الخمسة التي هي: الشهادتان، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بيت الله الحرام، لا يجوز لمسلم أن يجهلها بل لا بد أن يتعلمها.
لأن تعلم معنى الشهادتين إنما هو تعلم العقيدة، يتعلم المسلم العقيدة من أجل العمل بها، ويتعلم ما يضادها من أجل أن يتجنبه، هذا مضمون الشهادتين، كذلك يتعلم أركان الصلاة وشروط الصلاة، وواجبات الصلاة، وسنن الصلاة، يتعلم بالتفصيل هذه الأمور، ليس مجرد أنه يصلي وهو لا يعرف أحكام الصلاة. كيف يعمل الإنسان عملا وهو لا يعلم هذا العمل الذي يؤديه؟ كيف يؤدي الصلاة وهو جاهل بأحكامها؟ فلا بد أن يتعلم أحكام الصلاة، ومبطلات الصلاة، لا بد من تعلم هذا.
كذلك يتعلم أحكام الزكاة، ويتعلم أحكام الصيام، ويتعلم أحكام الحج، فإذا أراد أن يحج وَجَبَ عليه تعلم أحكام الحج وأحكام العمرة، من أجل أن يؤدي هذه العبادات على الوجه المشروع.
وهذا القسم لا يعذر أحد بجهله، وهو ما يسمى بالواجب العيني على كل مسلم.
[ ١٧ ]
القسم الثاني من أقسام العلم: فهو ما زاد عن ذلك من الأحكام الشرعية التي تحتاجها الأمة بمجموعها وقد لا يحتاجه كل أحد بعينه مثل أحكام البيع وأحكام المعاملات، وأحكام الأوقاف والمواريث والوصايا، وأحكام الأنكحة، وأحكام الجنايات، هذه لا بد منها للأمة، لكن لا يجب على كل فرد من الأمة أن يتعلمها بل إذا تعلمها من يحصل به المقصود من العلماء كفى هذا؛ ليقوموا بحاجة المسلمين من قضاء وإفتاء وتعليم وغير ذلك، هذا يسمى واجب الكفاية الذي إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثموا جميعا.
لا بد للأمة من أناس يتعلمون هذا القسم لأنهم بحاجة إليه؛ لكن ما يقال لكل واحد: يجب عليك أن تتفقه في هذه الأبواب؛ لأنه قد لا يتأتى هذا لكل أحد، وإنما يختص هذا بأهل القدرة وأهل الاستطاعة من الأمة، ولأنه إذا تعلم هذا بعضُ الأمة قام بالواجب، بخلاف القسم الأول فكل واحد مسؤول عنه في نفسه، لأنه لا يمكن أن يعمل هذه الأعمال إلا عن علم، ولهذا قال الشيخ: يجب علينا، ولم يقل: يجب
[ ١٨ ]
على المسلمين، أو يجب على بعضهم، بل قال: يجب علينا، أي على كل واحد منا وجوبا عينيا.
ولنعلم أيضا قبل الدخول في المسائل أن المراد بالعلم الذي يجب على الأمة إما وجوبا عينيا أو كفائيا أنه العلم الشرعي الذي جاء به الرسول - ﷺ -.
أما العلم الدنيوي كعلم الصناعات والحِرَف والحساب والرياضيات والهندسة، فهذا العلم مباح يباح تعلمه وقد يجب إذا احتاجت الأمة إليه، يجب على من يستطيع لكن ليس هو العلم المقصود في القرآن والسنة والذي أثنى الله تعالى على أهله ومدحهم والذي قال فيه النبي - ﷺ -: «العلماء ورثة الأنبياء» المراد العلم الشرعي.
وأما العلم الدنيوي فمن جهله فلا إثم عليه، ومن تعلمه فهو مباح له، وإذا نفع به الأمة فهو مأجور عليه ومثاب عليه، ولو مات الإنسان وهو يجهل هذا العلم لم يؤاخذ عليه يوم القيامة لكن من مات وهو يجهل العلم الشرعي خصوصا
[ ١٩ ]
العلم الضروري فإنه يسأل عنه يوم القيامة، لِمَ لَمْ تتعلم؟ لماذا لَمْ تسأل؟ الذي يقول إذا وضع في قبره: ربي الله والإسلام ديني ونبيي محمد - ﷺ - هذا ينجو، يقال له: من أين حصَّلت هذا؟ يقول: قرأت كتاب الله وتعلمته.
أما الذي أعرض عن ذلك فإنه إذا سئل في قبره فإنه يقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فهذا يؤجج عليه قبره نارا - والعياذ بالله - ويضيق عليه فيه حتى تختلف أضلاعه، ويصبح في حفرة من حفر النار؛ لأنه ما درى ولا تلا فيقال له: «لا دريت ولا تليت [أو لا تلوت]» فهو لم يتعلم ولم يَقْتَدِ بأهل العلم، وإنما هو ضائع في حياته، فهذا الذي يؤول إلى الشقاء والعياذ بالله.
فقوله: العلم: هذا هو العلم الشرعي المطلوب منا جماعة وأفرادا، وهو معرفة الله بأسمائه وصفاته، ومعرفة حقه علينا وهو عبادته وحده لا شريك له، فأولُ ما يجب على العبد هو معرفةُ ربه - ﷿ - وكيف يعبده.
