإكثار من الأذكار الشرعية التي هي حصن من شرور النفس والشيطان.
٤- تذكر العقوبات الأخروية العظيمة التي تحصل للمرائي، ومن أعظمها أنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.
٥- التفكُّر في حقارة المرائي وأنه من السفهاء والسَّفَلة؛ لأنه يضيع ثواب عمله الذي هو سبب لفوزه بالجنة ونجاته من عذاب القبر وشدة القيامة وعذاب النار من أجل مدح الناس والحصول على منزلة عند المخلوقين، فهو يبحث عن رضا المخلوق بمعصية الخالق، ولهذا لما سُئل الإمام مالك ﵀: مَنِ السَّفَلة؟ قال: "من أكل بدينه" "١".
_________________
(١) "١" روى البيهقي في "الشعب""٦٩٣٣" عن الإمام مالك أنه سأله شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن –وهو من أئمة التابعين- فقال له: من السفلة؟ فقال مالك: من أكل
[ ٣٧٣ ]
٦- الحرص على كل ما هو سبب في عدم الوقوع في الرياء، وذلك بالحرص على إخفاء العبادات المستحبة، وبمدافعة الرياء عندما يخطر بالقلب، وبالبعد عن مجالسة المدّاحين وأهل الرياء، ونحو ذلك"١".
وفي ختام الكلام على مسألة الرياء يحسن التنبيه إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يرمي مسلمًا آخر بالرياء، فإن الرياء من أعمال القلوب ولا
_________________
(١) بدينه. قال ربيعة: من سفلة السفلة؟ قال: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه. قال مالك: فصدَّرني. وممن يأكل بدينه: المرائي. فقد يريد بأدائه للعبادة الحصول على مكانة في نفوس الناس ليكرم من أجلها أو يُولى عملًا يتقاضى عليه أجرًا، أو يكرم بالهدايا والهبات ونحو ذلك، كما سبق بيانه عند تعريف الرياء، ويدخل في سفلة السفلة الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد أديان أنفسهم: من يعمل في تجارة محرمة لغيره، ومن يظلم الآخرين أو يعذبهم أو يتجسس عليهم فيتسبب في أذاهم من أجل المحافظة على مصالح غيره، ومن يفتي بحل ما حرّم الله من أجل تحقيق رغبات وشهوات ومصالح من يفتيهم، فيهلك نفسه من أجل مصلحة أو هوى غيره. "١" ينظر الرعاية ص٢٣٣-٢٤٢، الإحياء ٣/٣٢١-٣٣٤، مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٣-٢٨٥، الزواجر "الكبيرة الثانية ١/٤٩، ٥٠"، مقاصد المكلفين للأشقر ص٤٦٥-٤٧٣، "نور الإخلاص"لسعيد بن علي القحطاني ص٢٠-٣٠، الإخلاص لحسين العوايشة ص٤١-٥٦، الإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف ص١٠-١٢، الشرك الأصغر لعبد الله السليم ص٩٥-٩٩.
[ ٣٧٤ ]
يعلمه إلا علاّم الغيوب، واتهام المسلمين بالرياء هو من أعمال المنافقين"١"، والأصل في المسلم السلامة، وأنه إنما أراد وجه الله، وأيضًا فإن المسلم يندب له في بعض المواضع أن يظهر عمله للناس، إذا أمن على نفسه من الرياء، كما إذا أراد أن يُقتدى به في الخير، فليس كل من حرص على إظهار عمله للناس يعتبر مرائيًا"٢".
المثال الثاني: من أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا
المراد بهذا النوع: أن يعمل الإنسان العبادة المحضة ليحصل على مصلحة دنيوية مباشرة "٣"
_________________
(١) "١" ينظر ما سبق في الباب السابق عند الكلام على أعمال المنافقين الكفرية. وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [براءة:٧٩]، وروى البخاري "٤٦٦٨"، ومسلم "١٠١٨" في سبب نزول هذه الآية عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبوعقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. ومعنى نتحامل: نحمل على ظهورنا للناس بالأجرة من أجل أن نتصدق بها، لأنه ليس عندهم شيء يتصدقون به. "٢" ينظر: الرعاية ص٣١٥-٣٢٤، الإحياء ٣/٣٣٤-٣٣٦، مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٧. "٣" وقد قيدت هذا النوع بإرادة المصلحة المباشرة؛ لأن الرياء يريد به صاحبه أيضًا مصلحة
[ ٣٧٥ ]
وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ينقسم من حيث الأصل إلى أقسام كثيرة"١"، أهمها:
١- أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الشهادة والوظيفة ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، وهذا القسم محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر"٢"، ويبطل العمل الذي يصاحبه.
ومن الأدلة على تحريم هذا القسم وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه:
_________________
(١) دنيوية، لكن ذلك غير مباشر، لأنه يرائي الناس ليعظم في أنفسهم رجاء أن يحصل مصلحة دنيوية من قبلهم، كما سبق بيانه عند تعريف الرياء. وينظر في المراد بالعبادة المحضة ما سبق عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها. "١" من إرادة الدنيا: النفاق بأصل الإيمان، أو أن يظهر بعض العبادات الأخرى مع إبطان الكفر من أجل الحصول على مصالح دنيوية، فهذا من الشرك الأكبر، كما سبق بيانه في شرك النية والإرادة والقصد في الباب السابق. "٢" وقد سبق عند ذكر حكم الرياء قول بعض العلماء: إن هذا النوع من الشرك الأكبر، ولعل الأقرب أنه من الأصغر.
[ ٣٧٦ ]
أ- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥، ١٦] .
ب- حديث عمر ﵁ مرفوعًا: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". رواه البخاري ومسلم"١".
ج- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: " من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة ". يعني ريحها"٢".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "١"، وصحيح مسلم "١٩٠٧" "٢" رواه أحمد ٢/٣٣٨، وأبوداود "٣٦٦٤"، وابن حبان "٧٨" بإسناد حسن إن شاء الله، رجاله رجال الصحيحين، وله شواهد بنحوه هو بها صحيح، وقد ذكرتها في رسالة النية في تخريج هذا الحديث تحت رقم "٣٣"، وله شواهد أخرى كثيرة في تحريم طلب الدنيا بالعمل الصالح، ذكرتها في المرجع نفسه برقم "٣١، ٣٢، ٣٥، ٤٢". وتفسير العرف بالريح هو من تفسير بعض رواة الحديث، وفي حديث عبد الله بن عمرو في صحيح البخاري "٦٩١٤": " وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا ".
[ ٣٧٧ ]
٢ - أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، كمن يحج لوجه الله وللتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله وللدنيا، وكمن يصوم لوجه الله وللعلاج، وكمن يتوضأ للصلاة وللتبرد، وكمن يطلب العلم لوجه الله وللوظيفة، فهذا الأقرب أنه مباح؛ لأن الوعيد إنما ورد في حق من طلب بالعبادة الدنيا وحدها، ولأن الله رتب على كثير من العبادات منافع دنيوية عاجلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢، ٣]، وكما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠-١٢]، والنصوص في هذا المعنى كثيرة"١"،
_________________
(١) "١" ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد "٣٦٦٩"، والترمذي "٨١٠"، والنسائي "٢٦٣٢" بإسناد حسن عن ابن مسعود مرفوعًا: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة ". ولأوله شاهد من حديث ابن عباس عند النسائي "٢٦٣١" وإسناده حسن. وكما في حديث الثلاثة أصحاب الغار، وقد سبق تخريجه عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها، وكما في حديث أبي سعيد في قصة رقية اللديغ، فهو صريح في جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن. وسيأتي تخريجه عند الكلام على الرقى إن شاء
[ ٣٧٨ ]
فهذه النصوص تدل على جواز إرادة وجه الله وهذه المنافع الدنيوية معًا بالعبادة"١"؛ لأن هذه المنافع الدنيوية ذكرت على سبيل الترغيب في
_________________
(١) الله تعالى، وقد ذكر القرافي في الفروق "الفرق ١٢٢" أن من جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل المال من الغنيمة أن ذلك لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع، وذكر السيوطي في منتهى الآمال ص١٧٥: أن من خرج حاجًا ومعه تجارة صح حجُّه وأثيب عليه بإجماع الأمة. "١" في هذا القسم كلام وخلاف لبعض أهل العلم، وبعضهم يفرق بين ما إذا كان الباعث على العمل وجه الله وكان طلب الدنيا تابعًا له، وبين ما سوى ذلك، وبعضهم يفرق في الحكم بحسب تساوي القصدين أو عدم تساويهما، والأقرب عدم التفريق، لأن النصوص أطلقت، ولم تفصل، بل إن حديث أبي سعيد في رقية اللديغ والذي سيأتي عند الكلام على الرقية –إن شاء الله تعالى– صريح في جواز أن تكون إرادة الدنيا هي الباعث على قراءة الفاتحة رقية، ولذلك امتنع الصحابة عن الرقية إلا بجعل. وينظر في هذا القسم: جامع بيان العلم ١/١٨٧، إحياء علوم الدين ٣/٣٢١، المحلى ١/٧٦، المسألة ١١٣، تفسير القرطبي ٥/١٨٠، و٩/١٤، مختصر منهاج القاصدين ص٣٩٣، الفروق "الفرق ١٢"، المجموع ١/٣٢٥، شرح الأربعين للنووي ص١٦، فيض القدير ٦/١٠٧، قاعدة في المحبة ص٩٩، تجريد التوحيد للمقريزي ص٥٣، ٥٤، دليل الفالحين شرح رياض الصالحين لابن علان ٤/١٩١، جامع العلوم والحكم ١/٨١، ٨٢، إعلام الموقعين ٢/١٨٢، الموافقات ٢/٢١٧-٢٢٢، فتح الباري: الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، الأشباه لابن نجيم ص٣٩، ٤٠، منتهى الآمال ص١٧٤-١٨٠، التيسير وفتح المجيد والقول المفيد باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله
[ ٣٧٩ ]
هذه العبادات"١".
وهذا القسم لا يبطل العمل الذي يصاحبه، ولكن أجر هذه العبادة يُنقص منه بقدر ما خالط نيته الصالحة من إرادة الدنيا"٢".
_________________
(١) الدنيا، العدة للصنعاني ١/٦٠ الشرك ومظاهره للميلي ص٦٦، ٦٧، إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار لشيخنا محمد بن عثيمين - ﵀ – ص٥، ٦، وينظر رسالة "الشرك الأصغر" ص١٠٩-١١٥ ففيها تفصيل جيد لهذه المسألة. "١" ولو لم يجز للعبد أن يريدها بعبادته مع إرادة وجه الله لما وردت على هذه النحو، وكيف يرد الترغيب في أمر بذكر هذه الفوائد ثم يقال للعبد: لا تقصدها عند أدائك لهذه العبادة، ولا يكن في نفسك إرادة شيء من حظوظ الدنيا حتى ما رُغِّبت فيه، فدلّ ذلك على إباحة إرادة الأمرين معًا. ينظر رسالة "الشرك الأصغر" ص١١٠. "٢" والدليل على هذا حديث " وإنما لكل امرئ ما نوى "، وحديث " ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم " رواه مسلم "١٩٠٦"، فإذا كان هذا في حق من غنم وهو لم يقصد الغنيمة مع إرادة الجهاد، فمن أرادها وأراد وجه الله من باب أولى ولو لم يغنم؛ لأن العبد يُجزى على نيته، كما في حديث أبي كبشة عند أحمد ٤/٢٣١، والترمذي "٢٣٢٥" بإسناد حسن، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "النية"، الحديث رقم "٤٥". . ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنه إذا طلب المسلم العلم الشرعي في المدارس والكليات الشرعية ونحوها مبتغيًا تعليم نفسه ليعبد الله على بصيرة، وتعليم الناس ودعوتهم
[ ٣٨٠ ]
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: الاعتماد على الأسباب
السبب لغة: الحبل، ويطلق على "كل شيء يُتوصل به إلى غيره" استعير من الحبل الذي يتوصل به إلى الماء"١".
وفي الاصطلاح هو: الأمور التي يفعلها الإنسان ليحصل له ما يريده من مطلوب، أو يندفع عنه ما يخشاه من مرهوب في الدنيا أو في الآخرة.
فمن الأسباب في أمور الدنيا: البيع والشراء أو العمل في وظيفة ليحصل على المال، ومنها: أن يستشفع بذي جاه عند السلطان ليسلم من عقوبة دنيوية، أو ليدفع عنه ظلمًا، أو لتحصل له منفعة دنيوية كوظيفة أو مال أو غيرهما، ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من
_________________
(١) ونفعهم، ومبتغيًا الحصول على شهادة أو وظيفة يستعين بها على عبادة الله وعلى التفرغ لتعليم الناس ودعوتهم ونفعهم يرجى أن يكون في دراسته هذه مخلصًا العمل لله تعالى وأن لا ينقص من أجره شيء. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة المهمة، وهو ما ذهب إليه جمعٌ من مشايخي من علماء هذه البلاد "المملكة العربية السعودية". والله أعلم. "١" ينظر: لسان العرب، والتعريفات، والكليات "مادة: سبب".
[ ٣٨١ ]
مرض، ونحو ذلك"١".
