فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ١ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟
فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ ربه ودينه ونبيه محمد ﷺ.
_________________
(١) "١"هذه الأصول الثلاثة تجمع الدين كله من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهي التي يسأل عنها العبد في قبره.
[ ٣٨ ]
فَإِذَا قِيلَ لَكَ ١ مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ٢: رَبِّيَ الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ. وَالدَّلِيلُ"٣" قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾ وكل من
ــ
١. فإذا سأل سائل فقال: مَنْ رَبُّكَ؟
٢. فَقُلْ رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وربى جميع العالمين بنعمته. وهو معبودي ليس لي معبود سواه. هذا رب الجميع كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾ ١.
والعالمون جميع المخلوقات كلهم عالمون - الجن والإنس والبهائم والجبال والأشجارـ كلها عالم. قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، فهو رب الجميع له الخلق وله الأمر وهو المستحق بأن يعبد ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ٣ الآية.. وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ.
٣. وَالدَّلِيلُ قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾ ٤ يعني الثناء كله لله والعبادة من الثناء ومن الحمد.
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة، أية: ٢. ٢ سورة الأعراف، آية: ٥٤. ٣ سورة البقرة، آية: ٢١. ٤ سورة الفاتحة، جزء من آية: ٢.
[ ٣٩ ]
سِوَى اللهِ ١ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ٢ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ "٣": بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ، فَقُلْ"٤": بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته
ــ
وكل ما سوى الله عالم، من الجن والإنس والحيوانات والجبال كلها عوالم.
وأنا واحد من ذلك العالم الذي خلقه الله وأوجده وأوجب عليه طاعته. فعلى جميع العالمين من المكلفين من الجن والإنس أن يطيعوا الله ورسوله ويوحدوه جل وعلا. وهكذا الملائكة عليهم أن يعبدوا الله وحده، ولهذا قال تعالى عن الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ "٢٧" ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٢..
إذا قيل لك أيها المسلم بم عرفت ربك الذي أنت تعبده؟.
فقل عرفته بآياته ومخلوقاته –أي بآياته الكثيرة، وبمخلوقاته العظيمة، التي تدل على أنه الرب العظيم، وأنه الخلاق العليم، وأنه المستحق لأن يعبد، وأنه الذي يخلق ما يشاء، ويعطى ويمنع، وينفع ويضر، بيده كل شيء ﷾. فهو المستحق بأن نعبده بطاعته ودعائه واستغاثته وسائر أعمالنا وعباداتنا؛ لأن الله خلقنا لهذا.
_________________
(١) ١ سورة التحريم آية:٦. ٢ سورة الأنبياء، الآيتان:٢٧- ٢٨.
[ ٤٠ ]
السموات السبع والأرضون السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
ــ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وهذه العبادة هي توحيده، وطاعته، واتباع شريعته، وتعظيم أمره ونهيه قولًا وعملًا.
"١" ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ كل هذه تدل على أنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم. يأتي الليل بظلامه، ويذهب النهار بضيائه، ثم يجيء النهار، ويذهب الليل، وهذه الشمس تطلع على الناس في الدنيا كلها، وينتفعون بها، وهذا القمر كذلك وغير هذه من الآيات العظيمة، كالأرض
وما فيها من جبال وأنهار وبحار وأشجار وحيوانات. وهذه السموات التي يراها الناس، كلها من آياته الدالة على عظمته وأنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم وأنه المستحق للعبادة ولهذا قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢،يعني لا تعبدوا
_________________
(١) ١ سورة الذاريات،آية:٥٦. ٢ سورة فصلت،آية:٣٧.
[ ٤١ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى١: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
ــ
هذه المخلوقات، بل اعبدوا الذي خلقها وأوجدها ﷾، فهو المستحق بأن يذل له العبد ويخضع له، ويطيع أوامره وينتهي عن نواهيه ﷾؛ تعظيمًا وتقدسيًا له؛ وخوفا منه؛ ورغبة فيما عنده. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ ١يعني إن ربكم أيها العباد من الجن والإنس هو الله. وربكم يعني خالقكم، وهو معبودكم الحق وحده لا شريك له: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. أي ثم ارتفع على العرش، وعلا فوقه ﷾. فعلمه في كل مكان وهو فوق العرش. فوق جميع المخلوقات. والعرش سقف المخلوقات وهو أعلى المخلوقات، والله فوقه جل وعلا. استوى عليه استواءً يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٤.
وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ٥، أي يغطي هذا بهذا.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، آية: ٥٤. ٢ سورة الأعراف، آية:٥٤. ٣ سورة الشورى، آية: ١١. ٤ سورة الإخلاص، آية: ٤. ٥ سورة الأعراف، آية: ٥٤.
