الفصل الثاني: الكفر الأكبر
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
الكفر في اللغة: بمعنى الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بالثوب: قد كفر درعه. ويقال للمزارع: "كافرًا " لأنه يغطي البذر بالتراب، ومنه سمي الكفر الذي هو ضد الإيمان "كفرًا "؛ لأن فيه تغطيه للحق بجحد أو غيره، وقيل: سُمي الكافر "كافرًا " لأنه قد غطى قلبه بالكفر"١".
_________________
(١) "١" انظر لسان العرب، مادة"كفر"، وينظر الفصل لابن حزم ٣/٢١١. وقال ابن الجوزي في"نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" ص٥١٦، ٥١٧:"ذكر أهل التفسير أن الكفر في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: الكفر بالتوحيد، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، والثاني: كفران النعمة، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾، والثالث: التبري، ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي يتبرأ بعضكم من بعض، والرابع: الجحود، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، والخامس: التغطية، ومنه قوله تعالى في الحديد: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، يريد الزراع الذين يغطون الحَب".
[ ١٩٩ ]
والكفر في الاصطلاح: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك يناقض الإيمان"١".
فالكفر الأكبر يكون بالاعتقاد، ويكون أيضًا بالقول، ويكون كذلك بالفعل ولو لم يكن مع أي منهما اعتقاد"٢".
_________________
(١) "١" النواقض القولية والعملية ص٣٩، وقال أبو محمد بن حزم بعد ذكره لتعريف الكفر لغة في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل: كتاب الإيمان ٣/٢١١:"ثم نقل الله تعالى اسم الكفر في الشريعة إلى جحد الربوبية وجحد نبوة نبي من الأنبياء صحت نبوته في القرآن، أو جحد شيء مما أتى به رسول الله ﷺ مما صح عند جاحده بنقل الكافة، أو عمل شيئًا قام البرهان بأن العمل به كفر". "٢" وقد حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن الكفر يكون بمجرد القول أو مجرد الفعل. قال الإمام الحافظ إسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨هـ كما في تعظيم قدر الصلاة لتلميذه محمد بن نصر "ص٩٣٠"، رقم "٩٩١":"ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد: فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى وما جاء من عنده ثم قتل نبيًا أو أعان على قتله، وإن كان مقرًا، ويقول: قتل الأنبياء محرم، فهو كافر، وكذلك من شتم نبيًا؛ أو ردّ عليه قوله من غير تقية ولا خوف". فقد حكى إسحاق – ﵀ – إجماع السلف على أن من سبَّ نبيًا، أو قتل نبيًّا من أنبياء الله تعالى، أو رد شيئاَ مما أنزل الله تعالى باللسان فقط مع إيمانه بقلبه بجميع ما أنزل الله أنه يكفر بذلك القول أو الفعل المجرد. وقال الإمام أبوثور المتوفى سنة ٢٤٠هـ كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة "ص٨٤٩":"ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: المسيح هو الله، وجحد
[ ٢٠٠ ]
_________________
(١) =أمرالإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن"، فقد حكى أبوثور – ﵀ – إجماع السلف على كفر من أظهر كلمة الكفر، ولو قال: إنه تلفظ بها من غير أن يعتقد مدلولها. وقد حكى أبومحمد بن حزم في"الفصل في الملل والأهواء والنحل"كتاب الإيمان ٣/٢٠٤، ٢١١، ٢٤٩، ٢٥١، ٢٥٣ الإجماع على التكفير بمجرد النطق ببعض الأمور المكفرة، وبمجرد فعل بعض الأمور المكفرة، وقال ٣/٢٠٩:"بقي من أظهر الكفر لا قارئًا ولا شاهدًا ولا حاكيًا ولا مكرهًا على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على الحكم له بحكم الكفر، وبحكم رسول الله ﷺ بذلك، وبنص القرآن"، وقال ٣/٢٠٠:"وأما قولهم: إن إخبار الله تعالى بأن هؤلاء كلهم كفار دليل على أن في قلوبهم كفرًا، وأن شتم الله ليس كفرًا، ولكنه دليل على أن في القلب كفرًا، وإن كان كافرًا لم يعرف الله تعالى قط، فهذه منهم دعاوى كاذبة مفتراة، لا دليل لهم عليها ولا برهان، لا من نص ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من حجة عقل أصلًا، ولا من إجماع، ولا من قياس، ولا منقول أحد من السلف قبل اللعين جهم بن صفوان، وما كان هكذا فهو باطل وإفك وزور، فسقط قولهم هذا من قرب، ولله الحمد رب العالمين، فكيف والبرهان قائم بإبطال هذه الدعوى من القرآن والسنن والإجماع والمعقول..". وقال ابن حزم أيضًا في آخر المحلى ١١/٤١١:"وأما سبّ الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد إلا أن الجهمية والأشعرية وهما طائفتان لا يعتد بهما يصرحون بأن سب الله تعالى وإعلان الكفر ليس كفرًا. قال بعضهم: ولكنه =
[ ٢٠١ ]
_________________
(١) دليل على أنه يعتقد الكفر لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام ولم يختلفوا في أن فيه – أي في القرآن - التسمية بالكفر والحكم بالكفر قطعًا على من نطق بأقوال معروفة كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ فصح أن الكفر يكون كلامًا"انتهى كلامه بحروفه مختصرًا. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في شرح كشف الشبهات ص١٠٢:"فهذا المذكور في هذا الباب – أي باب المرتد – إجماع منهم أنه يخرج من الملة ولو معه الشهادتان لأجل اعتقاد واحد أو عمل واحد أو قول واحد، يكفي بإجماع أهل العلم لا يختلفون فيه". وقال الشيخ عبد الله أبا بطين كما في مجموعة الرسائل والمسائل ١/٦٥٩:"المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه بكلام أو اعتقاد أو فعل أو شك وهذا ظاهر بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع". وقال العلامة الصنعاني في"تطهير الاعتقاد"ص٢٦،٢٥:"قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها". ونقل صاحب المحيط كما في درر الحكام في الفقه الحنفي ١/٣٢٤ الإجماع من كافة العلماء على كفر من نطق بكلمة الكفر ولو كان غير معتقد لما نطق به. وقد نقل الشيخ علوي السقاف في رسالة"التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد"عن أكثر من مائة من علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين ومن جميع المذاهب الفقهية أن الكفر يكون بمجرد النطق بقول مكفر، وبمجرد فعل مكفر.
