الفصل الثاني: توحيد الألوهية
تمهيد:
توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة (١) .
ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ"توحيد الألوهية"، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ"توحيد العبادة"، و"توحيدة العبودية"و"توحيد الله بأفعال العباد"، و"توحيد العمل"، و"توحيد القصد"، و"توحيد الإرادة والطلب"، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى (٢) .
وهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،
_________________
(١) تطهير الاعتقاد للصنعاني: الأصل الثالث ص١٣، الدرر السنية ٢/٢٩١، وينظر شرح الطحاوية ص٢٤.
(٢) شرح الطحاوية ص٢٤، مجموعة التوحيد ١/٦، الدرر السنية ٢/٢٥٠، ٣٠٤، تيسير العزيز الحميد ص٢٢، القول السديد ص١٩، القواعد الحسان ص١٩٢، الحق الواضح المبين ص٥٧، القول المفيد ١/٩.
[ ٥٣ ]
وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام (١)، وهو يتضمن أنواع التوحيد.
فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات (٢)، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون
_________________
(١) شرح الطحاوية ص٢١، ٢٤، ٢٩، تطهير الاعتقاد للصنعاني ص٢٠، تيسير العزيز الحميد ص٢٠، ٢١، الدر النضيد للشوكاني ص٦٥، قرة عيون الموحدين لعبد الرحمن بن حسن ص٤، معارج القبول ٢/٤٠٢- ٤١٠.
(٢) شرح الطحاوية ص٢٩، ٣٢، ٤١، تيسير العزيز الحميد ص٢٣، قرة عيون الموحدين ص٥.
[ ٥٤ ]
الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه.
قال العلامه المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني:"اعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، ولذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠] أي لنفرده بالعبادة، ونخصه بها من دون آلهتنا؟ .. فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا له أندادًا" (١) .
وهذا التوحيد - توحيد الألوهية - تشتمله وتدل عليه كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله".
وسأتكلم على هذا النوع من أنواع التوحيد في مبحثين:
المبحث الأول: شهادة"لا إله إلا الله": معناها - شروطها - أركانها - نواقضها.
المبحث الثاني: العباده: تعريفها - أنواعها - شروطها - أركانها.
_________________
(١) تطهير الاعتقاد ص١٢، ٢٠، وينظر قرة عيون الموحدين ص٤.
[ ٥٥ ]