الولاء والبراء
المبحث الأول: تعريفهما وحكمهما
الولاء في اللغة: المحبة والنصرة، والقرب. والوليّ: المحب والصديق والنصير، وهو ضد العدو. والموالاة والوَلاية: ضد المعاداة"١".
والولاء في الاصطلاح هو: محبة المؤمنين لأجل إيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، وإعانتهم، ورحمتهم، وما يلحق بذلك من حقوق المؤمنين"٢".
_________________
(١) "١" الصحاح، ومعجم مقاييس اللغة، والقاموس، والكليات، ولسان العرب "مادة: ولي"، وقال في النهاية "مادة: ولي": "تكرر ذكر "المولى" في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة"ثم ذكر بعضها كالرب، والسيد، والناصر، والمحب، وابن العم، ثم قال: "وكل من ولي أمرًا أو قام به فهو مولاه ووليه". "٢" ينظر: تفسيرالجصاص للآية ٢٨ من آل عمران ٢/٢٨٨؛ مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٩، الفرقان ص٤، ٥ تفسير الآية ٧١ من التوبة في تفسير ابن كثير، شرح الطحاوية ص٥٤٦، ٥٤٧، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٢٩٠، تيسير العزيز الحميد باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ ص٤٢٢، الدرر السنية ٢/٣٢٥، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار ٣/١٠٢١"،
[ ٥٤٣ ]
وهذا الولاء يكون في حق المسلم الذي لم يصر على شيء من كبائر الذنوب.
أما إذا كان المسلم مصرًا على شيء من كبائر الذنوب، كالربا، أو الغيبة، أو إسبال الثياب، أو حلق شعر العارضين والذقن "اللحية" أو غير ذلك فإنه يُحبّ بقدر ما عنده من الطاعات، ويبغض بقدر ما عنده من المعاصي"١".
والمحبة للمسلم العاصي تقتضي أن يهجر إذا كان هذا الهجر يؤدي إلى إقلاعه عن هذه المعصية وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله أو من قبل غيره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وأمر الصحابة أن يهجروهم، فلم يكلموهم خمسين يومًا. متفق عليه "٢".
_________________
(١) الإرشاد للدكتور صالح الفوزان ص٢٧٩، الولاء والبراء ص٨٩، ٩٠، النواقض القولية والعملية ص٣٦٠. "١" مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٩، رسالة "المحبة"لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٨٩، ٩٠، ١٣٣، ١٩٨، شرح الطحاوية ص٥٤٧، مجموع فتاوى ورسائل شيخنا محمد بن عثيمين ٣/١١، الإرشاد للدكتور صالح الفوزان ص٢٩٠، حقيقة الولاء والبراء ص٥٣٢-٥٥٧. "٢" صحيح البخاري: المغازي "٤٤١٨"، وصحيح مسلم: التوبة "٢٧٦٩". ومن الهجر لهم: أن لا يُبدأوا بالسلام ولا يرد عليهم إذا سلموا، ويقاطعوا بالكلام
[ ٥٤٤ ]
كما أن المحبة للمسلم العاصي تقتضي مناصحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ليفعل الخير ويجتنب المعصية، فينجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، كما تقتضي المحبة للعاصي إقامة الحدود والتعزيرات عليه ليتوب ويرجع إلى الله تعالى، ولتكون تطهيرًا له من ذنوبه"١".
