المبحث الثاني: العبادة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها:
العبادة في اللغة: قال ابن سيدة:"أصل العبادة في اللغة: التذليل. من قولهم: (طريق معبد) أي مذلل. ومنه أخذ (العبد) لذلته لمولاه. والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني. والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر" (١) .
وقال في الصحاح:"أصل العبودية: الخضوع والذل. والعبادة الطاعة" (٢) .
العبادة في الاصطلاح (٣):
عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله
_________________
(١) المخصص ١٣/٩٦.
(٢) الصحاح، مادة "عبد"، وينظر لسان العرب، مادة "عبد".
(٣) المراد عبادة الطاعة. أما العبادة العامة فهي عبودية القهر والذل، وهي عبادة أهل السماء وأهل الأرض كلهم. ينظر مدارج السالكين ١/١١٨، ١١٩.
[ ٦٥ ]
ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة (١) .
وهذا يدل على شمول العبادة، فهي تشمل:
أولًا: العبادات المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي هي عبادات من أصل مشروعيتها، والتي دل الدليل من النصوص أو غيرها على تحريم صرفها لغير الله تعالى (٢) .
_________________
(١) ينظر رسالة العبودية (مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى ١٠/١٤٩) . وعرفها بعض أهل العلم بأنها: طاعة الله بفعل المأمور وترك المحظور. ينظر فتح المجيد ١/٨٥ نقلًا عن ابن كثير، وينظر العدة في أصول الفقه ١/١٦٣، وآخر المسودة ص٥٧٦، والدرر السنية ١/١٥٥، وتيسير العزيز الحميد ص٣١. والتعريف الأول أولى؛ لأنه جامع مانع، فهو جامع لأنه يشمل جميع أنواع العباده، بخلاف التعريف الثاني، فهو لا يشمل المباح إذا نوي به وجه الله تعالى، وهو مانع، لأنه لا يدخل فيه ما ليس من أنواع العبادة. أما التعريف الثاني فإنه يدخل فيه ماليس عبادة، كما إذا فعل العبد ما أمر الله به مماليس في الأصل عبادة، كإكرام الضيف ونحوه، ولم يرد بذلك وجه الله، ومن المعلوم أن هذا ليس عبادة لله تعالى.
(٢) ذكر في "الدين الخالص"١/٢١٥ تعريف العبادة المحضة فقال: "هي ما أمر به الشارع من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله تعالى وعظمته". فكل عمل أو قول دل الدليل من النصوص أو الإجماع أو غيرها على وجوب الإخلاص فيه فهو عبادة من أصل مشروعيته، وما ليس كذلك فليس هو من العبادات في أصل مشروعيته، وعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية ص٢٨ بأنها: كل فعل لا يعلم إلا من الشارع. وينظر: التوحيد لإسماعيل الدهلوي ص٢٠-٢٥، الفروق: الفرق "١٨"، والفرق "٦٥"، طرح التثريب ٢/١١، المنثور في القواعد "النية" ٣/٢٨٦- ٢٨٨، الأمنية في إدراك النية: الباب الرابع ص٢١، والباب الخامس ص٢٧، منتهى الآمال للسيوطي: الوجه ١٢٨.
[ ٦٦ ]
ويدخل في العبادات المحضة ما يلي:
١- العبادات القلبية. وهي تنقسم إلى قسمين:
أ –"قول القلب"، وتسمى"اعتقادية"، وهي: اعتقاد أنه لا رب إلا الله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد سواه، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك.
ب –"عمل القلب"، ومنها: الإخلاص، ومحبة الله تعالى، والرجاء لثوابه، والخوف من عقابه، والتوكل عليه، والصبر على فعل أوامره وعلى اجتناب نواهيه، وغيرها.
٢- العبادات القولية.
ومنها النطق بكلمة التوحيد، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغيرهما، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم العلم الشرعي، وغير ذلك.
٣- العبادات البدنية:
ومنها الصلاة والسجود، والصوم، والحج، والطواف، والجهاد، وطلب العلم الشرعي، وغير ذلك.
