الفصل الثاني: الشرك الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
سبق تعريف الشرك في اللغة عند الكلام على تعريف الشرك الأكبر.
أما تعريفه في الاصطلاح، فهو: كل ما كان فيه نوع شرك لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر"١".
_________________
(١) "١" ويمكن أن يقال: هو كل قول أو عمل بالقلب أو الجوارح جعل العبد فيه ندًا لله تعالى، ولم تصل هذه الندية إلى إخراج صاحبها من الملة. وهذا التعريف أسلم من جهة عدم استعمال لفظ المعرف في التعريف، ولكن الأول أوضح. أما تعريفه بأنه: "كل ما ورد تسميته شركًا ولم يصل إلى درجة الشرك الأكبر". فهو غير جامع، وكذلك تعريفه بأنه "كل ما يؤي إلى الشرك"غير مانع، لأنه يدخل فيه كثير من البدع والمعاصي التي ليست من الشرك الأصغر، كالتصوير لغير التعظيم، فهو وسيلة للشرك، ولكن ليس فيه نوع إشراك حتى يكون شركًا، ومثله التساهل بالصلاة عند القبر من غير تعظيم له ولا قصد للصلاة عنده، وغير ذلك مما ليس فيه عند فعله نوع إشراك من الفاعل له فلا يدخل في الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه إشراك أصلًا. وينظر المفردات ص٤٢٥، القول السديد باب الخوف من الشرك، وباب الذبح ص٣٤، ٥٩،
[ ٣٦١ ]
أما حكمه فيتلخص فيما يأتي:
١- أنه كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الذنوب بعد نواقض التوحيد"١".
_________________
(١) حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد ص٥٠، فتاوى اللجنة الدائمة ١/٥١٧. وقد أطلق بعض العلماء الشرك الأصغر على جميع المعاصي؛ لأن فيها اتباعًا للهوى، وتقديمًا له على طاعة الله تعالى، مُستدلين بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] . ينظر: مجموع الفتاوى ١٠/٢١٦، ٢١٧، ٢٦١، ٢٦٢، تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب ص٢٦-٣٠، الدين الخالص ١/١٦٢-١٧١، معارج القبول ص٤٢٤، ٤٣٣، القول المفيد ١/٦١. وقد ذهب كثير من المفسرين، وعلى رأسهم ابن عباس - ﵄ - إلى أن الآية السابقة في المشرك الذي يعبد ما تهواه نفسه من معبودات، فما استحسن من شيء عبده. ينظر تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير الشوكاني للآية السابقة، وينظر مجموع الفتاوى ١٠/٥٩٢، تجريد التوحيد ص٤٦. وهذا القول هو الأقرب، وعليه فإن المعاصي لا يدخل منها في الشرك الأصغر إلا ما كان فيه نوع إشراك لمخلوق آخر. والله أعلم. "١" والدليل على هذا قوله ﷺ لما رأى في يد رجل حلقة من صفر: " ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال: " انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مِتَ وهي عليك ما أفلحت أبدًا "، وسيأتي تخريجه عند الكلام على التمائم. ويؤيد هذا قول ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا". وسيأتي تخريجه
[ ٣٦٢ ]
_________________
(١) عند الكلام على الحلف بغير الله، فجعل الحلف بالله كاذبًا الذي هو من كبائر الذنوب أخف من الحلف بغيره صادقًا؛ لأنه من الشرك الأصغر. وينظر مجموع الفتاوى ١/٢٠٤، الفروع: الأيمان ٦/٣٤٠، إعلام الموقعين: فصل بعض الكبائر "آخر الكتاب ٤/٤٠٣"، وآخر كتاب التخويف من النار لابن رجب: فصل في ذكر أول من يدخل النار "ص٢٥٠"، كتاب التوحيد باب من الشرك لبس الحلقة، الدرر السنية ١/١٨٥، و٢/١٨٩، و١١/٤٩٦، تيسير العزيز الحميد "ص٥٣٠". هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الشرك الأصغر لا يغفر إذا مات العبد وهو لم يتب منه، لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] . لكن أجيب عن هذا الاستدلال بأمرين:
(٢) أن الآيتين في الشرك الأكبر؛ لأنهما وردتا في ضمن آيات تتحدث عن المشركين والمنافقين وأهل الكتاب.
(٣) أن الآيات الأخرى في كتاب الله تعالى والتي رتب فيها الحكم على وصف الشرك لم يختلف أهل العلم في أن المراد به في هذه الآيات الشرك الأكبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وكقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فكذلك آيتا النساء. وهذا هو الأقرب. وينظر: تلخيص الاستغاثة "ص١٤٨"، مدارج السالكين ١/٣٠٨، ٣٦٨، ٣٧٣، الدرر السنية ٢/١٨٥، الدين الخالص ١/٣٨٧، ٣٨٨، قرة عيون الموحدين ص٤٦، التوضيح عن توحيد الخلاق ص٤١٥، ٤١٦، رسالة "الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة"للعبّاد ص١٩٤، ١٩٥.
[ ٣٦٣ ]
٢- أن هذا الشرك قد يعظم حتى يؤول بصاحبه إلى الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام"١"، فصاحبه على خطر عظيم من أن يؤدي به الوقوع في الشرك الأصغر إلى الخروج من دين الإسلام.
٣ - أنه إذا صاحب العمل الصالح أبطل ثوابه"٢"، كما في الرياء وإرادة الإنسان الدنيا وحدها بعمله الصالح، والدليل قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ". رواه مسلم"٣".
_________________
(١) "١" ينظر: مدارج السالكين ١/٣٧٣، الدرر السنية ١/٢٠٠، وسيأتي عند ذكر أنواع الشرك الأصغر بيان ذلك. "٢" وفي المسألة تفصيل يأتي عند الكلام على الرياء – إن شاء الله تعالى -. "٣" صحيح مسلم "٢٩٨٥"، وله شاهد رواه النسائي "٣١٤٠" عن أبي أمامة أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ . فقال ﷺ: "لا شيء له"فأعادها ثلاث مرار، يقول رسول الله ﷺ: " لا شيء له ". ثم قال: " إن الله - ﷿ – لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه ". وإسناده حسن. وقد صححه جمع من أهل العلم، وقد توسعت في تخريجه في رسالة النية، برقم "١٤".
[ ٣٦٤ ]