[ ٤٢ ]
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .
ــ
وهذا بهذا. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ . أي سريعًا وكل واحد يطلب الآخر.
إذا انتهى هذا دخل هذا. وهكذا.. حتى تقوم الساعة.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ١، أي وخلق الشمس والقمر والنجوم، خلقها مسخرات بأمره، ومطيعات مذللات لأمره سبحانه.
ثم قال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٢، فالخلق له والأمر له هو الخلاق الذي لا يخالف أمره الكوني الذي هو نافذ في الناس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ٤ فأمر الله الكوني القدري لا راد له ولهذا قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
﴿فتبارك﴾ يعني بلغ في البركة النهاية، وهي لاتصلح إلا لله
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، آية:٥٤. ٢ سورة الأعراف، آية: ٥٤. ٣ سورة يس، آية: ٨٢. ٤ سورة القمر، آية: ٥٥. ٥ سورة الأعراف، آية: ٥٤،
[ ٤٣ ]
وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ١. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ٢: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
ــ
فلا يقال للعبد تباركت يا فلان. هذا لا يصلح. وإنما هو خاص بالله كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ١، وإنما يقال للمخلوق بارك الله في. فلان. أو فلان مبارك، أما تباركت فإنها لا تصلح إلا لله وحده.
١. والرب هو المعبود "والعالمين" المخلوقات كلها من الجن والإنس والسماء والأرض، وهو ربها ﷾، وهو رب الجميع، وخالق الجميع، وخالق الجميع جل وعلا.
٢. قال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢ خلق الجميع الذين قبلنا، والذين بعدنا من آدم وما قبله وما بعده. ثم قال سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ ٣ الآية فهو خلق الجميع ليتقوه ويعبدوه كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤ ثم بين سبحانه بعض أفعاله فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ ٥، فجعل الأرض فراشًا للناس، ومهادًا لهم. عليها يسكنون، وعليها يبنون، وعليها ينامون. وعليها يمشون، وأرساها بالجبال، ثم
_________________
(١) ١ سورة الملك، جزء من آية: ١. ٢ سورة البقرة، آية: ٢١. ٣ سورة البقرة، آية: ٢٢. ٤ سورة البقرة، آية: ٢٢. ٥ سورة البقرة، آية: ٢٢.
[ ٤٤ ]
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ١ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - الخَالِقُ لهذه الأشياء هو
ــ
قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ ١ فجعلها بناءً وسقفًا محفوظًا وهم عن آياتها معرضون. وزينها بالنجوم والشمس والقمر ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي من السحاب: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أنواع الأرزاق في كل مكان ويحي الله به الأرض بعد موتها ثم قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢ أي أشباهًا ونظراء تعبدونها معه. لا صنمًا ولا جنًا ولاملكًا ولا غير ذلك. فالعبادة حق الله وحده. ليس له نديد ولا نظير ولا مثيل. بل هو الإله الحق وكان المشركون يتخذون له الأنداد والنظائر والأمثال من الأصنام والجن والملائكة ويعبدونهم من دون الله. ويستغيثون بهم فأنكر الله عليهم ذلك وبين أن هذه المخلوقات ليس لها حق في العبادة ولا قدرة لها على شيء إلا بإذنه سبحانه وتقديره.
"١" قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: الخالق لهذه الأشياء من سماء وأرض وثمار وأشجار ومطر وغير ذلك هو المستحق للعبادة ﷾، وأن يطاع؛ لأنه رب الجميع، وخالق الجميع، كما
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية: ٢١. ٢ سورة البقرة، آية: ٢٢.
[ ٤٥ ]
الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ. وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ١ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بها، مثل الإسلام
ــ
قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
١. العبادة أنواع: فمنها الإسلام بأركانه. فكل ما أمر الله به من أعمال الإسلام عبادة، من صلاة وصوم وغير ذلك، وهكذا الإيمان بأعماله الباطنة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، وكذلك الخوف والمحبة والرجاء إلى غير ذلك. فكل ما يتعلق بالقلوب داخل في العبادة بل هو أعلى أنواع العبادة وأعظمها. فالواجب على كل مكلف إخلاص العبادة لله وحده. فلا يدعو مع الله الأنبياء ولا الأولياء ولا الأصنام ولا الأشجار ولا الأحجار ولا النجوم لأن العبادة حق لله وحده. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤. وقال ﷾: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥.