[ ٢٠٢ ]
_________________
(١) وينظر ما يأتي من حكاية الإجماع على كفر من جحد بلسانه شيئًا من دين الله تعالى عند الكلام على كفر الإنكار والتكذيب، وما يأتي من حكاية الإجماع على كفر من سب شيئًا من دين الله أو استهزأ أو سخر به بالقول أو الفعل جادًا أو هازلًا عند الكلام على كفر السبّ والاستهزاء. وقد أطال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/١٩٩-٢٠٦ في الرد على من قال: إن الكفر لا يكون بالقول أو الفعل، وذكر أدلة صريحة من الكتاب والسنة والإجماع تدل على الكفر بمجرد النطق بأمر مكفر، وبمجرد فعل مكفر، وسيأتي بعض هذه الأدلة عند ذكر الأدلة على أنواع الكفر. وهذا كله يدل على أن من قال: إن الكفر إنما يكون بالاعتقاد، وأن القول أو الفعل الذي دلت النصوص على أنه كفر ليس كفرًا، وإنما هو دليل على أن في القلب كفرًا، قد أخطأ خطأً كبيرًا، ورد دلالة النصوص الشرعية، وخالف ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من سلف من هذه الأمة ومن سار على طريقهم. وقال الإمام النووي في الروضة ١٠/٦٤:"قال الإمام – أي إمام الحرمين -: في بعض التعاليق عن شيخي: أن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا. قال: وهذا زلل عظيم من المعلق، ذكرته للتنبيه على غلطه"، وقد نقل هذا التعليق أيضًا عن إمام الحرمين ابن حجر المكي في قواطع الإسلام ص٢٣ وأيد تخطئته له. وينظر في الرد على هذا القول أيضًا وفي بيان دلالة النصوص على عدم صحته مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/٥٤٧، ٥٦١، الإيمان لشيخ الإسلام ص٤٨٤، النونية لابن القيم مع شرحها لابن عيسى ٢/١١٨،١١٧، شرح كشف الشبهات للشيخ محمد بن إبراهيم ص١٢٦-١٣٤، فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٣.=
[ ٢٠٣ ]
وحكم الكفر الأكبر هو حكم الشرك الأكبر، كما سبق بيانه"١".
وإذا وقع المسلم في الكفر أو الشرك وحكم بكفره فهو"مرتد" له أحكام المرتدين، ومنها أنه يجب قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإسلام"٢" لقوله ﷺ: " من بدّل دينه فاقتلوه " رواه البخاري"٣"، ولقوله ﷺ: " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " رواه البخاري ومسلم"٤".
_________________
(١) ولذلك كله فإنه يجب على المسلم الذي يطلب الحق أن ينقاد لما دلت عليه النصوص ولما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وكون بعض أهل العلم أخطأ في ذلك فهو يرجى له أجر واحد، لإرادته الحق، ولكن لا يجوز لنا أن نقلده في خطئه. والله أعلم. "١" ينظر ما سبق في المبحث الأول من الفصل السابق. "٢" هذا إذا كان القتل يسقط بالتوبة، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن بعض أنواع الكفر يجب قتل من وقع فيها ولو أظهر توبته، بل يرى بعضهم أن المرتد لا يستتاب ولا تسقط توبتُه من الردة القتلَ في جميع المسائل، وذهب آخرون إلى أن التوبة تقبل في جميع المسائل. ينظر الأوسط لابن المنذر: كتاب المرتد "رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة ص٦٤٨-٦٥٧"، المحلى ١١/١٨٨-١٩٤، الصارم المسلول ص٥٣١،٤٦٠، ٣٦١، ٣٣٧، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٢٧/١١٤-١٢١، روضة الطالبين ١٠/٧٦،٧٥، فتح الباري: استتابة المرتدين ١٢/٢٦٩، كشاف القناع ٦/١٧٥-١٧٨، فتاوى شيخنا ابن باز "جمع د. الطيار ص٥٢٦". "٣" رواه البخاري في استتابة المرتدين "٦٩٢٢". "٤" صحيح البخاري: الديات "٦٨٧٨"، وصحيح مسلم: القسامة "١٦٧٦".
[ ٢٠٤ ]