ومن الأسباب في أمور الآخرة: فعل العبادات رجاء ثواب الله تعالى والنجاة من عذابه"٢"، ومنها: أن يطلب من غيره أن يدعو الله له بالفوز بالجنة والنجاة من النار، ونحو ذلك.
والذي ينبغي للمسلم في هذا الباب هو أن يستعمل الأسباب المشروعة التي ثبت نفعها بالشرع أو بالتجربة الصحيحة"٣"، مع توكله
_________________
(١) "١" كأن يستعمل دواء أو رقية للعلاج من مرض، وكأن يجري عملية جراحية لاستئصال مرض أو علاجه، وكأن يأخذ السلاح ويلبس الدرع في حال الحرب، وكأن يحمل الزاد معه في السفر ونحو ذلك. "٢" مجموع الفتاوى ٨/١٧٥، ١٧٦. "٣" قال شيخنا محمد بن عثيمين - ﵀ – في القول المفيد، باب من الشرك لبس الحلقة ١/١٦٥: "طريق العلم بأن الشيء سبب: إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]، وكقراءة القرآن فيها شفاء، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٣] وإما عن طريق القدر، كما إذا جرّبنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لابدّ أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلًا؛ فهذا سبب ظاهر بيّن، وإنما قلنا هذا لئلاّ يقول قائل: أنا جرّبت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا، كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع
[ ٣٨٢ ]
على الله تعالى "١"، واعتقاد أن هذا الأمر إنما هو مجرد سبب، وأنه لا أثر له إلا بمشيئة الله تعالى، إن شاء نفع بهذا السبب، وإن شاء أبطل
_________________
(١) لأن للانفعال النفسي للشيء أثرًا بيّنًا، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحِلَق ويربطون الخيوط؛ قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها، وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًا لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقًا للتشريع". وينظر مجموع الفتاوى ١/١٣٧. "١" تنوَّعت عبارات أهل العلم في تعريف التوكل، فقيل هو: الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه. وقيل هو: اعتماد القلب على الله دون سواه في جلب المنافع ودرء المفاسد في الدنيا والآخرة، واعتقاد أنه تعالى هو النافع والضار دون سواه. ينظر: المفهم ١/٤٦٧، ٤٦٨، تلبيس إبليس ص٣١٥، شرح النووي لصحيح مسلم: الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ٢/٩٠-٩٢. وقال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر "ص٧٠": "فالتوكل علم وعمل: والعلم معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر، وعامة المؤمنين تعلم ذلك. والعمل: هو ثقة القلب بالله، وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز، ويختص به خواص المؤمنين". وقال الحافظ ابن القيم في "طريق الهجرتين" "ص٣٣٥، ٣٣٦": "التوكل يجمع أصلين: علم القلب، وعمله، أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله
[ ٣٨٣ ]
أثره"١".
أما إن اعتمد الإنسان على السبب فقد وقع في الشرك، لكن إن
_________________
(١) وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه، فبهذين الأصلين يتحقق التوكّل، وهما جماعه". وينظر مدارج السالكين: منزلة التوكل ٢/١١٦- ١٤٨، وقد أطال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم: شرح الحديث ٤٩: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكّله.. الخ"في الكلام على التوكل وفيما يكون وعاقبته وبيان عاقبة صدق اليقين والتوكل، وعواقب ضعف التوكل، وإن كان بعض ما ذكره من توكل بعض الزّهاد والعبّاد وسفرهم بغير زاد، وترك آخرين للتكسب فيه نظر، وليس هذا من عمل الأنبياء ﵈، ولا من عمل الصحابة، ولم يدل عليه نص من كتاب أو سنة، أو حتى أثر عن صحابي فيما أعلم. والله تعالى أعلم. "١" قال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد باب ما جاء في الرقى ١/١٨٤: "ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله، فالموظف الذي يتعلق بمرتبه تعلقًا كاملًا، مع الغفلة عن المسبِّب – وهو الله – قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب، والمسبِّب هو الله ﷾، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب، فهذا لا ينافي التوكّل، وقد كان الرسول ﷺ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبِّب، وهو الله - ﷿ -". وينظر مجموع الفتاوى ١/١٣٧، و٨/١٦٩، المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٤-٣٢٦، مدارج السالكين ٣/٥٢١، الفتاوى الهندية: الكراهية الباب ١٨ في التداوي ٥/٢٥٤، شرح الطحاوية ص٦٨٠.
[ ٣٨٤ ]
اعتمد عليه اعتمادًا كليًا، مع اعتقاد أنه ينفعه من دون الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار فقد وقع في الشرك الأصغر"١"، فالمؤمن مأمور بفعل السبب مع التوكل على مسبّب الأسباب جل وعلا.
وعليه فإن ترك الأسباب واعتقادَ أن الشرع أمر بتركها، وأنها لا نفع فيها كذب على الشرع، ومخالفة لما أمر الله به وأجمع عليه أهل العلم، ومخالفة لمقتضى العقل"٢"، ولهذا قال بعض أهل العلم: "الالتفات إلى
_________________
(١) "١" لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص٧٠، التيسير، وقرة عيون الموحدين، وإبطال التنديد، وفتح الله الحميد باب "وعلى الله فتوكلوا"، القول السديد باب لبس الحلقة ص٤٥، ٤٦، القول المفيد باب الرقى ١/١٨٣، وينظر: مجموع الفتاوى ٨/١٦٩، شرح الطيبي: الطب ٨/٣٢٠، آخر مدارج السالكين ٣/٥٢١، آخر مفتاح دار السعادة ٢/٧١٢، فيض القدير: شرح حديث "الطيرة شرك"٤/٢٩٤، مرقاة المفاتيح ٤/٥٢٣. وينظر ما سيأتي عند الكلام على الرقى المحرمة، وعند الكلام على التمائم المحرمة عند بيان وجه كونهما من الشرك – إن شاء الله تعالى -. "٢" قال القرطبي في "قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذلّ السؤال بالكتب والشفاعة"ص١٠٧ نقلًا عن رسالة الشرك الأصغر ص١٣٩: "القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله، وهو الحق المبين، والصراط المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين". وينظر: الفروق "الفرق ٢٥٧ بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب
[ ٣٨٥ ]
الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع""١".
ومن الشرك في الأسباب: أن يجعل ما ليس بسبب سببًا، فإن اعتقد أن هذا الشيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله فهو شرك أكبر، كحال عبّاد الأصنام وعبّاد القبور الذين يعتقدون أنها تنفع وتضر استقلالًا، وإن اعتقد أن الله جعله سببًا، مع أن الله لم يجعله سببًا فهو شرك أصغر"٢"؛ لأنه شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله لم يجعله سببًا"٣".
_________________
(١) ٤/٢٢١-٢٢٤"، الموافقات: القسم الثاني من قسمي الأحكام ١/١٨٧-٢٦٢، مجموع الفتاوى ١/١٣٧، و٨/٤٨٥، ٤٨٦، مدارج السالكين ٣/٥١٦-٥٢٣، آخر مفتاح دار السعادة ٢/٧١١، ٧١٢. "١" مجموع الفتاوى ٨/١٦٩، وينظر آخر مدارج السالكين ٣/٥٢١، وشرح الطحاوية: الدعاء ص٦٧٩. "٢" ومن أمثلته: التطيّر، والاستسقاء بالنجوم، وسيأتي بيانهما وبيان كونهما من الشرك في هذا الفصل إن شاء الله تعالى. "٣" القول السديد باب من الشرك لبس الحلقة ص٤٥، ٤٦، القول المفيد باب الرقى ١/١٨٣، مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ١/١٠٢، ١٠٤، الشرك الأصغر ص١٣٥-١٤٧.
[ ٣٨٦ ]
المثال الرابع من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: التَّطَيُّر
التطيُّر لغة: مصدر "تطيَّر"، ويُسمى "الطِّيَرة"، و"الطَّيْر""١".
وفي الاصطلاح: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو غيرهما"٢".
ومعنى ذلك أن يكون الإنسان قد عزم على أمر ما، فيرى أو يسمع أمرًا لا يعجبه فيحمله ذلك على ترك ما يريد فعله.
ويلحق بالتطيُّر في الحكم: عكسه، بأن يرى أو يسمع أمرًا يسر به، فيحمله على فعل أمر لم يكن عازمًا على فعله"٣".
_________________
(١) "١" ينظر: الصحاح، والقاموس المحيط، والنهاية "مادة: طير "، إكمال المعلم ٧/١٤١، جامع الأصول ٧/٦٢٨. "٢" أو هي: ما يتشاءم به من الفأل الردئ، والشؤم: ضد اليمن، وهو عدم البركة. تنظر: المراجع السابقة، وينظر شرح السنة: الطب ١٢/١٧٠، شرح صحيح مسلم للنووي كتاب السلام باب الطيرة ١٣/٢١٨، شرح الطيبي: الطب ٨/٣١٣، آخر كتاب مفتاح دار السعادة ٢/٢٤٦، القوانين الفقهية ص٢٩٦، فتح المجيد باب ما جاء في التطير ٢/٥٢٥، معارج القبول ٣/٩٩٠-٩٩٣، القول السديد ص١١٦، القول المفيد ١/٥٥٩. "٣" ويلحق بذلك أيضًا الاستقسام بالأزلام الذي حرمه الله تعالى بقوله ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وهو ما كان يفعله أهل
[ ٣٨٧ ]
ومن أمثلة التطيُّر: ما كان يفعله أهل الجاهلية من أن أحدهم إذا أراد سفرًا زجر أو أثار طيرًا، فإن اتجه ذات اليمين تفاءل، فعزم على السفر، وإن اتجه ذات الشمال تشاءم، وترك هذا السفر، وقد كثر استعمال أهل الجاهلية للطيور في هذا الأمر حتى قيل لكل من تشاءم "تطيَّر"، ومن أمثلة التشاؤم أيضًا: التشاؤم بسماع كلمة لا تعجبه ك "يا هالك"، أو بملاقاة عجوز شمطاء، أو برؤية الغراب، أو البوم، أو صاحب عاهة في أول سفره، أو في أول نهاره فيترك هذا السفر، أو يترك البيع والشراء في هذا اليوم، ومن أمثلته: التشاؤم ببعض الأشهر كصفر، والتشاؤم ببعض الأرقام كثلاثة عشر، كما يفعله كثير من أصحاب الفنادق والعمارات وغيرهم في هذا العصر، فتجد بعضهم لا يضع هذا الرقم في أدوار العمارة أو في المصعد أو في مقاعد الطائرات، ونحو ذلك تشاؤمًا.
_________________
(١) الجاهلية من أنهم إذا أرادوا عمل أمر من الأمور أتوا بقداح مثل السهام أو الحصى، وقد كتب على أحدها علامة الخير، وعلى الثاني علامة الشر، والثالث غفل لا شيء عليه، فإذا خرج هذا فعلوا، وإذا خرج هذا تركوا، وإذا خرج الغفل أعادوا الاستقسام، ومثله الضرب بالحصى والشعير واللوح والخشب ونحوها، ينظر تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والقرطبي وابن كثير للآيتين السابقتين، والفتاوى الكبرى ١/٢٠٩.
[ ٣٨٨ ]
والتطيّر محرم"١"، وشرك أصغر"٢". ومثله: الفعل الذي يقدم عليه العبد أو يعزم عليه لرؤيته أو سماعه ما يسر به – كما سبق – ويستثنى
_________________
(١) "١" ينظر: الكبائر للذهبي "الكبيرة ٦٣"، وتنبيه الغافلين لابن النحاس ص٢٠٩، وقد سبق عند بيان حكم الشرك الأصغر أنه من أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر. "٢" السبب في كونه شركًا هو بسبب ما يعتقده المتطير من أن ما فعله من التطيُّر كان سببًا في دفع مكروه عنه أو في جلب الخير له مع أنه سبب غير صحيح، وإنما هومن خرافات الجاهلية، ومما يزينه الشيطان في نفوس الجهال، فإذا وقع بعض ما تطيروا به في بعض الأحيان جعلهم الشيطان يتعلقون بهذا التطير ويظنون أنه صحيح، كما أن في هذا التطير نوعًا من الاعتماد على الأسباب في دفع الضر وجلب الخير، فهي أسباب باطلة شرعًا وعقلًا، فهو قد اعتمد على سبب لم يجعله الله سببًا، وتعلّق قلبه بهذه الأسباب الباطلة، كما أن في التطير نوع اعتماد على هذه الأمور الباطلة في دعوى معرفة ما سيكون في المستقبل. وينظر: مشكل الآثار ٢/٢٩٩، التمهيد ٢٤/١٩٥، عارضة الأحوذي ٧/١١٦، ١١٧، شرح صحيح البخاري لابن بطال ٩/٤٣٦، شرح النووي لصحيح مسلم باب الطيرة "١٣/٢١٩، شرح الطيبي ٨/٣٢٠، فتح المجيد ٢/٥٠٦، ٥٢١، ٥٢٦، الدين الخالص ٢/١٤٢، ١٤٣، القول السديد ص١١٦-١١٨، القول المفيد ١/٥٧٤، ٥٨٠، الشرك الأصغر ص١٢٤، ١٢٥، وهذا الحكم إنما هو في حق من اعتقد أن ما تطير به جعله الله علامة على هذا الأمر المكروه أو سببًا في حصوله، أما من اعتقد أن هذا المتشاءَم به يحدث الشر بنفسه ويفعله استقلالًا، أو اعتقد أنه يعلم الأمر الذي سيقع في المستقبل ويخبر به، فهذا من الشرك الأكبر. ينظر: فيض القدير ٤/٢٩٤، مرقاة المفاتيح ٤/٥٢٢، ٥٢٣، القول المفيد
[ ٣٨٩ ]
منه الفأل الحسن، وهو: أن يكون الإنسان قد عزم على أمر معين فيرى أو يسمع أمرًا حسنًا من غير قصد له، فيسر به ويستبشر به، ويزيده ذلك اطمئنانًا بأن ما كان قد عزم على فعله سيكون فيه خير وبركة بمشيئة الله تعالى، ويعظم رجاؤه في الله تعالى في تحقيق هذا الأمر، من غير اعتماد على هذا الفأل، فهذا حسن، فالفأل حسن ظن بالله تعالى، ورجاء له، وباعث على الاستعانة به، والتوكل عليه، وعلى سرور النفس، وانشراح الصدر، وهو مسكن للخوف، باعث للآمال، والطيرة على النقيض من ذلك: فهي سوء ظن بالله، وتوكل على غيره، وقطع للرجاء، وتوقع للبلاء، وقنوط للنفس من الخير، وهو مذموم وباطل شرعًا وعقلًا"١".