وقال ﷿: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية: ١٦٣. ٢ سورة الجن، آية: ١٨. ٣ سورة الفاتحة، آية: ٥. ٤ سورة يونس، آية: ١٠٦. ٥ سورة المؤمنون، آية: ١١٧.
[ ٤٦ ]
وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ١. وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ،
ــ
دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١ فسمى سبحانه دعاءهم شركا. فالواجب على جميع المكلفين إخلاص العبادة لله وحده، رجاء وخوفا واستعانة واستغاثة وذبحا ونذرا وخشية لله وصلاة وصوما إلى غير ذلك، كله لله وحده فمن تقرب لغير الله من ولي أو نبي أو صنم أو شجر أو حجر بالدعاء أو بالذبح أو بالنذر أو بالصلاة أو بالصوم ونحو ذلك، فهو مشرك كافر أشرك بالله وعبد معه سواه، كفعل المشركين الأولين: من عباد القبور وعباد الأشجار والأحجار والأصنام، ولهذا قال ﷿: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣.
وقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ٦٥بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٤.
١. فكل هذه العبادات يجب إخلاصها لله. ومن صرف منها شيئًا لغير الله من صنم أو شجر أو حجر أو قبر فهو مشرك بالله.
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآيتان: ١٣ - ١٤. ٢ سورة الأنعام، آية: ٨٨. ٣ سورة المائدة، آية: ٧٢. ٤ سورة الزمر، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.
[ ٤٧ ]
وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ،
وَالاسْتِعَاذَةُ، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا، كُلُّهَا للهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .
فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ١: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . وفي الحديث:" الدعاء مُخّ
ــ
١. لقوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . ولغيرها من الآيات السابقات. وهذا دليل على ما تقدم.
٢. وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة "، وفي لفظ آخر "الدعاء هو العبادة، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
_________________
(١) ١.سورة المؤمنون، آية: ١١٧. ٢. رواه الترمذي ٥/٤٢٥ في كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء ببرقم ٣٣٧١ من حديث أنس والحديث فيه ابن لهيعة وهو ضعيف إلا أن هذا الحديث يشهد له ما بعده. ٣. رواه أحمد ٤/٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦. ورواه أبو داود ٢/١٦١ في كتاب الصلاة باب الدعاء برقم ١٤٧٩. ورواه الترمذي ٥/٤٢٦ في كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء برقم ٣٣٧٢. وأخرجه أيضًا ٥/٤٢٦ في كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء برقم ٣٣٧٢. وأخرجه النسائي في الكبرى ٩/٣ تحفة الأشراف للمزي. ورواه ابن ماجه ٢/١٢٥٨ في كتاب الدعاء باب فضل الدعاء برقم ٣٨٢٨ من حديث النعمان بن بشير والحديث صحيح. فقد صححه الحافظ بن حجر انظر الفتح ١/٦٤ =
[ ٤٨ ]
الْعِبَادَةِ". وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
ــ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١، فسمى الدعاء عبادة في قوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يعني عن دعائي. فالدعاء هو أن يضرع إلى الله يدعوه، ويسأله النجاة، ويسأله الرزق، كل هذا عبادة، فإذا صرفها للصنم أو للشجر أو للحجر أو لميت، صار مشركا بالله ﷿ فيجب الحذر من الشرك كله، دقيقه وجليله، وأن تكون العبادة لله وحده، لكن دعاء الحي الحاضر القادر، والاستعانة به في الشيء المقدور عليه، لا بأس به ولا يعتبر داخلا في الشرك فلو قلت لأخيك الحاضر يا عبد الله أعني على قطع هذه الشجرة أو على حفر هذه البئر فلا بأس بذلك كما قال سبحانه في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢ الآية.
استغاثة الإسرائيلي على القطبي؛ لأن موسى قادر على إغاثته. يتكلم ويسمع. أما إذا اعتمد على المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله حاضرًا أو غائبًا أو ميتا، واعتقد أنه ينفع من دعاه أو يضر لا بالأسباب الحسية من الشرك بالله. كما قال تعالى عنهم أنهم قالوا:
_________________
(١) حيث فال: أخرجه أصحاب السنن بسند جيد. ١ سورة غافر، آية: ٦٠. ٢ سورة القصص، آية: ١٥.
[ ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. فيظنون أنهم يستطيعون بعبادتهم إياهم أن يشفعوا لهم عند الله في حصول مطالبهم أو أنهم يقربونهم إلى الله زلفى.
