الفصل الرابع: النفاق الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
النفاق الأصغر هو: أن يظهر الإنسان أمرًا مشروعًا ويبطن أمرًا محرمًا يخالف ما أظهره"١".
_________________
(١) "١" قال البغوي في شرح السنة باب علامات النفاق ١/٧٦:"الثاني – أي من أنواع النفاق – ترك المحافظة على حدود أمور الدين سرًا ومراعاتها علنًا، فهذا يسمى منافقًا، ولكنه نفاق دون نفاق"، وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ١/٣١٣ عند ذكره لتفسير حديثي أبي هريرة وابن عمرو في خصال المنافقين وللاحتمالات في ذلك قال:" أو يكون أراد النفاق اللغوي الذي هو خلاف المضمر، وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك؛ لأن الكاذب يُظهر إليك أنه صدق، ويبطن خلافه، والخصم يظهر أنه أنصف ويضمر الفجور، والواعد يظهر أنه سيفعل وينكشف الباطن بخلافه "، وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم: شرح الحديث ٤٨، ج٢ ص٤٨١:"النفاق الأصغر – وهو نفاق العمل – هو أن يظهر الإنسان علانية صالحة ويبطن ما يخالف ذلك"، ثم ذكر خصال هذا النفاق، ثم قال ص٤٩٠:"وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، قاله الحسن، وقال الحسن أيضًا: من
[ ٤٥٣ ]
فكل من فعل أو قال قولًا مشروعًا واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، وقد أبطن ضد ما أظهره فقد فعل خصلة من خصال النفاق الأصغر، ويسميه بعض أهل العلم"النفاق العملي" لأنه يتعلق بالأعمال، وليس في الاعتقاد"١"، وأطلق عليه بعض أهل العلم أيضًا "نفاقًا دون
_________________
(١) النفاق اختلاف القلب واللسان، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. وقالت طائفة من السلف: خشوع النفاق: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع". وأثر الحسن الثاني رواه ابن بطة "٦٩٠"، والفريابي في صفة المنافق "٤٩" بإسناد صحيح، وقال ابن مفلح في الفروع: الردة ٦/١٦٦ نقلًا عن القاضي أبي يعلى:"ومن أظهر الإسلام وأسر الكفر فمنافق كافر، كعبد الله بن أبيّ بن سلول، وإن أظهر أنه قائم بالواجب وفي قلبه أن لا يفعل فنفاق". وينظر: مجموع الفتاوى ١١/١٤٠-١٤٤، شرح الطيبي ١/١٩٠-١٩٢، فيض القدير ١/٤٦٣، ٤٦٤. "١" ينظر ما سبق عند تعريف النفاق الأكبر في الاصطلاح في الباب السابق، وقد ثبتت تسمية هذا النوع ب"نفاق العمل"عن الحسن البصري عند ابن بطة في "الإبانة""٩٣٩" بإسناد صحيح، وقال الترمذي في سننه ٥/٢٠ تعليقًا على حديث " أربعٌ من كنّ فيه. ."، قال:"وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل". وينظر المفهم ١/٢٥٠، عارضة الأحوذي ١٠/٩٨، ١٠١، مجموع الفتاوى ٢٨/٤٣٥، تفسير ابن كثير "تفسير الآية ٨، والآية ٢٠ من سورة البقرة" فتح الباري ١/٨٩، كتاب الصلاة لابن القيم ص٥٩، عمدة القاري ١/٢١٧، الفروع وتصحيحه ٦/١٦٦.
[ ٤٥٤ ]
نفاق""١". وحكم هذا النفاق أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب"٢"، ومن فعل خصلة من خصاله فقد تشبّه بالمنافقين"٣"، ولكنه لا يخرج من ملة الإسلام بإجماع أهل العلم"٤".
_________________
(١) "١" ينظر عارضة الأحوذي: الإيمان ١٠/٩٨، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦٦. "٢" قال ابن كثير في أول تفسير الآية "٨" من البقرة: "هو من أكبر الذنوب"، وينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر: الكبيرة ٥٣: عدم الوفاء بالعهد. "٣" قال القاضي عياض في إكمال المعلم ١/٣١٤ بعد ذكره لحديثي أبي هريرة وعبد الله بن عمرو في خصال النفاق الأصغر وبعد ذكره لما ذكره ابن الأنباري من أوجه سبب تسمية المنافق منافقًا، قال:"اختلف تأويل العلماء لهذا الحديث على الوجوه التي ذكرها وغيرها، وأظهرها التشبيه بهذه الخصال بالمنافقين والتخلق بأخلاقهم في إظهار خلاف ما يبطنون، وهو معنى النفاق"، وينظر التعليق الآتي. "٤" قال النووي في شرح صحيح مسلم ٢/٤٦، ٤٧ عند كلامه على حديث:" أربع من كن فيه.." قال: "هذا الحديث مما عدّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك وقد اجمع العلماء على أمن كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عيه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو
[ ٤٥٥ ]
_________________
(١) الصحيح المختار أن معناه: أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار"، وينظر: المحلى "المسألة ٢١٩٩، ج١١ ص٢٠٢-٢٠٤، الفِصَل ٢/٢٤٥ مجموع الفتاوى ٧/٣٥٢، ٤٧٨، ٤٧٩، شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/٩٠، ٩١، المفهم ١/٢٤٩، ٢٥٠، الفروع مع تصحيحه: الردة ٦/١٦٦، ١٦٧، فيض القدير ١/٦٣. أحمد ٤/١٨٣، وأبوداود "٤٩٧١"، والبخاري في الأدب المفرد "٣٩٣" من طريقين عن النبي ﷺ أنه
[ ٤٥٦ ]