_________________
(١) ١/٥٧٧، الدعاء للعروسي السوداني ٢/٩١٢. ومثل التطير في الحكم: الاستقسام بالأزلام الذي سبقت الإشارة إليه قريبًا، ومثله قراءة الكف أو الفنجان أو فتح المصحف أو كتاب ثم الاستدلال بما يقرأ في هذه الصفحة على ما سيقع، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الكلام على الشرك في الأسماء والصفات في الباب السابق، وينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية ٩٠ من المائدة ٦/٢٨٥، وتفسير الآية ٢٦ من الجن ١٩/٢٨". "١" ينظر شرح السنة ١٢/١٧٥، المفهم ٥/٦٢٧، ٦٢٨، إكمال المعلم ٧/١٤٤، جامع الأصول: الكتاب الخامس في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى ٧/٦٣٨، تفسير
[ ٣٩٠ ]
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على بطلان التطير"١"، وتحريمه، ومن
_________________
(١) القرطبي للآية "٣" من سورة المائدة، مفتاح دار السعادة "٢/٢٤٤-٢٤٧"، حاشية ابن عابدين باب العيدين ١/٥٥٥، وتنظر أكثر المراجع الآتية في التعليق بعده. "١" أما حديث ابن عمر الذي رواه البخاري "٥٠٩٤، ٥٧٥٣"، ومسلم "٢٢٢٥" عن النبي ﷺ أنه قال: " لا عدوى ولا طيرة، وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس "ومثله حديث سهل بن سعد عند البخاري "٢٨٥٩"، ومسلم "٢٢٢٦" فالأقرب أن المراد بالشؤم في هذا الحديث وشواهده ما رجّحه الإمام البخاري في صحيحه وغيره، ورجّحه شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ – في بعض دروسه من أن المراد ما يكون في بعض أعيان هذه الثلاثة من الضرر المحسوس، كالمرأة السيئة الخلق، والدار الضيقة، أو السيئة الجيران، والفرس السيئة الطباع، ونحو ذلك، كما في الحديث الذي رواه ابن حبان "٤٠٣٢" بإسناد حسن عن النبي ﷺ قال: " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء ". وينظر: صحيح البخاري مع شرحه لابن بطال وشرحه لابن حجر: الجهاد باب ما يتقي من شؤم الفرس، والطب باب الطيرة، والنكاح باب ما يتقي من شؤم المرأة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] . مصنف عبالرزاق "كتاب الجامع لمعمر باب الشؤم ١٠/٤١١"، التمهيد ٩/٢٧٨، ٢٩١، شرح السنة ١٢/١٧٨، ١٧٩، معالم السنن وتهذيب السنن ١/٣٨٠، ٣٨١، شرح النووي لصحيح مسلم ١٣/٢٢٠-٢٢٢، شرح الطيبي ٨/٣٢١، معارج القبول ٣/٩٩٠-٩٩٣، وينظر أيضًا الموطأ مع شرحه المنتقى باب ما يتقى من
[ ٣٩١ ]
ذلك ما ثبت عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " الطيرة شرك ""١".
_________________
(١) الشؤم ٧/٢٩٣، ٢٩٥، تهذيب الآثار "مسند علي ص٣٤"، شرح معاني الآثار: الكراهية باب الرجل يكون به الداء ٤/٣١٤، المعلم ٣/١٠٤، مفتاح دار السعادة ٢/٢٥١-٢٥٦، الآداب الشرعية ٣/٣٦٥، لطائف المعارف ص٧٥، فتح المجيد والقول السديد، والقول المفيد باب الطيرة، عالم السحر والشياطين ص٣٠٤-٣١٠، رسالة "الطير والطيرة "ص١١-١٠٩، ورسالة "الشرك الأصغر"ص١٢٥-١٣١، الطيرة والفأل لمحمود الجاسم ص٤٧-٧٧، وينظر المراجع المذكورة في التعليق السابق. "١" رواه الإمام أحمد "٣٦٨٧ تحقيق شاكر"، وابن أبي شيبة "٦٤٤٢"، وأبوداود "٣٩١٠"، والترمذي "١٦١٤"، وابن حبان "٦١٢٢"، والحاكم ١/١٧، ١٨. وإسناده صحيح. وقد صححه الترمذي، والحاكم، وصححه أيضًا الذهبي والعراقي كما في فيض القدير ٤/٢٩٤، وابن العربي في عارضة الأحوذي ٧/١١٦ وتمامه: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل "وهذه التتمة من قول ابن مسعود ﵁ كما في سنن الترمذي، والمعنى: وما منا أحد إلا وقد يعتريه التطير. وهذا يدل على أن ما يقع في القلب من التطير من غير قصد من العبد ولم يستقر في القلب معفو عنه، لكن إن ترتب عليه إقدام أو إحجام فهو محرم، ويؤيد هذا حديث معاوية بن الحكم عند مسلم "٥٣٧": قال قلت: ومنا رجال يتطيرون؟ فقال ﷺ: " ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم "، وفي رواية: " فلا يصدنّكم "، ويؤيده حديث ابن عمرو الآتي. وينظر: شعب الإيمان ٢/٦٢-٦٤، المفهم ١/٤٦٥، و٥/٦٢٨، الآداب الشرعية ٣/٣٦١، مرقاة المفاتيح ٤/٥٢٣، فتح المجيد ٢/٥٢٦.
[ ٣٩٢ ]
ومما يدل على تحريم الطيرة أيضًا وإباحة الفأل: ما رواه عروة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ، فقال: " أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم: لا
_________________
(١) ولهذا الحديث شواهد، منها ما رواه الإمام أحمد "٧٠٤٥ تحقيق شاكر" وابن وهب في الجامع "٦٥٦" ومن طريقه ابن السني "٢٩٢" عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: " من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك "، قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: " يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك " وليس عند ابن وهب قوله: "قالوا.. الخ "وسنده حسن. وللنهي عن الطيرة وبيان بطلانها شواهد أخرى كثيرة منها: قوله تعالى عن قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ "النمل:٤٧"، ففي الآية نفي الطيرة، وإثبات أن ما أصابهم إنما هو بتقدير الله تعالى، ومن قبله، ومنها الحديث السابق، ومنها حديث ابن عباس في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، وفيه يقول ﷺ في صفتهم: " هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون "رواه البخاري "٥٧٥٢" واللفظ له، ومسلم "٢٢٠"، ومنها حديث جابر عند مسلم "٢٢٢٢": "لا عدوى، ولا طيرة، ولا غول"، ومنها ما رواه تمام في فوائده "١٤٤٤"، والبيهقي في شعب الإيمان "١١٧٧" عن أبي الدرداء مرفوعًا: " لن يلجَ الدرجات العلى من الجنة من تَكَهَّن أو تُكُهن له، أو رجع من سفر تطيرًا "، وغيرها، وقد ذكر الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/٣١١ أن الأحاديث في النهي عن الطيرة متواترة، وينظر المجمع ٥/١٠١-١١٦.
[ ٣٩٣ ]
يأتِ بالحسنات إلا أنت "١"، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك "٢" ""٣"، وقوله ﷺ: " لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الحسن" قالوا: وما الفأل؟ قال: " الكلمة الصالحة يسمعها
_________________
(١) "١" قال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد ١/٥٧١، ٥٧٢: "وهذا هوحقيقة التوكل، وقوله "اللهم" يعني: ياألله، ولهذا بُنيت على الضم؛ لأن المنادى علم، بل هو أعلم الأعلام وأعرف المعارف على الإطلاق". "٢" قال في فتح المجيد ص٥٢٢: "وقوله: " ولا حول ولا قوة إلا بك " استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سببًا لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها، وذلك الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات". "٣" رواه أبوداود في الطب "٣٩١٩"، وابن أبي شيبة في الأدب "٦٤٤٣"، وابن السني "٢٩٣"، والبيهقي في كتابه "الدعوات" "٥٠٠". وإسناده صحيح إن ثبت سماع حبيب من عروة، والأقرب أن عروة صحابي، فقد أثبت صحبته جماعة، ونفاها آخرون، والمثبت مقدم على النافي. ينظر الإصابة ٢/٤٦٩، تهذيب التهذيب ٢/١٨٥، وقد صحح هذا الحديث النووي في رياض الصالحين "١٦٨٦". وله شاهد من مرسل الشعبي رواه عبد الرزاق في الجامع لشيخه معمر باب الطيرة "١٩٥١٢"، وسنده صحيح، ومراسيل الشعبي قوية، وله شاهد آخر من مرسل عبد الرحمن بن سابط، رواه أبوداود في المراسيل "٥٣٩"، وإسناده حسن، فحديث عروة على القول بأن سنده ضعيف حسن لغيره بهذين الشاهدين.
[ ٣٩٤ ]
أحدكم ". رواه البخاري ومسلم "١".
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكره أن التشاؤم باطل شرعًا وعقلًا، قال: "وفي الجملة فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله، واليُمن هو طاعة الله وتقواه كما قيل:
إنَّ رأيًا دعا إلى طَاعةِ اللهِ لَرَأيٌ مُبارَكٌ مَيمُونُ
والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسِّن المعصية ويزيِّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضر من شياطين الجن، قال بعض السلف: شيطان الجن تستعيذ بالله منه فينصرف،
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "٥٧٥٤"، وصحيح مسلم "٢٢٢٣" من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث أنس عند البخاري "٥٧٥٦"، ومسلم "٢٢٢٤"، وله شاهد آخر رواه البخاري "٢٧٣١"، وهو قوله ﷺ في صلح الحديبية لما جاء سهيل بن عمرو: " سُهِّل لكم من أمركم "، وهو من مرسل عكرمة، وله شاهد ثالث رواه الترمذي "١٦١٦"، وشاهد رابع رواه أبوداود "٣٩٢٠" وما ذكر فيه من تغيره ﷺ إذا سمع اسمًا مكروهًا يحمل على أنه من أجل كراهته لهذا الاسم لا غير. وينظر التمهيد ٢٤/٦٨-٧٤، مجمع الزوائد: الطب ٥/١٠٥، ١٠٦.
[ ٣٩٥ ]
وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية، وفي الحديث: " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " "١"، وفي حديث آخر: " لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي ""٢"، فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصًا من لم ينكر عليه عمله فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عمومًا" "٣".
النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في الأفعال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرقى الشركية"٤".
_________________
(١) "١" رواه أبوداود "٤٨٣٣"، والترمذي "٢٣٧٨"، وسنده حسن. "٢" رواه أحمد ٣/٣٨، وأبوداود "٤٨٣٢"، والترمذي "٢٣٩٥"، وابن حبان "٥٥٤"، وسنده حسن. "٣" ينظر: لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص٧٧. "٤" الرقية تشتمل على قول اللسان، وذلك بقراءة الأذكار، وتشمل على عمل القلب، وهو اعتماد كل من الراقي والمرقي بقلبه على ما استعاذ به والتجأ إليه، وتشتمل في الغالب على أفعال كالنفث ومسح الجسد بعد الرقية، ووضع اليد على موضع الألم، وصب الماء على المريض، وشرب المريض للماء، وبعضهم يكتب الأذكار في إناء أو
[ ٣٩٦ ]
الرُّقى في اللغة: جمع رقية، والاسم منه "رقيا"، يقال: رقيته، أرقيه، رَقيًا، والمرة "رقية""١".
وفي الاصطلاح: الأمور التي يعوَّذ بها لرفع البلاء أو دفعه"٢".