كما قال الله سبحانه عنهم في الآية الأخرى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
وهذا من جهلهم وضلالهم بالشافع والمشفوع إليه. والله سبحانه له الشفاعة جمعيًا، وهو الذي يتصرف في عباده كيف يشاء، فلا يأذن بالشفاعة إلا فيمن يرضى الله عمله. ولا يشفع أحد عنده إلا بعد إذنه. كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٤، فالشفاعة لا تكون إلا بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع فيه. وهو سبحانه لا يرضى بالشفاعة إلا لأهل التوحيد، كما صح عنه ﷺ أنه قال: " لما سأله أبو هريرة قائلًا: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ . قال: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه " ٥، أخرجه
_________________
(١) ١ سورة يونس، آية: ١٨. ٢ سورة الزمر، آية: ٣ ٣ سورة البقرة، آية: ٢٥٥. ٤ سورة الأنبياء، آية: ٢٨. ٥ رواه البخاري ١/٢٣٣ في كتاب العلم باب الحرص على الحديث برقم ٩٩ ورواه أيضا في ١١/٤٢٦ في كتاب الرقائق "باب صفة الجنة والنار " برقم ٦٥٧٠ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٠ ]
وَدَلِيلُ الْخَوْفِ ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ــ
البخاري في صحيحه. ولا تكون الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله من أهل التوحيد والإيمان.
١. ومن ذلك الخوف وهو أقسام ثلاثة:ـ
الأول: خوف السر وهذا خاص بالله لأنه القادر على كل شيء وهو الذي يخاف ويخشي.
كما قال تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾ ٣.
فالواجب خشية الله وخوفه؛ لأنه مصرف القلوب ومقلبها والقادر على كل شيء، وهو الذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع، فالواجب تخصيصه بالخوف وألا يخاف هذا الخوف إلا الله في كل الأمور. ولكن خوف السر يختص به سبحانه وهو كون الإنسان يخاف من أجل قدرة خاصة سرية ليست حسب الحس. ولذلك يعتقد عباد القبور أن بعض الناس له القدرة على التصرف في الكون
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، آية: ١٧٥. ٢ سورة التوبة، آية: ١٨. ٣ سورة المائدة، آية: ٤٤.
[ ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مع الله جل وعلا. ويعتقدون ذلك أيضًا في الأصنام والجن وغيرها، وهذا هو الشرك الأكبر. ويعتقد فيهم أيضًا أن لهم القدرة على العطاء والمنع، وزيغ القلوب، وموت النفوس دون أسباب حسية.
الثاني: خوف الأسباب الحسية كما قال تعالى في قصة أحد لما قيل للنبي ﷺ إن المشركين قد جمعوا لكم وسيرجعون إليكم فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، فالشيطان يخوف الناس من أوليائه، ويعظمهم في صدور الناس حتى يخافوهم، والله يقول: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾، بل اعتمدوا عليَّ، وأعدوا العدة ولا تبالوا بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٢. وهذا الخوف الحسي لا بأس به لكن الخوف القلبي خوف السر هذا هو المنهي عنه أما الخوف الحسي، مثل أن يخاف من اللص أو السارق أو العدو، فيعد العدة من السلاح اللازم كل هذا لابد منه ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ٣ وقال سبحانه في قصة موسى لما خرج من مصر خائفًا من فرعون وقومه: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٤ فإن هذا الخوف خوف حسي لا بأس به لكن لا يجوز
_________________
(١) ١ سورة آل عمرن، آية: ١٧٥. ٢ سورة الأنفال، آية: ٦٠. ٣ سورة النساء، آية: ٧١. ٤ سورة القصص، آية: ٢١.
[ ٥٢ ]
ودليل الرجاء١ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
ــ
خوف العدو خوفا يمنع من جهاده، ونصر الحق، وإنما يحمله هذا الخوف على الإعداد للعدو وأخذ الحذر.
الثالث: الخوف الطبيعي الذي جبل عليه الإنسان وهذا لا حرج فيه مثل خوف الإنسان الحية والعقرب والسبع، فيتباعد عنها ويقتلها ويتباعد عن مظنة السباع حتى لا يتأذى بها. هذا أمر لابد منه والله جبل الناس على الخوف مما يؤذي حتى يتحرز منه يخاف البرد فيلبس الثياب الغليظة، ويخاف من الجوع فيأكل، ويخاف العطش فيشرب. هذه أمور طبيعية لا بأس بها.
١. وهكذا الرجاء عبادة لله فيرجو الله ويحسن به الظن كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١
فالرغبة إليه، ورجاء ما عنده، عبادة له ﷾: قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٢ فالرغب: الرجاء. والرهب: الخوف. وكلاهما عبادة. وعلى العبد أن يحسن ظنه بربه، ويعمل بالأسباب الشرعية. وإن الظن الحسن مع الأخذ بالأسباب يعود على العبد بالخير، وبالرحمة، وبدخول الجنة، وبمغفرة الذنوب.