٤- العبادات المالية:
ومنها الزكاة، والصدقة، والذبح، والنذر بإخراج شيء من المال، وغيرها (١) .
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم ١/١٢٣- ١٣٣، التجريد للمقريزي الشافعي ص٨٢، ٨٣، تطهير الاعتقاد للصنعاني ص١٩، دلائل التوحيد للقاسمي ص١٠٠،
[ ٦٧ ]
ثانيًا: العبادات غير المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات (١) .
ويدخل في العبادات غير المحضة ما يلي:
١- فعل الواجبات والمندوبات التي ليست في الأصل من العبادات: ومن ذلك: النفقة على النفس أو على الزوجة والأولاد، وقضاء الدين، والزواج الواجب أو المندوب إليه، والقرض، والهدية، وبر الوالدين، وإكرام الضيف، وغيرها.
فإذا فعل المسلم هذه الواجبات أو المندوبات مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى، كأن ينفق على نفسه بنية التقوي على طاعة الله، وكأن ينفق على أولاده بنية امتثال أمر الله، وبنية تربية الأولاد ليعبدوا الله، وكأن يحمل رجلًا كبير السن على راحلته ليوصله إلى أهله ليريحه من تعب
_________________
(١) وينظر رسالة العبودية (مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى ١٠/١٤٩، ١٥٠)، تيسير العزيز الحميد ص٢٠- ٢٧، الدرر السنية ٢/٢٩٠، ٣١٨.
(٢) هذه الأقوال والأفعال إن فعلها الإنسان لوجه الله تحولت إلى عبادات كما سبق، وإن فعلها بنية سيئة تحولت إلى معصية لله تعالى يعاقب عليها العبد، كأن يبيع ويشتري ليحصل على مال ليتقوى به على معصية الله تعالى، أو يأكل أو يشرب ليتقوى بذلك على السرقة مثلًا، أو يدرس علمًا مباحًا كالطب أو الهندسة ليحصل على عمل معين يحصل عن طريقة على بعض المحرمات، فإن هذه الأعمال كلها تتحول إلى معاصي بسبب النية السيئة، وإن فعل العبد هذه الأفعال والأقوال دون أن ينوي نية حسنة أو سيئة فإن هذا العمل يبقى على أصله، ولا يتحول إلى طاعة ولا إلى معصية.
[ ٦٨ ]
المشي مبتغيًا بذلك وجه الله، وكأن ينوي بالزواج إعفاف النفس ونحو ذلك كان ذلك كله عبادات يثاب عليها (١)، بلا نزاع (٢) .
ومما يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث سعد:" ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضعه في في امرأتك "
متفق عليه (٣)، وقوله ﵊ في حديث أبي مسعود البدري:" إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة "متفق عليه (٤)، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن كلًا منهم توسل إلى الله بصالح عمله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره بوالديه ابتغاء وجه الله، وتوسل الثاني إلى الله بإعطائه للأجير أجره بعد تنميته له ابتغاء وجه الله تعالى الخ (٥) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/١٧١، ١٧٢، و١٨/٢٥٩، شرح النووي لصحيح مسلم ١١/٧٧، ٧٨، مدارج السالكين ١/١٢٣- ١٣٧، المنثور في القواعد ٣/٢٨٧، شرح الكرماني ١/٢١٥، فتح الباري ١/١٣٦، طرح التثريب ٢/١١، عمدة القاري ١/٣١٨، الدرر السنية ٢/٣١٨، ٣١٩.
(٢) المستصفى باب الأمر ٢/١٧، ١٨، حاشية ابن الشاط على الفروق "الفرق ٦٥".
(٣) صحيح البخاري كتاب الإيمان (٥٦)، وصحيح مسلم كتاب الوصيه (١٦٢٨) .
(٤) صحيح البخاري (٥٥)، وصحيح مسلم كتاب الزكاة (١٠٠٢) .
(٥) رواه البخاري (٢٢١٥، ٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر، ولهذا الحديث روايات أخرى عن عدة من الصحابة، وقد خرجتها بتوسع في الرسالة الأولى من مجموعة "قصص وأخبار من صحيح السنه والآثار"، وشرحت رواية النعمان المطوله لهذا الحديث تحت رقم (٣) وفيها كثير من الزيادات والفوائد.