والرقية الشرعية هي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه"٣"، أو يعيذه
_________________
(١) على ورق بماء الزعفران أو غيره على ورق أو على إناء، ثم يغسله، ثم يصبُّه على المريض أو يسقيه إياه، وبعضهم يكتب الأذكار على بدن المريض، ونظرًا لكثرة الأفعال في الرقية، ولارتباطها كثيرًا بالتمائم – كما سيأتي إن شاء الله تعالى – ولذكرها معها في الحديث، والتمائم غالبها أفعال، لذلك كله ذكرت الرقى مع الأفعال في هذا الباب. "١" النهاية، والمصباح، "مادة: رقى ". "٢" وينظر المرجعين السابقين وفتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن ١٠/١٩٥، وعمدة القاري ٢١/٢٦٢. والرقى تسمى العزائم. والعزائم في الأصل: رقى كانوا يعزمون بها على الجن، فيقال: عزم الراقي، كأنه أقسم على الداء. ينظر لسان العرب "مادة: عزم "، وينظر المراد بالعزائم عند المشعوذين في الفروق "الفرق ٢٤٢، ٤/١٤٧". "٣" بعض الفقهاء لا يجيز الرقية إلا للعلاج لا للوقاية من الأمراض، والأقرب صحتها لرفع البلاء ولدفعه قبل وقوعه، للأدلة الدالة على ذلك، كما سيأتي، وهي صريحة في ذلك.
[ ٣٩٧ ]
منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالبًا يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي"١"، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي أو في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يُصبُّ على بدنه"٢"،
_________________
(١) "١" وهذا النفث قد يصحبه ريق وقد يكون هواء بلا ريق، وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري "٥٧٣٦"، ومسلم "٢٢٠١" في قصة رقية أحد الصحابة لسيد أهل الحي الذين نزل بهم جماعة من الصحابة فلم يضيفوهم لما لدغ، فرقاه بقطيع من الغنم، فأقرهم النبي ﷺ، فيه: "فجعل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل"، قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٨/١٠١: "وفائدة ذلك – والله أعلم – التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء والنَفَس المباشر للرقية والذكر الحسن والدعاء والكلام الطيب، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى في النشر، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض وانفصاله عنه، كانفصال ذلك النفث عن في الراقي". وينظر صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطب باب النفث في الرقية ١٠/٢٠٩، ٢١٠، مصنف ابن أبي شيبة: الطب ٧/٤٠٠-٤٠٣، شرح ابن بطال ٩/٤٣٤، التمهيد ٨/١٢٩-١٣٣، التبيان للنووي: آخر الباب السابع ص٩٩، ١٠٠، تفسير القرطبي "تفسير سورة الفلق ٢/٢٥٨"، المفهم ٥/٥٨٠، زاد المعاد: الطب، فصل في هديه ﷺ في رقية اللديغ ٤/١٧٩، عمدة القاري: الطب ٢١/٢٦٢، الآداب الشرعية ٢/٤٥٧، ٤٥٨، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٩١، ٩٢. "٢" ويدل لهذا ما رواه أبوداود "٣٨٨٥"، وابن حبان "٦٠٦٩" عن النبي ﷺ أنه نفث
[ ٣٩٨ ]
وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض"١".
_________________
(١) في ماء، وصبه على ثابت بن قيس، وفي إسناده ضعف يسير. وله شاهد موقوف على عائشة ﵂ رواه ابن أبي شيبة "٣٥٦٠" أنها كانت لا ترى بأسًا أن يعوذ في الماء ثم يصب على المريض، وسنده صحيح. فيتقوى به الحديث السابق، وقد جزم بثبوت هذا الحديث شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ – كما في مجموع فتاويه ومقالاته ١/٢٧٠، وينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية ٨٢ من الإسراء ١٠/٣١٨"، زاد المعاد ٤/١٧٨، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٩٢-٩٤. "١" وثبت نحو هذا عن بعض التابعين، وروي عن ابن عباس ﵄ كما في المصنف لابن أبي شيبة: الطب ٧/٣٨٥، وإسناده ضعيف، ورواه ابن السني "٦١٩"، عن ابن عباس مرفوعًا، وفي إسناده محمد بن عبد الله بن المغيرة، وهو منكر الحديث، وقد ذكره شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ١٩/٦٤ بإسناد أحمد بنحو رواية ابن أبي شيبة، وذكر أن أحمد أشار إلى إسناد آخر له، ولم يذكره بتمامه. وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء كما في مجلة البحوث الإسلامية العدد ١٢ ص١٠٢، والعدد ٢١ ص٤٧، ٤٨ بأن الأولى ترك الرقية التي بهذه الصفة والاستغناء عنها بالرقى الثابتة. ولعل هذا هو الأقرب والأولى، لأن قراءة القرآن وذكر الله في حال الرقية عبادة، والأصل في العبادات التوقيف، ومن قال بجواز هذه الرقية استدل بالقياس على ما ورد، وأخذ بعموم الاستشفاء بالقرآن، وبعموم حديث: " لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" رواه مسلم "٢٢٠٠". ينظر: فضائل القرآن لأبي عبيد ص٢٣١، المصنف لابن أبي شيبة ٧/٣٨٦، ٣٨٧، الجامع لابن أبي زيد ص٢٣٧، شرح السنة ١٢/١٦٦،
[ ٣٩٩ ]
والرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الرقى الشرعية، وهي الرُّقى التي سبق ذكرها، وقد أجمع أهل العلم على جوازها في الجملة"١".
_________________
(١) التبيان للنووي: آخر الباب السابع ص٩٨، ٩٩، زاد المعاد ٤/٣٥٨، الآداب الشرعية ٢/٤٥٥، ٤٥٦، أسهل المدارك في فقه الإمام مالك ٣/٣٦٧، المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٦-٣٢٨، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢، الفتاوى الهندية: الكراهية ٥/٣٥٦، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٩٤، الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية ص١٠٢-١٠٨، كتاب دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة "بحث أ. د. محمد شبير عن الرقى والتمائم ٢/٤٩١-٤٩٥". وقريب من هذا ما يفعله بعضهم من القراءة في زيت ثم يدهن به جسد المريض. وينظر المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٨، ٣٢٩، الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية ص٣٩، ٤٠. وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار على بدن المريض، وقد أفتى بعض أهل العلم بجوازه، ولم يرد في ذلك شيء عن السلف فيما أعلم، ولذلك فالأقرب والأولى تركه. وينظر الآداب الشرعية فصل فيما يجوز من التمائم ٢/٤٥٧، زاد المعاد ٤/٣٥٨، ٣٥٩، الفتاوى الهندية كتاب الكراهية الباب ١٨ في التداوي ٥/٣٥٦، التبرك للجديع ص٢٣٣، ٢٣٤. "١" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في الفتح في كتاب الطب باب الرقى بالقرآن ١٠/١٩٥: "أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسماء الله وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن
[ ٤٠٠ ]
ويشترط في هذه الرقية أيضًا أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة"١"، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر، وحكم هذه الرقية عند اجتماع الشروط السابقة أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى"٢".
_________________
(١) يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى، واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح أنه لابد من اعتبار الشروط المذكورة"، وقال النووي في شرح مسلم ١٣/١٦٩: "وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى"، وقال ابن رشد في الجامع من المقدمات ص٣٠٩: "لا اختلاف في جواز الاستعاذة بالقرآن والرقية به"، ونقل عن الحافظ السيوطي نحو قول الحافظ ابن حجر السابق. ينظر فتح المجيد ص٢٤٣، وينظر التمهيد ٥/٢٦٤-٢٨٥، و٢٣/١٥٦، ١٥٧، أسهل المدارك كتاب جامع ٣/٣٦٧، مجلة البحوث الإسلامية "العدد ١٢ ص١٠١". "١" وقد حكى الحافظ ابن حجر والحافظ السيوطي الإجماع على هذين الشرطين، وقد سبق نقل كلامهما قريبًا، وينظر المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٦. "٢" سبق قريبًا ذكر حديث أبي سعيد في رقية اللديغ، وفيه: أنه لما رُقي بسورة الفاتحة قام كأنما نشط من عقال. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في كتاب المرضى باب فضل من يصرع من الريح ١٠/١١٥: "علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وإن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية
[ ٤٠١ ]
_________________
(١) البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما: من جهة العليل، وهو صدق القصد، والآخر: من جهة المداوي، وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل"انتهى كلامه مع تصرف يسير. وذكر الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ٤/١٨٢ أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مضرًا، وإن كان مؤذيًا، أما الأدوية فإنما تنفع بعد حصول الداء، وقال في مدارج السالكين ١/٦٧ بعد ذكره لحديث أبي سعيد السابق: "فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه، فأغنته عن الدواء، وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء، هذا مع كون المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين أو أهل بخل ولؤم، فكيف إذا كان المحل قابلًا"، وقال أيضًا في المرجع نفسه ١/٦٩: "فهنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء، وبذل الطبيب له، وقبول طبيعة العليل. فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء. وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولابد بإذن الله ﷾. ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقى، وميز بين النافع منها وغيره، ورقى الداء بما يناسبه من الرقى، وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع، وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها لمن دق نظره، وحسن تأمله. والله أعلم. وأما شهادة التجارب بذلك فهي أكثر من أن تذكر، وذلك في كل زمان، وقد جربتُ أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة، فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة، بحيث تكاد تقطع الحركة مني، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها على محل الألم فكأنه
[ ٤٠٢ ]
والدليل على استحباب الرقية في حق المرقي"١": ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى
_________________
(١) حصاة تسقط، جربت ذلك مرارًا عديدة، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا، فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء. والأمر أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين، والله المستعان". وينظر: زاد المعاد ٤/١١، ١٢، ١٧٨-١٨٠، وقد ذكر فيه أن من قويت طبيعته ونفسه، وقويت استعانته بربّه وتوكله عليه كان ذلك لها من أكبر الأدوية، وأنه كلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى كانت الرقية أتم. وينظر التمهيد ٢/٢٧٠، و٢٣/٢٩. "١" قال القرطبي في المفهم: الإيمان باب يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ سبعون ألفًا بغير حساب ١/٤٦٤، ٤٦٥: "الرُّقى باسماء الله تعالى هو غاية التوكل على الله، فإنه التجاء إليه، ويتضمن ذلك رغبته له، وتبركًا بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضر والبلاء، فإن كان هذا قادحًا فيلكن الدعاء والأذكار قادحًا في التوكل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ وقد رقى النبي ﷺ واسترقي، ورقاه جبريل وغيره، ورقته عائشة، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا فالتوكل لم يتم للنبي ﷺ، ولا لأحد من الخلفاء، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفًا، مع أنهم أفضل من وافى القيامة بعد الأنبياء، ولا يتخيل هذا عاقل". وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم في شرح الحديث ٤٩، ج٢ ص٥٠١: "ومن رجَّح التداوي قال: إنه حال النبي ﷺ الذي كان يداوم عليه، وهو لا يفعل إلا الأفضل، وحمل الحديث – أي حديث السبعين الفًا – على الرقى المكروهة التي يُخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة، وكلاهما مكروه". وينظر ما ذكره
[ ٤٠٣ ]
فراشه نفث في كفيه بـ: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به"١".
_________________
(١) ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص٣٢٥، وابن القيم في زاد المعاد ٤/١٠، ١٥، ١٦، حول عموم التداوي، وأنه لا ينافي التوكل، بل إن حقيقة التوحيد لا تتم إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا. "١" صحيح البخاري: الطب. باب النفث في الرقية "٥٧٤٨"، ورواه البخاري "٥٠١٦"، ومسلم "٢١٩٢" عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها. وأيضًا روى مسلم "٢١٨٥" عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى رقاه جبريل ﵉، وروى البخاري "٥٧٣٨"، ومسلم "٢١٩٥"، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يأمرها أن تسترقي من العين، وروى البخاري "٥٧٣٩"، ومسلم "٢١٩٧" عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: " استرقوا لها، فإن بها النظرة "، والنظرة: الصفرة كما في رواية مسلم وقيل: المراد:عين من نظر الجن كما في عمدة القارئ ٢١/٢٦٦، فهذه الأحاديث صريحة في استحباب طلب الرقية، وأنه لا نقص في توكل العبد إذا رقى نفسه أو طلب من غيره أن يرقيه، لفعله وأمره بذلك لأهله ﷺ، وهو أفضل البشر توكلًا ﵊، وهو ﷺ لا يفعل ولا يأمر أهله إلا بما هو الأفضل في حقه وحق أهل بيته ﷺ.
