الفصل الأول: الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر
لما كان الشرك الأكبر أعظم ذنب عُصي اللهُ به؛ حرَّم الله ورسوله ﷺ كل قول أو فعل يؤدي إليه، أو يكون سببًا في وقوع المسلم فيه.
فالرسول ﷺ كان حريصًا على هداية أمته، وسلامتها من كل ما يكون سببًا في هلاكها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨] .
وقال أبو ذر ﵁: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله ﷺ:" ما بقي شيء يقرّب من الجنة ويباعد من النار إلا بين لكم ""١".
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا
_________________
(١) "١" رواه الطبراني في الكبير "١٦٤٧" بإسناد حسن، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "الأجل في القرض" ص٦٢،٦٣.
[ ٢٧٣ ]
آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحّمون فيها " رواه البخاري ومسلم"١".
فالرسول ﷺ حمى جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه حماية محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار على الدرب وصل؛ ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من السيء إلى الأسوأ شيئًا فشيئًا حتى يخرجه من دائرة الإسلام بالكلية – إن استطاع إلى ذلك سبيلًا – فمن انقاد له واتبع خطواته خسر الدنيا والآخرة.
ولذلك لما عصى كثيرٌ من المسلمين نبيَّهم محمد بن عبد الله ﷺ بفعل بعض الأمور التي نهاهم عنها وحذرهم منها، واتبعوا خطوات الشيطان الذي زين لهم الباطل ودعاهم إليه حتى ظنوا أنهم على الحق مع مخالفتهم ومعصيتهم الصريحة للنبي ﷺ أدى بهم ذلك إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة.
وسأبيِّن – إن شاء الله – ثلاثًا من أهم الوسائل التي توصل إلى الشرك
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي "٦٤٨٣"، وصحيح مسلم: الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم "٢٢٨٤" من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث جابر، رواه مسلم "٢٢٨٥".
[ ٢٧٤ ]
وتوقع المسلم فيه، والتي حذر منها نبينا محمد ﷺ، في المباحث الآتية:
[ ٢٧٥ ]