_________________
(١) ١ سورة الكهف. آية: ١١٠. ٢ سورة الأنبياء، آية: ٩٠.
[ ٥٣ ]
َودَلِيلُ التَّوَكُلِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .
وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية.
ــ
١. وهكذا التوكل عبادة. وهو التفويض إلى الله، والاعتماد عليه في كل الأمور مع الأخذ بالأسباب. فتعتمد على الله في السلامة من الشر، والعافية من الفتن، وحصول الرزق، وفي دخول الجنة، والنجاة من النار، مع الأخذ بالأسباب المشروعة قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢، يعني كافيه.
٢. وهكذا الرغبة والرهبة والخشية من الله كل هذه عبادات. قال تعالى: عن الأنبياء والصالحين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣ يعني خائفين يخشون الله، ويخشعون لعظمته أي يذلون.
_________________
(١) ١سورة المائدة، آية: ٢٣. ٢ سورة الطلاق، آية: ٣. ٣ سورة الأنبياء، آية: ٩٠.
[ ٥٤ ]
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية.
وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ٢ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي الحديث: "إذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ ".
وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ"٣" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وقوله
ــ
"١" وهكذا الإنابة عبادة: قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ١، والإنابة معناها: الرجوع إلى الله، والتوبة إليه، والاستقامة على طاعته، فهذه عبادة لله. يجب على الإنسان أن ينيبوا إلى الله، ويرجعوا إليه، ويتوبوا إليه، ويستقيموا على طاعته.
"٢" وهكذا الاستعانة عبادة كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢ وفي الحديث "إذا استعنت فاستعن بالله" ٣. فيستعين العبد بالله فتقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك. اللهم أعني على طاعتك. اللهم أعني على كل خير، إلى غير هذا تستعين بالله في كل المهمات.
"٣" وهكذا الاستعاذة عبادة: أن تستعيذ بالله من الشرور، وتلجأ إليه،
_________________
(١) ١ سورة الزمر، آية: ٥٤. ٢ سورة الفاتحة، آية: ٥. ٣ رواه أحمد، ١/٣٠٧. ورواه الترمذي ٤/٥٧٦ في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع باب ٥٩ برقم ٢٥١٦، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٥٥ ]
تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ .
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية.
ودليل الذبح٢ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله".
ــ
كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ١، وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ٢، فالاستعاذة بالله من الشيطان، ومن كل مؤذ، ومن كل عدو، أمر مأمور به، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ٣.
"١" وهكذا الاستغاثة عبادة أن تستغيث بالله في الشدائد من عدد، أو تطلبه إنزال الغيث المبارك، أو بكشف الضر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٤.
"٢" وهكذا الذبح عبادة: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ أي ذبحي: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الفلق، آية: ١. ٢ سورة الناس، آية: ١. ٣ سورة الأعراف، آية: ٢٠٠. ٤ سورة الأنفال، آية: ٩. ٥ سورة الأنعام، آية: ١٦٢.
[ ٥٦ ]
وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾
ــ
وهكذا النذر عبادة قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٢، الآية وقال ﷺ: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ٣. فالنذر عبادة وطاعة لله. فإذا فعل الإنسان لزمه الوفاء، والنذر مكروه؛ لأن فيه التزاما؛ وفيه مشقة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: "إن النذر لا يأتي بخير" ٤، ولكن إذا نذر طاعة لزمه الوفاء. لقول الرسول ﷺ "من نذر أن يطيع الله فليطعه". فإذا نذر عبادة من صلاة أو صوم أو غيرهما لزمه الوفاء لما تقدم.
_________________
(١) ١ سورة الإنسان، آية: ٧. ٢ سورة البقرة، آية: ٢٧٠. ٣ البخاري ١١/٥٨٩ في كتاب الأيمان والنذر "باب النذر في الطاعة " برقم ٦٦٩٦ وفي ١١/٥٩٤ في باب النذر فيما لا يملك وفي معصية برقم ٧٦٠٠ من حديث عائشة ﵄. ٤ رواه البخاري ١١/٥٠٨ في كتاب القدر "باب القاء العبد النذر إلى القدر " برقم ٦٦٠٨. ورواه أيضًا في ١١/٥٨٤ في كتاب الأيمان والنذر "باب الوفاء بالنذر " برقم ٦٦٩٣. ورواه مسلم ١١/٩٨ في كتاب النذر من حديث ابن عمر ﵄ واللفظ لمسلم.
[ ٥٧ ]