[ ٤٠٤ ]
والدليل على استحبابها في حق الراقي: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: كان لي خال يرقي من
_________________
(١) أما حديث السبعين الفًا الذي سبق ذكره عند الكلام على التطير، والذي فيه "ولا يسترقون" فمحمول على الرقى المحرمة التي كان يفعلها أهل الجاهلية، كما ذكر غير واحد من أهل العلم. ينظر: تأويل مختلف الحديث ص٢٢٣-٢٢٧، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ١٣/٤٥٥، ٤٥٦، شرح معاني الآثار كتاب الكراهية باب الكي ٤/٣٢٠-٣٢٩، معالم السنن ٤/٢١٢، شرح السنة ١٢/١٥٩، شرح مسلم للنووي ١٤/١٦٩، المفهم ١/٤٦٣-٤٦٧، المعلم ١/٢٣١، التمهيد ٥/٢٧٣، الآداب الشرعية ٢/٣٤٨-٣٥٢، الشرك الأصغر ص٢٠٦، ٢٠٧. ويؤيد استحباب الاسترقاء ما رواه أحمد ٤/٢٧٨، وأبوداود "٣٨٥٥"، والترمذي "٢٠٣٨"، وابن حبان "٦٠٦١، ٦٠٦٤"، والحاكم ٤/١٩٨، ١٩٩، ٣٩٩، ٤٠٠، عن أسامة بن شريك مرفوعًا: " تداووا عباد الله. وسنده صحيح. وله شاهد عند أحمد ٣/١٥٦ من حديث أنس، وسنده حسن. وله شواهد أخرى كثيرة بمعناه، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وأحسن التداوي ما كان بكتاب الله، وذكره، ودعائه، كما مر في التعليق السابق، وأيضًا فإن طلب الرقية من المسلم من جنس طلب الدعاء منه كما قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ١/١٨٢، ٣٢٨، وقد قال النبي ﷺ لرجل من أفضل أصحابه ﵃ وهو عمر بن الخطاب في شأن أويس بن عامر: " إن استطعت أن يستغفر لك فافعل ". وفي رواية: " فمن لقيه فليستغفر لكم ". رواه مسلم "٢٥٤٢"، وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
[ ٤٠٥ ]
العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " "١".
النوع الثاني: الرُّقى المحرمة
ومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر"٢"، وإن اعتمد عليها اعتمادًا كليًا حتى اعتقد أنها تنفع من دون الله، أو تضمنت صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو من الشرك الأكبر المخرج من الملة"٣".
_________________
(١) "١" صحيح مسلم، كتاب السلام. باب استحباب الرقية رقم "٢١٩٩"، وروى البخاري "٤٤٣٩"، ومسلم "٢١٩٢" عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلتُ أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي، والمعوذات: الفلق والناس، أو هما والصمد، وسُميت "المعوذات" تغليبًا. ينظر الفتح ٩/٦٢. "٢" ومن الشرك الأصغر في الرقية: أن يرقى بأسماء الملائكة أو الأنبياء أو الجن أو غيرهم من المخلوقين من غير استعاذة بهم، ومنه أيضًا أن يقسم بأحد منهم. "٣" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في "الفتح" كتاب الطب باب الرقى بالقرآن ١٠/١٩٦
[ ٤٠٦ ]
والدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله ﷺ: " إن الرقى والتمائم والتولة"١" شرك " "٢"، وما روى عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: " أعرضوا عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك "رواه مسلم"٣".
ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى"٤"، أو كانت من
_________________
(١) "وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله". "١" التِّولة: نوع من السحر، يحبب المرأة إلى زوجها. ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٤/٥٠، الصحاح "مادة: تول"، جامع الأصول ٧/٥٧٥. "٢" رواه الإمام أحمد ١/٣٨١، وأبوداود "٣٨٨٣ "، وابن ماجه "٣٥٣٠"، والطبراني "٨٨٦٣"، وابن حبان "٦٠٩٠"، والحاكم ٤/٢١٧ من طرق عن ابن مسعود. وهو صحيح بمجموع طرقه، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "اليهود"تحت رقم "٨٧"، وأوله أن ابن مسعود دخل على زوجته، فرأى في عنقها خيطًا، فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: خيط رُقي لي فيه. فأخذه وقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرقى.. ."فذكره. "٣" صحيح مسلم: السلام "٢٢٠٠". "٤" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في فتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن والمعوذات
[ ٤٠٧ ]
كافر كتابي أو غيره"١".
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأفعال: التمائم الشركية
التمائم في اللغة: جمع تميمة، وهي في الأصل خرزة كانت تُعلّق
_________________
(١) ١٠/١٩٥: "دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك، فيمنع احتياطًا"، وقال ابن الحاج المالكي في المدخل ٤/٣٢٦: "ينهى عن الرقى إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه، لجواز أن يكون فيه كفر". وبعض العلماء يمنع أن تكون الرقية بغير العربية، والأقرب أنها جائزة إذا كانت بلغة مفهومة عند المرقي عليه، أو عند من يثق به ممن يسمع هذه الرقية. ينظر: تأويل مختلف الحديث ٢٢٧، المعلم ٣/٩٥، شرح السنة ١٢/١٥٩، الفروق للحازمي ص١٨٥، البيان والتحصيل ١/٤٣٨-٤٤٠، و١٧/١٦٥، الفروق "الفرق ٢٤٢، ٤/١٤٧"، مجموع الفتاوى ١/٣٦٢، و١٩/١٣، ٦١، و٢٤/٢٧٨، شرح ابن بطال ٩/٤٢٧، الآداب الشرعية ٢/٤٥٥، النهاية "مادة: رقى"، الدر المختار في الفقه الحنفي مع حاشيته لابن عابدين: أول البيوع ٥/٢٣٢، الإقناع مع شرحه كشاف القناع: الردة ٦/١٨٨، مجموع فتاوى ومقالات شيخنا عبد العزيز بن باز ١/٢٧٥، السنن والمبتدعات ص٢٧٩. "١" ينظر: التمهيد ١٥/٢٥٤، ٢٥٥، الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص٢٣٩، شرح ابن بطال لصحيح البخاري: الطب باب الرقى بالقرآن ٩/٤٢٨، فتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن ٩/١٩٥، منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة ص٤٠٠-٤٠٣، الرقى للدكتور علي العلياني.
[ ٤٠٨ ]
على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها"١"، وكأنّ العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب"٢".
وفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه"٣".
ومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسم وكتابات لا يفهم معناها، وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهّال على أولادهم يعتقدون أنها سبب
_________________
(١) "١" ينظر: تأويل محتلف الحديث ص٢٢٦، والصحاح، والنهاية، والقاموس، ولسان العرب "مادة: تمم". "٢" كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة "مادة: تمَّ"، وكما قال ابن الأثير في النهاية "مادة: تمم". "٣" التمهيد ١٧/١٦٢، سنن البيهقي: الضحايا ٩/٣٥٠، تفسير القرطبي "تفسير الآية ٨٢ من الإسراء ١٠/٣٢٠"، النهاية لابن الأثير "مادة: تمم"، شرح السنة ١٢/١٥٨، القوانين الفقهية كتاب الجامع ص٢٩٥.
[ ٤٠٩ ]
لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة أو للبواسير"١"، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو
_________________
(١) "١" وقريب من ذلك لبس المعضد للعلاج، وقد أطال شيخنا عبد العزيز بن باز الكلام على حكمه كما في مجموع فتاويه ومقالاته ١/٢٠٦-٢١٠، وقد ذكر خلاف العلماء المعاصرين في حكمه، ثم قال: "ما عرف أنه من جنس الأسباب المحرمة فهو محرم، وإنْ قدر فيه بعض النفع، ومعلوم أن لبس المعضد يبقى على الإنسان كما تبقى الحروز والتمائم الأيام والليالي والسنوات، بخلاف الحبة التي يأكلها ويفرغ منها، وبخلاف الإبرة التي يستعملها وينتهي منها، فلبس المعضد من جنس هذه الأشياء، بل هو أشبه بلبس الحلقة التي ورد فيها حديث عمران بن حصين". انتهى كلامه مختصرًا. وسيأتي حديث عمران قريبًا إن شاء الله تعالى. وقد أطال أيضًا –﵀– في بيان حكم السوار الذي يستعمله بعضهم لعلاج "الروماتيزم" في المرجع السابق ١/٢١، ٢١٢، وبيَّن الخلاف في حكمه، ثم قال: "والذي أرى في هذه المسألة هو ترك الأسورة المذكورة وعدم استعمالها، سدًا لذريعة الشرك، وحسمًا لمادة الفتنة بها والميل إليها وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به واعتمادًا عليه واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك، وفيما أباح الله ويسر لعبادة غنية عما حرّم عليهم، وعما اشتبه أمره" وينظر فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ١/١١٠، ١١١، والقول المفيد ١/١٩٢. وقال شيخنا ابن باز في المرجع السابق ١/٢٠٧: "ليس كل ما فيه نفع يباح استعماله، بل لابد من أمرين: أحدهما: أن لا يرد فيه نهي خاص عن الشارع ﵊. والأمر الثاني: أن لا تكون مضرته أكبر من نفعه"، وذكر شيخنا
[ ٤١٠ ]
تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ"محمد " عقدًا للعلاج من بعض الأمراض"١"، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض.
وهذه التمائم كلها محرمة، وهي من الشرك، لقوله ﷺ: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ""٢"، ولقوله ﷺ: " من علق تميمة فقد أشرك ""٣"، فهي من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيرًا في
_________________
(١) محمد بن عثيمين في شرح رياض الصالحين: شرح حديث " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه " ٣/٣٢٦، ٣٢٧ أن الضرورة لا تبيح المحرم إلا بشرطين:
(٢) أن لا تندفع الضرورة بسواه.
(٣) أن يكون مزيلًا للضرورة. وذكر أنه على ذلك لا يجوز التداوي بالمحرم؛ لأن الإنسان قد يشفى بغيره، كرقيه أو علاج آخر مباح؛ ولأنه ليس يقينًا أنه سيشفى بهذا الدواء المحرم. "١" ينظر تعليق الشيخ محمد حامد الفقي المصري – ﵀ – على فتح المجيد باب من الشرك لبس الحلقة ص١١٤، ١١٨. "٢" سبق تخريجه في الرقى. "٣" رواه الإمام أحمد ٤/١٥٦، والحاكم ٤/٢١٩ بإسناد حسن من حديث عقبة بن عامر، وأول الحديث: أن عقبة ﵁ جاء في ركب عشرة إلى النبي ﷺ، فبايع
[ ٤١١ ]
الشفاء"١"، وطلبوا دفع الأذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد
_________________
(١) تسعة، وأمسك عن بيعة رجل منهم، فقالوا: ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟ فقال ﷺ: " إن في عضده تميمة "، فقطع الرجل التميمة، فبايعه رسول الله ﷺ، ثم قال: " من علق تميمة فقد أشرك ". وله شاهد بنحوه رواه ابن وهب في الجامع "٦٦٦" من حديث رجل من صداء من الصحابة، وسنده حسن. وله شاهد آخر بلفظ: "من تعلّق شيئًا وُكل إليه"- أي لم يعنه الله تعالى ووكله إلى هذا السبب الذي لا نفع فيه. والحديث رواه أحمد ٤/٣١١، والترمذي "٢٠٧٠" من حديث عبد الله بن عكيم، ورواه النسائي "٤٠٩٠" من حديث أبي هريرة، وفي كل منهما ضعف، ورواه ابن وهب في الجامع "٦٦٧" بإسناد حسن من مرسل الحسن البصري، فهو حسن بهذه الأسانيد الثلاثة. وله شاهد ثالث رواه الإمام أحمد ٤/٤٤٥، وابن حبان "٦٠٨٥" عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ أبصر على عضد رجل حلقة، فقال: " ويحك، ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال: " أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، أنبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا ". وسنده حسن. وله شاهد رابع رواه البخاري "٣٠٠٥"، ومسلم "٢١١٥" عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فأرسل رسول الله ﷺ: " لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر –أو قلادة– إلا قطعت "، زاد مسلم في روايته: "قال مالك: أرى ذلك من العين". وله شواهد أخرى كثيرة يطول الكلام بذكرها، تنظر في أكثر مراجع التخريج السابقة. "١" التمهيد ١٧/١٦٣، الدر النضيد للشوكاني ص٩.
[ ٤١٢ ]
سواه جل وعلا"١".
لكن إن اعتقد متخذ هذه التمائم أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلّق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا"٢"، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.