وقريب من العاصي: المتهم بالنفاق، فيوالى بقدر ما يظهر منه من الخير، ويعادى بقدر ما يظهر منه من الخبث"٢"، وإذا تبين نفاقه
_________________
(١) وبالزيارة ونحو ذلك. وينظر: التمهيد ٦/١١٨، ١٢٧، مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٣-٢١٨، روضة الطالبين ٧/٣٦٧، ٣٦٨، زاد المعاد ٣/٥٧٥، ٥٧٨، جامع العلوم والحكم: شرح الحديث ٣٥، ج٢، ص٢٦٨، ٢٦٩، شرح الطحاوية ص٥٣٣، الزجر بالهجر للسيوطي، فتح الباري: المغازي ٨/١٢٤، والأدب باب الهجرة ١٠/٤٩٦، الآداب الشرعية ١/٢٢٩-٢٣٩، تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعادة والحب والبغض والهجران للشيخ حمود التويجري ص٤١-٦٤، هجر المبتدع للشيخ بكر أبوزيد، الهجر لمشهور حسن ص١٥٣-٢٠١. وينظر فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/١٦-١٨ ففيها تفصيل جيد في المسألة، وفيها قوله: "أما اليوم فإن كثيرًا من أهل المعاصي لا يزيدهم الهجر إلا مكابرة وتماديًا في معصيتهم، ونفورًا وتنفيرًا من أهل العلم والإيمان، فلا يكون في هجرهم فائدة لهم ولا لغيرهم". وقد حكى القاضي أبويعلى الفراء الحنبلي إجماع الصحابة والتابعين على مشروعية الهجر. ينظر: هجر المبتدع ٣٢. "١" الإرشاد للشيخ الدكتور صالح الفوزان ص٢٩٠. "٢" ينظر: الولاء والعداء في علاقة المسلم بغير المسلم للدكتور عبد الله الطريقي
[ ٥٤٥ ]
وحكم عليه بالنفاق فحكمه في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي بيانه في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
أما المبتدعة كالجهمية والقدرية والرافضة والأشاعرة ونحوهم فهم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من كان منهم داعيًا إلى بدعته أو مظهرًا لها وكانت بدعته غير مكفِّرة فيجب بغضه بقدر بدعته"١"، كما يجب هجره
_________________
(١) ص١٧، والتدابير الواقية من التشبه بالكفار للدكتور عثمان دوكوري ٢/٤٣٠. وقال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ٣/١٦١: "وأما سيرته في المنافقين: فإنه أُمِرَ أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم" "١" قال شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث "مطبوع ضمن الرسائل المنيرية ١/١٣١" عند كلامه على عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويتجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت، وجرّت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة". وقال الشيخ بكر أبوزيد في رسالة "هجر المبتدع " ص١٩ عند كلامه على قاعدة: الحب في الله والبغض في الله. قال: "يؤصِّل علماء
[ ٥٤٦ ]
ومعاداته، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم"١"، فلا تجوز مجالسته، ولا التحدث معه إلا في حال دعوته ونصحه، وهذه المجالسة إنما تجوز في حق العلماء خاصة.
_________________
(١) الإسلام "هجر المبتدع ديانة" تحت القاعدة العقدية الكبرى "قاعدة الولاء والبراء". ومفهوم هذه القاعدة الشريفة لدى أهل السنة والجماعة هو: الحب والبغض في الله، فهم يوالون أولياء الرحمن ويعادون أولياء الشيطان، وكل بحسب ما فيه من الخير والشر، وهذه القاعدة من مسلَّمات الاعتقاد في الإسلام، لكثرة النصوص عليها، من الكتاب والسنة، والأثر، ومن أولى مقتضياتها التي يثاب فاعلها ويُعاقب تاركها – البراءة من أهل البدع والأهواء، ومعاداتهم وزجرهم بالهجر ونحوه، على التأبيد حتى يفيئوا، وهذا معقود في كتب اعتقاد أهل السنة والجماعة"، وينظر مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٩، ٢١٠، تفسير القرطبي وتفسير الشوكاني للآية ١٤٠ من النساء، والآية ٦٨ من الأنعام، والآية ١٥٣ من الأنعام أيضًا، والآية ١٣٣ من هود، والآية ٢٢ من المجادلة، موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للرحيلي ص٥٢٩-٥٦٤، وينظر كلام الشيخ ابن عثيمين الذي سيأتي قريبًا. "١" قال البغوي في شرح السنة باب مجانبة أهل الأهواء ١/٢٢٦، ٢٢٧ بعد ذكره لحديث كعب بن مالك: "هذا حديث صحيح، وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة علىهذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم". ونقل في الآداب الشرعية ١/٢٣٢ عن القاضي أبي يعلى حكايته إجماع الصحابة والتابعين على
[ ٥٤٧ ]
_________________
(١) عدم مجالسة المبتدعة،وحكى نحوه الصابوني في عقيدته ١/١٣٢ وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ كما في الدرر السنية ٨/٤٣٩، ٤٤٠: "مواكلة الرافضي والانبساط معه وتقديمه في المجالس والسلام عليه لا يجوز؛ لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين.. وقال الحسن: لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك، وقال النخعي: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم؛ فانظر رحمك الله: إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم. فكيف بالرافضة: الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غيرالله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم، ومواكلتهم، والسلام عليهم – والحالة هذه – من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين". وقال شيخنا محمد بن عثمين في شرح لمعة الاعتقاد ص١٥٩، ١٦٠: "وهجران أهل البدع واجب.. لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك.. ومن هجر أهل البدع ترك النظر في كتبهم خوفًا من الفتنة بها أو ترويجها بين الناس، فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب، لقوله ﷺ في الدجال: " من سمع به فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات "، لكن إن كان الغرض
[ ٥٤٨ ]
أما من لم يكن من العلماء فلا يجوز له مجالسة المبتدع، ولا أن يسمع كلامه، ولا أن يجادله، ولا أن يقرأ ما يكتبه، لئلا يقع في قلبه شيء من بدعته، ولئلا يؤثر عليه بما يثيره من الشبهات بين الحين والآخر"١".
