الباب الثاني: نواقض التوحيد
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الشرك الأكبر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه، وحكمه:
قبل أن نبدأ في تعريف الشرك نذكر الفرق بين نواقض التوحيد ومنقصاته:
فنواقض التوحيد: هي الأمور التي إذا وجدت عند العبد خرج من دين الله بالكلية، وأصبح بسببها كافرًا أو مرتدًا عن دين الإسلام، وهي كثيرة، تجتمع في الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر "الاعتقادي".
أما منقصات التوحيد: فهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد ولا تنقضه بالكلية، فإذا وجدت عند المسلم قدحت في توحيده ونقص إيمانه، ولم يخرج من دين الإسلام، وهي المعاصي التي لا تصل إلى درجة الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر، وعلى رأسها: وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والكفر الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدعة.
[ ١٤٩ ]
أما تعريف الشرك الأكبر: فهو في اللغة يدل على المقارنة، التي هي ضد الانفراد، وهو أن يكون الشيء بين اثنين، لا ينفرد به أحدهما. يقال "لا تشرك بالله" أي لا تعدل به غيره فتجعله شريكًا له، فمن عدل بالله أحدًا من خلقه فقد جعله له شريكًا"١".
وفي الاصطلاح: أن يتخذ العبد لله ندًا يسوِّيه به"٢" في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
أما حكمه:
فإن الشرك هو أعظم ذنب عصي الله به، فهو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم؛ لأن الشرك صرف خالص حق الله تعالى - وهو العبادة - لغيره، أو وصف أحد من خلقه بشيء من صفاته التي اختص بها - ﷿ -، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولذلك رتّب الشرع عليه آثارًا وعقوبات عظيمة، أهمها:
١- أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه ولم يتب منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] .
_________________
(١) "١" معجم مقاييس اللغة ٣/٣٦٥، ولسان العرب "مادة: شرك ". "٢" مدارج السالكين "منزلة التوبة" ١/٣٦٨، النونية مع شرحها لابن عيسى ٢/٢٦٣، ٢٦٦، أعلام السنة المنشورة ص٥٢، سلم الوصول "مطبوع مع شرحه معارج القبول" ٢/٤٧٥. وينظر حجة الله البالغة للدهلوي باب أقسام الشرك ١/١٨٣، ١٨٤، الدين الخالص ١/٧٨، ٧٩.
[ ١٥٠ ]
٢- أن صاحبه خارج من ملة الإسلام، حلال الدم والمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
٣- أن الله تعالى لا يقبل من المشرك عملًا، وما عمله من أعمال سابقة تكون هباءً منثورًا "١"، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
٤- يحرم أن يتزوج المشرك بمسلمة، كما يحرم أن يتزوج المسلم مشركة"٢"، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] .
٥- إذا مات المشرك فلا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وإنما يحفر له حفرة بعيدة عن الناس
_________________
(١) "١" الجواب الكافي ص ٢١٠، إغاثة اللهفان: فصل فيما في الشرك من الخبث ١/٦٠ - ٦٢، التيسير باب الخوف من الشرك ص ٨٩، فتح المجيد ١/١٧٣، ١٧٤، معارج القبول ٢/٤٧٥ - ٤٨٢، ٤٨٦. "٢" ويستثنى من ذلك نساء أهل الكتاب – اليهود والنصارى - كما قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] . وينظر تفسير الآية ٢٢١ من سورة البقرة في تفسير ابن كثير.
[ ١٥١ ]
ويدفن فيها، لئلا يؤذي الناس برائحته الكريهة "١".
٦- أن دخول الجنة عليه حرام، وهو مخلد في نار الجحيم"٢" - نسأل الله السلامة والعافية - كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
_________________
(١) "١" ينظر المبدع، والروض مع حاشيته لابن قاسم كتاب الجنائز وكتاب المرتد، الدين الخالص ١/١٨٧، ١٩٣، ٢٤٢ - ٢٤٨، ٣٤٣ - ٣٩٠، الضياء اللامع " فضل الصلاة وحكم تاركها " ص ٢٩٤. "٢" تنظر المراجع السابقة، وينظر شرح مسلم للنووي ٢/٩٧، وتفسير الآية "٧٢" من المائدة في تفسيري: ابن كثير والسعدي.
[ ١٥٢ ]