ويدخل في التمائم أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية "الرقى" في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها"٣"، والأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:
_________________
(١) "١" النهاية لابن الأثير "مادة: تمم"، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢. "٢" ينظر: التيسير، وقرة عيون الموحدين، والقول السديد، والقول المفيد باب من الشرك لبس الحلقة، وتعليق شيخنا عبد العزيز بن باز على فتح المجيد باب الرقى "ص١٢" ومجموع فتاويه ومقالاته ١/٢٧٥، والشرك الأصغر ص٢١٦. "٣" ينظر: في أقوال العلم من الصحابة فمن بعدهم في هذه المسالة في الجامع لعبد الله بن وهب ص٧٥٠-٧٥٩، ومصنف عبد الرزاق "١١/٢٠٨، ٢٠٩"، مصنف ابن أبي شيبة: الطب باب في تعليق التمائم ٧/٣٧١-٣٧٦، وباب من رخص في تعليق التعاويذ ٧/٣٩٦-٣٩٨، غريب الحديث لأبي عبيد ٤/٥١، فضائل القرآن لأبي
[ ٤١٣ ]
١- أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم"١"، ولم يأتِ
_________________
(١) عبيد أيضًا،ص٢٣١-٢٣٤، الموطأ مع شرحه المنتقى كتاب العين باب الرقية من العين، جامع الأصول: الطب والرقى ٧/٥٧٥، ٥٧٦، الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص٢٣٦-٢٤٠، البيان والتحصيل ١/٤٣٨-٤٤٠، و١٧/١٩٦ و١٨/٤٢٦، ٤٢٧، شرح معاني الآثار: الكراهية ٤/٣٢٥، سنن البيهقي: الضحايا ٩/٣٥٠، ٣٥١، التمهيد ١٧/١٦٠-١٦٥، مجمع الزوائد ٥/١٠٣، شرح السنة ١٢/١٥٨، المجموع آخر الأطعمة ٥/٦٦، ٦٧، الجامع لابن رشد ص٣٠٩، تفسير القرطبي تفسير الآية ٨٢ من الإسراء ١/٣١٩، ٣٢٠"، شرح ابن بطال ٩/٤٢٨، مختصر خليل مع شرحه للزرقاني "مس المصحف ١/٩٤"، الفتح ٦/١٦٥، زاد المعاد ٤/٣٥٧، الآداب الشرعية ٢/٤٥٥، ٤٥٦، القوانين الفقهية ص٢٩٥، شرح المنهج مع حاشيته للجمل: الأحداث ١/٧٦، أسهل المدارك ٣/٣٦٧، تيسير العزيز الحميد،= = وفتح المجيد، والقول المفيد باب ما جاء في الرقى والتمائم، حاشية قليوبي: أول البيع ٢/١٥٦، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢، الفتاوى الهندية ٥/٣٥٦، معارج القبول ١/٣٨٢، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٥-٩٩، كتاب "دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة "بحث ضوابط التداوي بالرقى والتمائم للأستاذ الدكتور محمد شبير ص٤٨٧-٤٩١"، مجلة البحوث الإسلامية "العدد ١٢ ص١٠٢، والعدد ٢١ ص٤٦، ٤٧، التمائم للدكتور علي العلياني، التبرك للدكتور ناصر الجديع ص٢٣٧-٢٣٩، رسالة "الشرك الأصغر"لعبد الله السليم ص٢١٧-٢١٩. "١" ويؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا أحاديث النهي عن التمائم كابن مسعود وعقبة بن عامر فهموا منها عموم النهي عن جميع التمائم.
[ ٤١٤ ]
حديث واحد في استثناء شيء منها"١".
٢- أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز إحداث عبادة لا دليل عليها"٢"
٣- أن في تعليقها تعريضًا للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار
_________________
(١) "١" أما ما ثبت عن عبد الله بن عمرو من الترخيص في تعليق التمائم من الأذكار الشرعية حرزًا قبل وقوع المرض فهو معارض بما ثبت عن عائشة ﵂ من أن ما علق قبل المرض فهو من التمائم المنهي عنها، ومعارض أيضًا بما ثبت عن ابن مسعود ﵁ من قطع التميمة والتشديد في أمر التمائم مطلقًا، وبما ثبت عن عقبة ابن عامر أنه قال: "وضع التميمة على الإنسان والطفل شرك"، وما ثبت عن حذيفة من قوله لرجل وجد على عضده خيطًا: ما هذا؟ قال: خيط رقي لي فيه. فقال حذيفة: "لو متَّ ما صليت عليك"، وبما ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقول: "تعليق التمائم شعبة من شعب الجاهلية"، فعموم قوله يدل على نهيه عن جميع التمائم. وإذا تعارضت الآثار عن الصحابة تقابلت، ولم يعمل بشيء منها، ويرجع إلى الأدلة الأخرى، والنصوص من السنة كلها عامة في النهي عن التمائم كما سبق. "٢" هذا التعليل لم أقف على من ذكره، ولكنه فيما ظهر لي تعليل صحيح.
[ ٤١٥ ]
الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة"١".
٤- سد الذريعة؛ لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلُّق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الأخرى المقطوع بتحريمها من التمائم الشركية وغير الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين"٢".
_________________
(١) "١" قال شيخ مشايخنا محمد بن إبراهيم مفتي المملكة في وقته كما في مجموع فتاويه ١/٩٩: "ثم ههنا شؤم يقعون فيه، وهو أنهم بعض الأحيان يتخذون مصحفًا صغيرًا تميمة، فيدخلون به المحال القذرة، فيجعلون المصحف كالأمتعة، وكفى بهذا القول ضعفًا أن يكون من فروعه اتخاذ مصحف يعلق في الرقبة، ويعلقه الجنب والحائض". "٢" تنظر أكثر مراجع أقوال العلم في هذه المسألة والتي سبق ذكرها قريبًا. وقريب من هذه المسألة: مسألة تعليق القرآن أو آيات أو سور منه في البيوت ونحوها للتبرك أو للزينة، أو كتابة القرآن أو آيات منه على جدران البيوت أو جدران المساجد أو غيرها، أو وضع المصحف في البيت أو المحل أو السيارة تبركًا أو لدفع ضرر، فقد صرح جمع من أهل العلم بكراهة ذلك؛ لأنه مخترع لا دليل عليه من كتاب أو سنة. ينظر: شرح السنة للبغوي الشافعي: فضائل القرآن ٤/٥٢٩، التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي المالكي الباب ص٢٧٩، المغني لابن قدامة الحنبلي: الوليمة ١٠/٢٠٥، الشرح الكبير ٢٧/٣٤٣، التبيان للنووي ص٩٩، ١١٥، تنبيه الغافلين لابن النحاس ص٢٦٤، الحوادث والبدع للطرطوشي ص١٠١، نقلًا عن التبرك للجديع
[ ٤١٦ ]
النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الحلف بغير الله
الحلف في اللغة: مصدر حلَف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويُسمى "اليمين"؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه"١"، ويُسمّى أيضًا "القسم""٢".
والحلف في الأصل: توكيد الشيء بذكر معظَّم مصدَّرًا بحرف من حروف القسم.
_________________
(١) ص٢٣٩، ٢٤٠، الفتاوى الهندية: الكراهية الباب ١٨، ج٢ ص٣٥٦، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢، مجموع فتاوى ومقالات شيخنا عبد العزيز بن باز ١/٥١، ٥٢، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ١/١٠٥-١٠٧ "١" ينظر: معجم مقاييس اللغة "مادة: حلف، ومادة: يمن"، المطلع ص٣٨٧، الدر النقي ٣/٧٩٦. "٢" وأصلها من "القسامة"، وهي الأيمان التي تقسم على أولياء المقتول إذا ادّعوا دم مقتولهم على أناس اتهموهم به. ثم أطلق القسم على كل حلف. ينظر: معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب"مادة: قسم".
[ ٤١٧ ]
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى"١" مصدرًا بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تا لله"٢"، واختلفوا فيما عدا ذلك"٣".
_________________
(١) "١" روضة الطالبين ١١/٣، فتح الباري: أول كتاب الأيمان والنذور ١١/٥١٦، القول المفيد باب قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ٣/٢١٣، وينظر: المنتهى "مطبوع مع شرحه للبهوتي ٣/٤١٩"، فتح القدير لابن الهمام ٥/٦٧، مغني المحتاج ٥/٣٢٠، المطلع ص٣٨٧. "٢" حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر في الإجماع ص١٣٦، وابن حزم في مراتب الإجماع ص١٨٥، وابن عبد البر في التمهيد ١٤/٣٦٩، وابن قدامة في المغني ١٣/٤٥٢، وابن جزي في القوانين الفقهية ص١٠٦، وحكوا جميعًا الإجماع على انعقاد اليمين إذا كانت باسم من أسماء الله تعالى التي لا يسمى بها سواه، ك "الله"، و"الرحمن". وحكى الحافظ في الفتح: الأيمان باب لا تحلفوا بآبائكم ١١/٥٣١ الإجماع على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته. "٣" ومما اختلفوا فيه: الحلف باسم من أسماء الله التي يسمى بها غيره، ومما اختلفوا فيه قول: "لعمر الله"، والمراد به: الحلف ببقاء الله تعالى وحياته، وقول: بحق الله، وقول: علي يمين، وقول: علم الله، وقول: "أيم الله"وقيل: إن "أيم"عوض عن واو القسم، وقيل: إنها بمعنى "أحلف بالله"، كما اختلفوا في الحلف بفعل
[ ٤١٨ ]
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله"١"، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله ﷺ: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله، وإلا فليصمت " متفق عليه"٢"، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبيًا أم وليًا أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب"٣"، ووقع في الشرك، لقوله ﷺ:
_________________
(١) من أفعال الله تعالى. ينظر: المراجع السابقة، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣/٢٣٩-٢٤١، دلائل الأحكام لابن شداد ٤/٢٧٥-٢٧٧، المنهاج مع شرحه مغني المحتاج ٥/٣٢٠، ٣٢١، الفروق "الفرق ١٢٤"، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٢٧/٤٣٠-٤٤٤ شرح الزركشي ٥/٧٦-٧٩، الفتح ١١/٥٢٢، ٥٢٦، ٥٤٧، فتح القدير لابن الهمام ٥/٦٧، نهاية المحتاج ٨/١٧٤-١٧٧. "١" بدائع الصنائع: الأيمان ٣/٢. "٢" صحيح البخاري: الأدب "٦١٠٨"، وصحيح مسلم: الأيمان "١٦٤٦". وقد سبق في تعريف العبادة المحضة عند الكلام على أنواع العبادة في الباب الأول أن ما دلّ دليل على تحريم صرفه لغير الله فهو عبادة محضة. "٣"قال الإمام الذهبي الشافعي في الكبائر "الكبيرة ٢٥: اليمن الغموس ص٩١" قال: "ومن ذلك الحلف بغير الله - ﷿-، كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والماء والأمانة، وهي من أشد ما هنا، والروح والراس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان". وذكر ابن النحاس في تنبيه الغافلين ص٢٠١ أن الحلف بغير الله من كبائر الذنوب، وقال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر "الكبيرة ٤١٢، ٢/١٨٤":
[ ٤١٩ ]
" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ""١"، ولأن الحلف فيه تعظيم
_________________
(١) "الحكم عليه – أي الحلف بغير الله – بالكبيرة غير بعيد، لما في الحديث السابق والأحاديث الآتية من الوعيد الشديد". ومما يؤيد أن الحلف بغير الله كبيرة من كبائر الذنوب سوى ما يأتي من الأحاديث: قول عبد الله بن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحبّ إلي من أحلف بغيره صادقًا". رواه عبد الرزاق "١٥٩٢٩"، والطبراني "٨٩٠٢"، من طريقين عن وبرة، عن عبد الله. وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وقال الألباني في الإرواء "٢٥٦٢" عن إسناد الطبراني: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، ورواه ابن وهب كما في المدونة ٢/٣٣ من طريق وبرة عن همام بن الحارث عن عبد الله ورجاله ثقات، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه "الجزء المفقود ص١٨" من طريق أبي بردة عن عبد الله، ورجاله ثقات. وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٤/٣٦٦: "لا يجوز الحلف بغير الله ﷿ في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه"، وقال ١٤/٣٦٧: "أجمع العلماء أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد". وينظر: الأم: الأيمان ٧/٦١، مجموع الفتاوى ١/٢٩٠، ٣٣٥، الاستغاثة ١/٣٦٤، ٣٦٥، بداية المجتهد ١/٤٠٧، نيل الأوطار ٩/١٢٤، إرشاد السائل إلى دلائل المسائل للشوكاني "مطبوع ضمن الرسائل السلفية ص٤٧"، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع. د. الطيار ص٧١٩". "١" رواه الإمام أحمد "٣٢٩، ٤٩٠٤، ٥٣٧٥ تحقيق شاكر "، وأبوداود "٣٢٥١"، والترمذي "١٥٣٥"، وابن حبان "٤٣٥٨"، والحاكم ١/١٨، و٤/٢٩٧، وإسناده
[ ٤٢٠ ]
للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائنًا من كان"١"، فقد جعله شريكًا لله ﷿ في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به ﷾"٢".