_________________
(١) من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلا بأس بذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به، وكان قادرًا من الرد عليهم". "١" روى ابن بطة ٢/٤٣٨، والآجري ص٦١، ٦٢ عن ابن عباس وأبي قلابة والملائي أنهم قالوا: "لا تجالسوا أهل الأهواء، فإنهم يمرضون القلوب". وروى الدارمي في سننه باب اجتناب أهل الأهواء، وابن وضاح في باب النهي عن الجلوس مع أهل البدع، واللالكائي في باب ما روي في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والمكالمة معهم، وابن بطة في التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب، والبيهقي في الاعتقاد باب النهي عن مجالسة أهل البدع ومكالمتهم عن جماعة من السلف التحذير من مجالسة المبتدعة وسماع كلامهم وأن ذلك من أسباب ضلال من يجالسهم أو وقوع بعض شبههم في قلبه. وقال المروذي كما في الآداب الشرعية ١/٢٥٦ لأحمد بن حنبل: أيُستعان باليهودي والنصراني وهما مشركان ولا يستعان بالجهمي؟ فقال: يا بني، يغتر بهم المسلمون، وأولئك لا يغتر بهم المسلمون. ونقل في الآداب ١/٢٣٧ أيضًا عن أحمد قال: "يجب هجر من كفر أو فسق ببدعة، أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسِّقة على من عجز عن الرد عليه أو خاف الاغترار به والتأذي، دون غيره". وقال ابن قدامة كما في الآداب ١/٢٣٢: "كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم". وينظر إتحاف الإخوان ص٦٤
[ ٥٤٩ ]
أما السلام على المبتدع والرد عليه إذا سلم فهو جائز، لكن يستحب ترك السلام عليه، وترك إجابة سلامِه إذا كان في ذلك مصلحة، كأن يكون ذلك سببًا في تركه لها، أو ليَعْلَم من حوله قبح عمله وعقيدته، ليحذره العامة، ونحو ذلك"١".
_________________
(١) ٧٧، هجر المبتدع، موقف أهل السنة من أهل الأهواء ٢/٥٢٩-٥٦٣، الهجر ص١٦٢-١٨٦. "١" روى ابن القاسم كما في المدونة ١/٨٤ عن الإمام مالك قال: "لا ينكح أهل البدع ولا ينكح إليهم، ولا يسلم عليهم، ولا يصلى خلفهم"، وروى الخلاّل في السنة باب ذكر الروافض ١/٤٩٣، ٤٩٤ أن رجلًا سأل الإمام أحمد عن جار له رافضي هل يسلم عليه؟ قال: لا، وإذا سلَّم عليه لا يرد عليه. وسنده صحيح. وروى ابن هانئ في مسائله باب السنة ٢/١٥٣ أن رجلًا من الشاكَّة في خلق القرآن سلَّم على الإمام أحمد فلم يرد عليه، فأعاد عليه، فدفعه الإمام أحمد، ولم يسلم عليه. وروى العقيلي في الضعفاء ١/١٧٩ عن الأوزاعي أنه لقيه ثور الكلاعي فمدّ ثورٌ يده إليه، فأبى الأوزاعي أن يمد يده إليه، وقال: يا ثور إنه لو كانت الدنيا كانت المقاربة، ولكنه الدين، يقول: لأنه كان قدريًا. وقال الشاطبي في الاعتصام ١/٢٢٩ عند ذكره لأحكام أهل البدع: "الثاني: الهجران وترك الكلام والسلام، حسبما تقدم عن جملة من السلف في هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر من قصة صبيغ العراقي". وقصة صبيغ رواها الدارمي "١٥٠" وابن بطة "٣٣٠" بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، فهو حسن لغيره، وكان يسأل عن المتشابهات، وفيها أن عمر نهى المسلمين عن مجالسته.