[ ٢٠ ]
وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه
_________________
(١) قوله: وهو معرفة الله: كيف يعرف العبد ربه؟ يعرفه بآياته ومخلوقاته فمن آياته الليل والنهار، ومن مخلوقاته الشمس والقمر، كما يأتي بيان هذا إن شاء الله. يعرف الله بآياته الكونية وآياته القرآنية. إذا قرأ القرآن، عرف الله - ﷾ - أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه هو الذي سخر ما في السماوات والأرض، وأنه هو الذي يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأنه الرحمن الرحيم. فالقرآن يعرف بالله - ﷿ -، وأنه هو الذي أنعم علينا بجميع النعم، وأنه هو الذي خلقنا ورزقنا، فإذا قرأت القرآن عرفت ربك - ﷾ - بأسمائه وصفاته وأفعاله. وإذا نظرت في الكون عرفت ربك - ﷾ - أنه هو الذي خلق هذا الخلق، وسخر هذا الكون وأجراه بحكمته وعلمه - ﷾ -، هذا هو العلم بالله - ﷿ -. قوله: ومعرفة نبيه: هو محمد - ﷺ - لأنه هو المبلغ عن الله - ﷿ -، وهو الواسطة بيننا وبين الله - ﷿ - في تبليغ الرسالة، لا بد أن تعرفه، تعرف من هو؟ وتعرف نسبه
[ ٢١ ]
ومعرفة دين الإسلام
_________________
(١) وتعرف بلده، وتعرف ما جاء به - ﷺ -، تعرف كيف بدأه الوحي؟ وكيف قام بالدعوة إلى الله - ﷿ - في مكة والمدينة، تعرف سيرة الرسول - ﷺ - ولو باختصار. الرسول - ﷺ - هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف إلى آخر النسب النبوي الذي ينتهي إلى إبراهيم ﵊، وتعرف كيف عاش قبل البعثة، وكيف جاء الوحي من الله - ﷿ -، وماذا عمل - ﵊ - بعد بعثته، تعرف ذلك بدراسة سيرته - ﷺ - ولا يليق بالمسلم أن يجهل الرسول - ﷺ - كيف تتبع شخصا وأنت لا تعرفه؟ ! هذا غير معقول.
(٢) قوله: معرفة دين الإسلام: الذي هو دين هذا الرسول - ﷺ - بل هو دين الله - ﷿ - الذي أمر به عباده، والذي أمرك باتباعه وأنت مطالب به لا بد أن تعرف هذا الدين والإسلام هو دين جميع الرسل، كل الرسل دينهم الإسلام بالمعنى العام، فكل من اتبع رسولا من الرسل فهو مسلم لله - ﷿ - منقاد له، موحد له، هذا الإسلام بمعناه العام، إنه دين الرسل جميعا، فالإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله.
[ ٢٢ ]
بالأدلة
_________________
(١) أما الإسلام بمعناه الخاص فهو الذي بعث الله به نبيه محمدا - ﷺ - لأنه بعد بعثة الرسول - ﷺ - لا دين إلا دينه - ﵊ -، والإسلام انحصر في اتباعه - ﷺ - فلا يمكن لليهودي أن يقول: أنا مسلم، أو النصراني يقول: أنا مسلم، بعد بعثة النبي - ﷺ - وهو لا يتبعه، فالإسلام بعد بعثة النبي هو اتباعه - ﷺ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] هذا هو الإسلام بمعناه العام وبمعناه الخاص.
(٢) قوله: بالأدلة: لا بالتقليد وإنما بالأدلة من القرآن ومن السنة هذا هو العلم. قال ابن القيم في الكافية الشافية: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين النصوص وبين رأي فلان هذا هو العلم، العلم هو علم الكتاب والسنة، أما أقوال العلماء فهي تشرح وتوضح فقط كلام الله وكلام رسوله - ﷺ -
[ ٢٣ ]
العمل بالعلم
الثانية: العمل به
_________________
(١) وقد يكون فيها أو في بعضهما خطأ، والأدلة ليست كلام العلماء إنما الأدلة هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأما كلام العلماء فهو شارح وموضح ومبين لذلك لا أنه دليل في نفسه. هذه هي المسألة الأولى وهي الأساس، بدأ بها الشيخ - ﵀ - لأنها هي الأساس وإنما يُبدأ بالعقيدة وبالأساس بالتعلم والتعليم والدعوة إلى الله - ﷿ -، يبدأ بالعقيدة لأنها هي الأصل وهي الأساس.
(٢) قوله: العمل به: أي بالعلم لأنه لا يكفي أن الإنسان يعلم ويتعلم بل لا بد أن يعمل بعلمه، فالعلم بدون عمل إنما هو حجة على الإنسان، فلا يكون العلم نافعا إلا بالعمل، أما من عَلِمَ ولم يعمل فهذا مغضوب عليه؛ لأنه عرف الحق وتركه على بصيرة. والناظم يقول: وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن
[ ٢٤ ]