_________________
(١) صحيح، رجاله رجال مسلم. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وقال الذهبي في مختصر الكبائر "الكبيرة ٢٣": "إسناده على شرط مسلم". وأوله: أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: "لا والكعبة"، فقال ابن عمر: ويحك لا تحلف بغير الله، فإني سمعت النبي ﷺ يقول فذكره. وله شاهد يأتي في التشريك في الألفاظ قريبًا – إن شاء الله تعالى - "١" وما ورد من الأحاديث مما ظاهره الحلف بغير الله، كحديث " أفلح وأبيه إن صدق "، وحديث " نعم وأبيك لتنبأنّ " فقد أجيب عنها بعدة أجوبة، منها: أن ذكر الحلف في الحديثين شاذ لم يثبت كما بين ذلك الحافظ ابن عبد البر المالكي وغيره، كما أجيب عن ذلك – على فرض ثبوته – بأن ذلك كان جائزًا في أول الإسلام، ثم نسخ، وقال بعض أهل العلم: إن هذا على فرض ثبوته خاص بالنبي ﷺ، أما غيره فهو منهي عن ذلك؛ لأنهم لا يساوون النبي ﷺ في الإخلاص والتوحيد. ينظر معالم السنن ١/٢٣٠، ٢٣١، سنن البيهقي ١٠/٢٩، التمهيد ١٤/٣٦٧، شرح السنة ١٠/٦، ٧، المغني ٣/٤٣٨، الفتح ١١/٥٣٤، القول المفيد ١/٢١٥. "٢" قال الحافظ في الفتح ١١/٥٣١، والسيوطي في التوشيح شرح الجامع الصحيح ٩/٣٩٢٤: "قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده"، وقال الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع ٣/٨ عند كلامه على النهي عن الحلف بغير الله: "وروى عنه أنه قال ﷺ: " من حلف بغير الله فقد أشرك "؛ لأن هذا النوع من الحلف لتعظيم
[ ٤٢١ ]
وهذا الحلف يكون من الشرك الأصغر إن كان الحالف أشرك في لفظ القسم لا غير"١"، أما إن قصد الحالف بحلفه تعظيم المخلوق الذي
_________________
(١) المحلوف، وهذا النوع من التعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى"، وقال الحجاوي في الإقناع "مطبوع مع شرحه الكشاف ٦/٢٣٤": "ويحرم الحلف بغير الله وصفاته ولو بنبي، لأنه شرك في تعظيم الله"، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ٩/١٢٤: "قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتفق الفقهاء". وينظر صحيح البخاري مع شرحه لابن بطال ٩/٢٩٢، وشرحه للعيني ٢٢/١٦٠ كتاب الأدب باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولًا، المبسوط ٨/١٢٦، شرح الكرماني لصحيح البخاي: الأيمان ٢٣/١٠٥، فيض القدير ٦/٢٠٧، مغني المحتاج ٥/٣٢٠، سبل السلام ٤/١٩٧. وذكر علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في دلائل التوحيد ص١٠١، وعلامة مصر محمد خليل هراس في دعوة التوحيد ص٥٥ أن الحلف بغير الله إنما نهي عنه لأن في الحلف تعظيمًا للمحلوف به، وهو لا ينبغي إلا لله، ولأن فيه معنى إشهاد المحلوف به على صدق الحالف، وهذا لا يصح إلا بمن يعلم صدق المحلوف عليه أو كذبه، وهو الله تعالى، كما أن من يُحلف به يجب أن يكون يملك عقاب من حلف به والانتقام منه عند حلفه به كاذبًا، وهو الله تعالى دون سواه. "١" ينظر: مشكل الآثار للطحاوي الحنفي ٢/٢٩٧-٢٩٩، مدارج السالكين ١/٣٧٣، "معطية الأمان من حنث الأيمان"لابن العماد الحنبلي ص٨٣، ٨٤، فتح المجيد والقول السديد باب ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، "اليمين"لسعاد الشايقي
[ ٤٢٢ ]
حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتًا، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن هذا المحلوف به أجل وأعظم وأخوف عندهم من الله تعالى"١".
_________________
(١) ص١٥٧، ١٥٨، فقه الأيمان للدكتور أمير عبد العزيز ص٢٩-٣٢، فقه الأيمان للدكتور محمد عبيدات ص٣١-٣٣: "من أحكام اليمين"لناجي الطنطاوي ص٢٢، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان" ٢/٢١٥-٢٢١". "١" قال علاّمة اليمن محمد بن علي الشوكاني في الدر النضيد ص١٠ بعد ذكره لبعض الأحاديث التي فيها أن من حلف بغير الله فقد أشرك، والتي سبق ذكر بعضها، قال: "وهذه الأحاديث في دواوين الإسلام، وفيها: أن الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام، وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه"، وقال النووي في روضة الطالبين ١١/٦: "قال الأصحاب – أي الشافعية – فلو اعتقد الحالف في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر". وقال الرملي في نهاية المحتاج ٨/١٧٥: "لو اعتقد تعظيمه كما يعظم الله كفر"، وقال الشيخ أحمد بن يحيى المرتضى في البحر الزخار ٥/٢٣٥: "فإن أراد تعظيمها –أي الكعبة والملائكة والأنبياء والأئمة ونحوهم– كتعظيم الله حرم وكفر، لقوله ﷺ: " من حلف بغير الله فقد أشرك بالله " إذ لم يكفر المشركون إلا لتعظيمهم الأوثان"، ونقل ابن العماد في "معطية الأمان
[ ٤٢٣ ]
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ"الواو".
العطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها"١" بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر
_________________
(١) من حنث الأيمان"عن "جامع الرموز"للقهستاني الحنفي أن الحالف بغير الله إن اعتقد أن حلفه به حلف يجب الوفاء به كفر. وينظر: الجواب الكافي ص١٩٨، الدر المختار "مطبوع مع حاشيته لابن عابدين ٣/٥٣"، تجريد التوحيد ص٦٤، تطهير الاعتقاد ص٣٨، الزواجر "الكبيرة ٤١٢"، الدررالسنية ١/٢٣٢، سبل السلام ٤/١٩٧، سيف الله لصنع الله الحنفي ص٦٩، دليل الفالحين ٤/٥٤٠، دلائل التوحيد ص١٠١، التيسير والقول المفيد باب ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادا﴾، أحكام اليمين للدكتور خالد المشيقح ص٨٠، "اليمين"للدكتور عطية الجبوري ص٥٩، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان ٢/٢٢". وينظر أيضًا: أكثر المراجع المذكورة في التعليق السابق. "١" أما العطف ب "ثم" فهو جائز؛ لأن "ثم"تفيد الترتيب والتراخي.ينظر: شرح شذور الذهب ص٥٧٦، أوضح المسالك ص٣١٧-٣١٩، وأولى من العطف ب "ثم" أن ينسب الأمر إلى الله وحده كما في حديث ابن عباس، وكما في قول ابن عباس الآتيين قريبًا – إن شاء الله تعالى – وهذا أكمل في الإخلاص. وينظر: فتح المجيد باب قول ما شاء الله وشئت ص٤٩٩.
[ ٤٢٤ ]
من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها"١"، كأن يقال: "ما شاء الله وشئت"، أو يقال: "هذا من بركات الله وبركاتك"، أو يقال: "ما لي إلا الله وأنت"، أو يقال: "أرجو الله وأرجوك"، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة:٢٢] قال ابن عباس ﵄: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص "٢"، وقول
_________________
(١) "١" قال فضل الله الجيلاني في فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/٢٥٣: "وهذا في الأمور التي يكون فيها لأحد دخل عادي أو شرعي في وقوعها وعدمه، ولو بحسب الغالب"، وعليه فإن الأمور الشرعية التي ليس للمخلوق دخل في وقوعها يجوز العطف بالواو، كما في حديث " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ". متفق عليه، وإن كان الأولى عدم الجمع بين اسم الله واسم رسوله ﷺ بالضمير، ولهذا قال النبي ﷺ للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي ﷺ: " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعصِ الله ورسوله ". رواه مسلم "٨٧٠". وينظر: معجم المناهي اللفظية ص٣١٥. "٢" وهذا يدل على أن هذه اللفظة وما يشبهها من الألفاظ التي فيها نسبة التأثير والتدبير
[ ٤٢٥ ]
الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها "فلان"، فإن هذا كله به شرك""١"، وما روته قتيلة بنت صيفي - ﵂ - أن يهوديًا أتى النبي ﷺ، فقال: "إنكم
_________________
(١) أو النعمة لغير الله تعالى من الأشياء التي جعلها الله تعالى سببًا كقول بعضهم: "هذا الخير من عرق الجبين"، أو "لولا فلان لم يحصل كذا"، ونحوها مما ينهى عنها، وقد ذكر بعضهم كابن القيم في مدارج السالكين ١/٣٧٣ أن هذا من الشرك الأصغر، وذكر ابن رجب في لطائف المعارف: وظائف شهر صفر ص٧٠ أنه من الشرك الخفي، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]: "قيل: معناها: أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللص، ونحو هذا، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب، وقد يقع في هذا القول كثير من عوام المسلمين". وقد استثنى بعض أهل العلم من هذا الحكم: ما إذا أضاف النعمة إلى سبب صحيح ثابت على سبيل الإخبار لا غير، مع اطمئنان القلب إلى أن المنعم الحقيقي هو الله تعالى، وأن هذا السبب إنما هو من فضل الله وإنعامه، فقالوا: بأن هذا جائز، ولهذا أدلة منها حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أباطالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال النبي ﷺ: " هو في ضحضاح من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ". رواه البخاري "٦٢٠٨"، ومسلم "٢٠٩". وينظر الشرك الأصغر ص١٨٣-١٨٧. "١" رواه ابن أبي حاتم في تفسيره في تفسير هذه الآية، رقم "٢٣٠" وسنده حسن.
[ ٤٢٦ ]
تندِّدون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة"، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت"١". فأقر النبي ﷺ هذا اليهودي على تسمية هذا العطف شركًا، وعليه: فإن كان هذا القائل يعتقد أن
_________________
(١) "١" رواه الإمام أحمد ٦/٣٧١، ٣٧٢، والنسائي في المجتبى: الأيمان "٣٧٨٢"، والطحاوي في مشكل الآثار "٣٢٨" من طريقين أحدهما صحيح، عن معبد بن خالد عن عبد الله بن يسار عن قتيلة، ورجاله ثقات، وقد صححه الحافظ في الإصابة ٤/٣٧٨. ورواه بنحوه أخصر منه الإمام أحمد ٥/٤٨٤، وأبوداود "٤٩٨٠"، وابن أبي شيبة: الأدب ٩/١١٧، والدعاء ١٠/٣٤٦ من طرق عن شعبة عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة. ورجاله ثقات، وقد صححه النووي في الأذكار كتاب حفظ اللسان ص٣٠٨، وفي رياض الصالحين كتاب الأمور المنهي عنها "١٧٥٤"، ورجّحه البخاري على حديث قتيلة كما في العلل للترمذي "٦٥٨". وله شواهد بنحوه أخصر منه، منها حديث الطفيل بن سخبرة الذي رواه الإمام أحمد ٥/٧٢، والحاكم ٣/٤٦٢، وسنده صحيح. ومنها حديث ابن عباس الذي رواه أحمد ١/٢١٤، والبخاري في الادب المفرد "٧٨٣"، وسنده حسن، ولفظه: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال النبي ﷺ: " أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده ". وقد صحح الألباني في السلسلة الصحيحة "١٣٦-١٣٩" هذه الأحاديث الأربعة.
[ ٤٢٧ ]
ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى بـ"الواو" ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدِّر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر"١".
_________________
(١) "١" مدارج السالكين ١/٣٧٣، الدر النضيد "مطبوع ضمن الرسائل السلفية ص١٤، ١٥"، القول المفيد باب "فلا تجعلوا لله أندادًا"، وباب قول ما شاء الله وشئت، الشرك الأصغر ص١٦٦-١٦٨. وينظر: الجامع لمعمر "مطبوع في آخر المصنف لعبد الرزاق ١١/٢٧"، الصمت لابن أبي الدنيا ٥/٢١٥-٢٢١، صحيح البخاري مع الفتح: الأَيمان باب لا يقول ما شاء الله وشئت ١١/٥٣٩، ٥٤٠، مشكل الآثار ١/٢٢٠، ٢٢١، آخر الاعتبار للحازمي ص١٨٨، ١٨٩، المفهم: الجمعة ٢/٥١٠-٥١٢، شرح السنة: الاستئذان ١٢/٣٦١، شرح الكرماني للبخاري ٢٣/١٠٨، مجموع الفتاوى: "رسالة زيارة القبور ٢٧/٩٥"، شرح الطيبي للمشكاة: الآداب باب الأسامي ٩/٧٩، إكمال المعلم: الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ٣/٢٧٥، عمدة القاري ٢٣/١٨٠، إعلام الموقعين: الوجه ٤٣ من الأوجه المؤدية إلى المحرّم ٣/١٤٦، تجريد التوحيد ص٦٥، التيسير، وفتح المجيد، والقول السديد "البابين السابقين"، الدين الخالص ١/٤١٣، التوحيد للدهلوي ص٧٦، الشرك ومظاهره للميلي ص٥٠ مرقاة
[ ٤٢٨ ]
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: الاستسقاء بالأنواء
الاستسقاء في اللغة: من سقى، يسقي، والمصدر: سَقيًا، بفتح السين وتسكين القاف، والاسم: السُّقيا، والمراد: إنزال الغيث"١"، والسين والتاء في "الاستسقاء" تدل على الطلب، أي طلب السقيا، كالاستغفار، فهو طلب المغفرة، فمادة "استفعل"تدل على الطلب غالبًا"٢".
والأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجمًا، كنجم الثريا، ونجم الحوت"٣".
فالاستسقاء بالأنواء: أن يُطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم،
_________________
(١) المفاتيح ٤/٦٠٨ وقد قال الملا علي القاري الحنفي في هذا الموضع: "لو قالوا: ما شاء الله وشاء محمد لكان شركًا جليًا". "١" معجم مقاييس اللغة، والنهاية "مادة: سقي". "٢" القول المفيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. "٣" ومدة النجم ١٣ يومًا، وهذه النجوم هي منازل القمر، وفي نهاية كل منزلة يغيب نجم من جهة المغرب، ويطلع نجم من جهة المشرق، وأصل النوء: طلوع النجم، وقيل: غروب النجم، ثم أطلق على نفس النجم.
[ ٤٢٩ ]
فيقولون: مطرنا بنوء كذا، أو هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث "١".
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقدًا أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جلّ وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع"٢".
القسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقدًا أن الله جعل هذا النجم سببًا في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر"٣"؛ لأنه
_________________
(١) "١" ينظر: التمهيد ١٦/٢٨٧، ٢٨٨، شرح السنة ٤/٤٢٠، شرح النووي لصحيح مسلم ٢/٦١، النهاية "مادة: نوأ "، جامع الأصول: النجوم ١١/٥٧٧، ٥٧٨. "٢" قال في الفروع ٢/١٦٣: "وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعًا ". وهذا شرك في الربوبية، ومن الشرك الأكبر في هذا الباب: أن يدعو النجم أن ينزل الغيث، فهذا شرك أكبر في الربوبية والألوهية، وقد سبق الكلام على نحو من هذا عند الكلام على شرك الدعاء في الباب السابق، وينظر الأم ١/٢٥٢، الأنواء لابن قتيبة، التمهيد ١٦/٢٦٨، إكمال المعلم ١/٣٣٠، شرح مسلم للنووي ٢/٦٠، الأذكار للنووي ص٣٠٨، تنبيه الغافلين ص١٩٢، مغني المحتاج ١/٣٢٦، الفتاوى الكبرى ١/٣٩٣، لطائف المعارف ص٧٠. "٣" بعض العلماء يسمي هذا الشرك بـ"كفر النعمة"؛ لأنه نسب إنعام الله تعالى عليه بالغيث إلى النجم، وجعله سببًا في ذلك، مع أن الله لم يجعله سببًا. وينظر: إكمال
[ ٤٣٠ ]
جعل ما ليس بسبب سببًا"١"، فالله تعالى لم يجعل شيئًا من النجوم سببًا في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:
١- ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: مُطر الناس على عهد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: " أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا ". قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ "٢"، ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تُكذّبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى"٣".
_________________
(١) المعلم ١/٣٣٢، شرح مسلم للنووي ٢/٦١، الفروع ٢/١٦٣، لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص٧٠، التيسير ص٤٠٢. "١" القول المفيد باب ماجاء في الاستسقاء بالأنواء ٢/١٩. "٢" صحيح مسلم: الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء "٧٣". "٣" ينظر تفسير ابن جرير، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني للآية ٨٢ من سورة الواقعة، المفهم ١/٢٦١، إكمال المعلم ١/٣٣٣.
[ ٤٣١ ]
٢- ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل"١"، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب " "٢". وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر"٣".
_________________
(١) "١" أي بعد مطر نزل في الليل، وسمى المطر سماءً لأنه ينزل من السماء. ينظر: شرح السنة ٤/٤٢٠. "٢" صحيح البخاري "٨٤٦"، وصحيح مسلم "٧١". وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم "٧٢"، ومن حديث معاوية الليثي عند أحمد "٣/٤٢٩" وسنده حسن. "٣" التمهيد ١٦/٢٨٦، ولهذا قال كثير من العلماء: إن الحديث يحتمل الأمرين. ينظر الأم ١/٢٥٢، المنتقى ١/٣٣٤، المفهم ٢/٢٦١، جامع الأصول ١١/٥٧٨، شرح مسلم للنووي ٢/٦٠، الفتح: آخر الاستسقاء ٢/٥٢٤.
[ ٤٣٢ ]
٣- ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "أربعٌ في أمّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ""١".
هذا وإذا قال المسلم: "مُطرنا بنوء كذا وكذا "ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم"٢"، معتقدًا أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالًا ولا تسببًا فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم"٣".
وقيل: مكروه"٤". وقيل: مباح"٥"، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي
_________________
(١) "١" صحيح مسلم: الجنائز "٩٣٤". "٢" لأن الباء تأتي للظرفية بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: وفي الليل، وكما في قوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤]، لكن الباء أظهر في كونها للسببية. ينظر: مغني اللبيب ١/١٢١، القول المفيد ٢/٣١. "٣" الفروع: صلاة الاستسقاء ١/١٦٣، التيسير وفتح المجيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، وينظر كلام ابن قتيبة وكلام الباجي وكلام ابن العربي وكلام القاضي عياض التي سيأتي نقلها قريبًا – إن شاء الله تعالى -. "٤" الأذكار للنووي ص٣٠٨، شرح مسلم للنووي ٢/٦١، وينظر كلام الإمام الشافعي الذي سيأتي قريبًا –إن شاء الله تعالى-. "٥" شرح السنة: الاستسقاء ٤/٤٢١، النهاية "مادة: نوأ"؛ جامع الأصول: النجوم ١١/٥٧٨.
[ ٤٣٣ ]
تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول: "مطرنا بفضل الله ورحمته"، أو يقول: "هذه رحمة الله"، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول: "هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا"، أو يقول: "مطرنا في نوء كذا" "١"، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول "مطرنا بنوء كذا "أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:
١- أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقًا بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفرًا بالله تعالى، وإيمانًا بالكوكب"٢".
_________________
(١) "١" مغني المحتاج: صلاة الاستسقاء ١/٣٢٦، الفروع ١/١٦٣، الإنصاف ٥/٤٣٩. "٢" قال الإمام الشافعي في "الأم": الاستسقاء: كراهية الاستمطار بالأنواء ١/٢٥٢: "من قال: "مطرنا بنوء كذا" على معنى: مطرنا بوقت كذا فإنما ذلك كقوله: مطرنا في شهر كذا. ولا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إلي منه". قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الاستسقاء باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢/٥٢٣ بعد نقله لكلام الإمام الشافعي السابق: "يعني حسمًا للمادة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث"، وقال الإمام ابن قتيبة في "الأنواء"كما في الفتح ٢/٥٢٤: "وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث
[ ٤٣٤ ]
٢- أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يُؤدي بجُهَّالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء"١".
٣- أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد"٢".
٤ - أن فيه استبدالًا للفظ المندوب إليه شرعًا في هذه الحال، وهو قول: " مطرنا بفضل الله ورحمته "بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبّهٌ بالمشركين، وقد نُهينا عن التشبه بهم"٣".
_________________
(١) بين الكفر والشرك واسطة، فيُحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين"، وقال الباجي المالكي في المنتقى: الاستسقاء ١/٣٣٥: "هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد قائله ما ذكرناه، لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع ما تقدم ذكره"، وينظر كلام القرطبي الآتي قريبًا - إن شاء الله تعالى-. "١" ينظر قول الحافظ ابن حجر السابق، وقول القرطبي الآتي. "٢" ينظر قول الباجي الذي سبق نقله قريبًا، وينظر فتح المجيد ص٣٧٣. "٣" قال القرطبي في المفهم: الإيمان باب نسبة الاختراع إلى غير الله حقيقة كفر ١/٢٥٩، ٢٦٠: "من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق المطر واخترعه، ثم تكلم بذلك القول فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين: أحدهما: أنه خالف الشرع؛ فإنه قد حذر من ذلك الإطلاق. وثانيهما: أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز، لأنا قد أمرنا بمخالفتهم، فقال: " خالفوا المشركين "، و" خالفوا
[ ٤٣٥ ]
هذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة ونحوهما"١"، ومنها التسمّي
_________________
(١) اليهود "، ونهينا عن التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأقوال والأفعال علىما يأتي إن شاء الله تعالى؛ ولأن الله تعالى قد منعنا من التشبه بهم في النطق بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لما كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبي ﷺ يقصدون ترعينه منعنا الله من إطلاقها وقولها للنبي ﷺ وإن قصدنا بها الخير، سدًّا للذريعة، ومنعًا من التشبه بهم.."ثم ذكر القرطبي مقولة المشركين السابقة عند نزول الغيث وبَيَّنَ اعتقادهم الشركي في ذلك، ثم قال: "فنهى الشرع عن إطلاق ذلك، لئلا يعتقد أحد اعتقادهم، ولا يتشبه بهم في نطقهم"، وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ١/٣٣٢: "فأما القول "مطرنا بنوء كذا" وإن لم يعتقد قائله تأثير النجوم وفعلها ففيه مشابهة لقول من يعتقد قائله ذلك، والشرع قد حرّم التشبّه بالكفار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ إذ كانت كلمة اليهود والمنافقين معرضين بها". "١" وقد روى البخاري "٦٢٠٥"، ومسلم "٢١٤٣" عن أبي هريرة مرفوعًا: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه: رجل كان يسمى: ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ". وينظر التيسير، وفتح المجيد، والقول السديد، والقول المفيد باب
[ ٤٣٦ ]
بأسماء الله تعالى"١"، ومنها التسمِّي باسم فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما"٢"،
_________________
(١) التسمي بقاضي القضاة ونحوه، وباب احترام أسماء الله تعالى، الشرك الأصغر ص١٦٩-١٧١. "١" وقد قيل: إن النهي إنما يكون إذا لوحظت الصفة عند التسمية، كما في قصة "أبي الحكم"الذي غير النبي ﷺ كنيته بعد أن ذكر أن سبب تكنيته بذلك هو حكمه بين قومه. والحديث رواه أبوداود "٤٩٥٥"، والنسائي "٥٤٠٢" وإسناده حسن. وقد كنَّاه النبي ﷺ بأبي شريح، وهو أكبر أولاده. فعلى هذا إذا كان الاسم لمجرد العلمية فلا بأس. وينظر: معالم السنن ٧/٢٥٦، النهاية "مادة: حكم"، شرح الطيبي للمشكاة: الآداب باب الأسامي ٩/٧٥، الشرك الأصغر ص١٧٢، ١٧٣. وتنظر في أسماء الله تعالى الخاصة به المراجع المذكورة فيما سبق في أول الكلام على الحلف بغير الله. "٢" ولهذا غيَّر النبي ﷺ أسماء من اسلم من الصحابة، وكان اسمه معبَّدًا لغيرالله، وقد جمع هذه الأسماء التي غيَّرها النبي ﷺ الشيخ بكر أبوزيد في كتاب "معجم المناهي اللفظية"ص٢٢٥-٢٣٤، وخرّج الأحاديث الواردة فيها. وقد حكى ابن حزم في مراتب الإجماع باب الصيد والضحايا والذبائح والعقيقة ص١٧٩ الإجماع على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، عدا عبد المطلب. ولعل استثناء هذا الاسم "عبد المطلب"من أجل أن التعبيد فيه المراد به عبودية الرق لا غير، كما هو معروف في سبب تسميته بهذا الاسم، حيث ظن بعض من رآه في صغره أنه عبد للمطلب، فسموه "عبد المطلب" ينظر: شأن الدعاء للخطابي ص٨٤، ٨٥. وينظر تحفة المودود ص٧٣.
[ ٤٣٧ ]
ومنها بعض صور التبرك البدعي"١"، ومنها التصوير لذوات الأرواح إذا كان فيه نوع تعظيم"٢"، ومنها سبّ الدهر"٣"، ومنها الحكم بغير
_________________
(١) وقد ألحق بعض أهل العلم بذلك اسم: "غلام رسول"لأن "غلام"في اللغة الأردية بمعنى "عبد". ينظر الدين الخالص ٢/٢١٣، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/١٧٦، ١٧٧. أما قول السيد لعبده "عبدي"فقد ورد النهي عنه في حديث مرفوع في صحيح البخاري "٢٥٥٢"، وصحيح مسلم "٢٢٤"، لكن حكى ابن حجر في الفتح: العتق باب كراهة التطاول على الرقيق ٥/١٧٨ الاتفاق على أن النهي للتنزيه، وحمل بعض العلماء النهي على أن المقصود من النهي هو الإكثار من استعمال هذا اللفظ وما يشبهه، أو أن ذلك في حق من استعملها على سبيل التعاظم. ينظر: المفهم ٥/٥٥٢-٥٥٥، شرح النووي لصحيح مسلم ١٥/٦، ٧، شرح الطيبي: الآداب ٩/٧٢، التيسير، وفتح المجيد، والقول المفيد باب لا يقول: عبدي وأمَتي، الشرك الأصغر ١٧٤-١٨١. "١" ينظر ما سبق عند الكلام على بدعة التبرك في فصل "وسائل الشرك"وهو الفصل الأول من هذا الباب. "٢" ينظر ما سبق عند الكلام على الغلو في الصالحين في فصل "وسائل الشرك"وهو الفصل الأول من هذا الباب. "٣" روى البخاري "٤٨٢٦"، ومسلم "٢٢٤٦" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه تعالى: "يُؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار". فالله هو الفاعل حقيقة، فمن سبّ الدهر فقد سبّ الله، وسبّ الدهر
[ ٤٣٨ ]
ما أنزل الله، وبالأخص إذا كان في قضية واحدة"١".
_________________
(١) يكون من الشرك الأصغر في حق من سبَّ الدهر وهو يعتقد عدم تأثيره، فالشرك من أجل اللفظ الذي فيه نوع تشريك بين الله وبين الدهر في الفعل والتأثير، أما إن كان الساب للدهر يعتقد ما يعتقده أهل الجاهلية من تأثير الدهر وفعله من دون الله، كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فهو شرك أكبر. وينظر: الأسماء والصفات للبيهقي ١/٣٧٨، زاد المعاد ٢/٣٥٥، فتح الباري: تفسير سورة الجاثية ٨/٥٧٤، ٥٧٥، الشرك الأصغر ص١٩٧-٢٠٠. "١" ينظر ما سبق في الباب السابق عند الكلام على الشرك في الحكم والطاعة.
[ ٤٣٩ ]