[ ٥٥٠ ]
والقسم الثاني من المبتدعة: من كانت بدعته مكفرة، كغلاة الصوفية الذين يدعون الأموات والمشايخ، وكغلاة الرافضة"الشيعة الإمامية" الذين يزعمون أن القرآن محرف أو بعضه غير موجود أو يستغيثون بالمخلوقين، فهؤلاء إذا أُقيمت عليهم الحجة وحكم بكفرهم فحكمهم في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي تفصيله في المبحث الآتي – إن شاء الله تعالى -
والقسم الثالث: من كان يخفي بدعته ولا يدعو إليها ولا يحسِّن شيئًا من ضلالاتها ولا يمدح أهلها ولا يثير بعض الشبه التي تؤيدها فهو كالعاصي المخفي لمعصيته، يجالس ويسلم عليه، ولا يهجر"١".
_________________
(١) وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح لمعة الاعتقاد ص١٥٩: "المراد بهجران أهل البدع: الابتعاد عنهم، وترك محبتهم وموالاتهم والسلام عليهم وزيارتهم وعيادتهم ونحو ذلك". وينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ٢/٥١١-٥٢٨. "١" روى الفضل عن الإمام أحمد كما في الآداب الشرعية ١/٢٢٩ أنه قال: إذا عرفت من أحد نفاقًا فلا تكلمه. قال الفضل: قلت: كيف يصنع بأهل الأهواء؟ قال: أما الجهمية والرافضة فلا. قيل له: فالمرجئة؟ قال: هؤلاء أسهل؛ إلا المخاصم منهم فلا تكلمه ". وينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/١٧٤، ١٧٥، الآداب الشرعية ١/٢٣٢-٢٣٤، موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ٢/٥٥٤.
[ ٥٥١ ]
والبراء في اللغة: التباعد عن الشيء ومفارقته، والتخلص منه، يقال: تبرأت من كذا، فأنا منه براء، وبريء منه"١".
وفي الاصطلاح: بغض أعداء الله من المنافقين وعموم الكفار، وعداوتهم، والبعد عنهم، وجهاد الحربيين منهم بحسب القدرة"٢".
وحكم الولاء والبراء أنهما واجبان، وهما أصل عظيم من أصول الإيمان.
فقد وردت أدلة كثيرة جدًا تدل على وجوب موالاة المؤمنين ووجوب البراء من جميع الكافرين من يهود ونصارى وبوذيين وعباد أصنام ومنافقين وغيرهم، وعلى تحريم موالاتهم، حتى قال بعض أهل العلم: "أما معاداة الكفار والمشركين: فاعلم أن الله ﷾
_________________
(١) "١" ينظر معجم مقاييس اللغة، وأساس البلاغة، ولسان العرب "مادة برأ"، الفائق ١/١٠٠. "٢" قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في الفتاوى السعدية: المسألة ٣٣، ص١١١: "كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية فإنه تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك فإنه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة". وتنظر: مراجع تعريف الولاء في الاصطلاح، وينظر تفسير الآية ٤ من الممتحنة في تفسير ابن كثير وتفسير السعدي، وينظر: بدائع الفوائد: الاستثناء ٣/٦٩، وسيأتي في المبحث الثالث بيان المراد بالمحاربين – إن شاء الله تعالى-.
[ ٥٥٢ ]
قد أوجب ذلك وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده""١" ولهذا قال النبي ﷺ: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله " "٢".
ومن وأوضح الأدلة على وجوب الولاء للمؤمنين قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١] ومن أوضح الأدلة على وجوب البراء من الكافرين وتحريم موالاتهم قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا
_________________
(١) "١" سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك للشيخ حمد بن علي بن عتيق "مطبوع ضمن مجموعة التوحيد ١/٣١٩". "٢" رواه الطبراني "١٠٣٥٧" بإسناد قريب من الحسن. وله شاهد رواه أحمد "٤/٢٨٦ وفيه ضعف، وله شواهد أخرى تنظر في مجمع الزوائد في الإيمان ١/٨٩، ٩٠، وفي السلسلة الصحيحة "٩٩٨"، فالحديث حسن بشواهده.
[ ٥٥٣ ]
أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقد أجمع أهل العلم على وجوب الولاء للمؤمنين وعلى تحريم الولاء للكافرين"١".
_________________
(١) "١" الفتاوى السعدية ص١١١، القول المبين في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين للشيخ محمد حسنين مخلوف شيخ الأزهر سابقًا ص١١٠.
[ ٥٥٤ ]