[ ٦٩ ]
٢- ترك المحرمات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك ترك الربا، وترك السرقة، وترك الغش وغيرها فإذا تركها المسلم طلبًا لثواب الله وخوفًا من عقابه وامتثالًا لنهيه كان ذلك عبادة يثاب عليها (١) بلا نزاع (٢) .
ومما يدل على ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:" يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " متفق عليه (٣)، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن أحدهم توسل إلى الله بتركه
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية ١٠/٧٣٨، شرح صحيح مسلم للنووي ٢/١٥١، شرح الكرماني لصحيح البخاري ١/٢٢، مدارج السالكين ١/١٢٣- ١٣٧، الفوائد ص١٣٨، جامع العلوم والحكم شرح الحديث (٣٧)، ٢/٣٢١، عمدة القاري ٢٣/٨، فتح الباري ١/١٤، ١٥، و١١/٣٢٦، المنثور ٣/٢٨٨، منتهى الآمال للسيوطي الوجه ١٢٥، الأشباه والنظائر لابن نجيم مع شرحه غمز عيون البصائر ١/٩٣- ٩٥، الفروق (الفرق١٨ ج١ ص١٣٠) . وإذا ترك المسلم فعل شيء من المحرمات لعدم قدرته عليه، أو خوفًا من الحدِّ أو التعزير، أو لعدم الرغبة فيه، أو لعدم التفكير فيه أصلًا، فلا يثاب العبد على ذلك، ينظر المراجع السابقة.
(٢) المستصفى باب الأمر: التمكن من الامتثال ٢/١٧، ١٨.
(٣) صحيح البخاري (٧٥٠١)، وصحيح مسلم (١٢٩) . ورواه مسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.
[ ٧٠ ]
الفاحشة ابتغاء وجه الله تعالى.
٣- فعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك: النوم، والأكل، والبيع والشراء، وغيرها من أنواع التكسب، فهذه الأشياء وما يشبهها في الأصل مباحة، فإذا نوى المسلم بفعلها التقوي بها على طاعة الله، وما أشبه ذلك، كان ذلك عبادة يثاب عليها (١) .
ومما يدل على ذلك عموم حديث سعد وحديث أبي مسعود السابقين، وقول معاذ ﵁ لما قال له أبو موسى الأشعري ﵁: كيف تقرأ القرآن؟ قال:" أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت حزبي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي "رواه البخاري (٢) .
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٠/٤٦٠- ٤٦٣، الموافقات ٣/٢٢٧- ٢٣٧، مختصر منهاج القاصدين ص٤٥٨- ٤٦٠، عمدة القاري ١/٣١٨، فتح الباري ١/١٤- ١٧، ١٣٦، و٨/٦٢، و١٢/٢٧٥، شرح الأبي والسنوسي ٣/١٤٥، و٤/٣٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٢، الأشباه والنظائر لابن نجيم مع شرحه غمز عيون البصائر ١/٧٨، المنثور ٣/٢٨٧، منتهى الآمال: الوجه ٢٨، وشرح السيوطي لسنن النسائي ١/٥٩، الفروق ١/١٣٠، القول المفيد ٢/١٤٣.
(٢) صحيح البخاري: المغازي (٤٣٤١- ٤٣٤٥)، واستتابة المرتدين (٦٩٢٣) .
[ ٧١ ]
وهذا يدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، وتشمل الدين كله (١)، ويدل كذلك على أهمية العبادة، ولهذا كانت هي الغايه التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالله تعالى خلقهم ليختبرهم في عبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه (٢)، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك:٢] فكل عاقل من الثقلين منذ أن يبلغ إلى أن يموت فهو في حال امتحان واختبار.
_________________
(١) الدرر السنية ٢/٢٩٠، الإرشاد ص٢٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/٤٠-٥٧، تفسير ابن كثير (تفسير الآية الثانية من سورة تبارك، وتفسير الآية الثانية من سورة الإنسان) .
[ ٧٢ ]