«أم هانئ جاءه جبريل ﵊ ومعه دابة يقال لها: البراق، أقل من البغل وفوق الحمار، ويقع خطوه عند مد بصره، فأركبه ﵇ عليها وذهب به إلى بيت المقدس في الليل» .
أسرى: من السرى وهو السير بالليل، وهذا من خواصه ﷺ ومن معجزاته ﵊، فالتقى هناك مع الأنبياء في بيت المقدس، ثم إنه ﷺ عرج إلى السماء، يعني رفع من بيت المقدس إلى السماء بصحبة جبريل، ومعنى العروج الصعود، فأسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به من بيت المقدس إلى السماء، يعني صعد به جبريل ﵇ ومر بأهل السماوات، كل سماء يستفتح جبريل فيفتح له، ثم انتهى إلى السماء السابعة، ثم صعد فوق السماوات إلى سدرة المنتهى، وعندها كلمه الله ﷿ من وحيه بما شاء، ففرض عليه الصلوات الخمس، فرضها في اليوم والليلة خمسين صلاة، ولكن موسى ﵇ أشار على نبينا محمد ﷺ بأن يسأل ربه التخفيف، فإن أمته لا تطيق خمسين صلاة في اليوم والليلة، فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه يسأله التخفيف حتى انتهت إلى خمس.
[ ٢٥٦ ]
فقال الله ﷿ كما في حديث الإسراء والمعراج: «أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرا» وفي رواية أنس عن أبي ذر فقال: «هي خمس وهي خمسون» أي: خمس في العمل، وخمسون في الميزان.
خمس صلوات في اليوم والليلة تعادل خمسين صلاة في الميزان؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فالصلاة الواحدة عن عشر صلوات، فالإسراء ذُكر أول سورة سبحان، سورة بني إسرائيل، والمعراج ذكر أول سورة النجم. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٨] هذا في المعراج.
ثم إنه نزل من السماء إلى بيت المقدس ثم إنه رجع إلى مكة في ليلته، فلما أصبح وأخبر الناس بذلك، المؤمنون زاد إيمانهم، وأما الكفار فزاد شرهم، وفرحوا بهذا وراحوا يشهرون به، كيف يزعم صاحبكم أنه ذهب إلى بيت المقدس
[ ٢٥٧ ]
ورجع منه في ليلة واحدة، ونحن نضرب أكباد الإبل إليها شهرا ذهابا، وشهرا إيابا، يقيسون قدرة الخالق بقدرة المخلوق، فكان الإسراء والمعراج امتحانا من الله ﷿ للناس. المشركون زاد تندرهم وشرهم وتنقصهم للرسول ﷺ، والمؤمنون زاد إيمانهم.
فلهذا لما قال المشركون لأبي بكر الصديق ﵁: انظر إلى صاحبك ماذا قال؟ قال: وماذا قال؟ قالوا: يزعم أنه ذهب به إلى بيت المقدس وَعُرِجَ به إلى السماء، وإنه جاء في ليلة واحدة. قال أبو بكر الصديق: إن كان قاله فهو كما قال. لقد صدق. قالوا: كيف ذلك؟ قال: أنا أصدقه في ما هو أعظم من ذلك، أنا أصدقه في خبر السماء ينزل عليه فكيف لا أصدقه في الإسراء إلى بيت المقدس. وهذا بقدرة الله ﷿ لا بقدرة الرسول ﷺ إنما هو بقدرة الله ﷿ وهذا من معجزات هذا الرسول ﷺ ومن كرامته عند ربه ﷿.
[ ٢٥٨ ]
ولا بد من الاعتقادات بأنه ﷺ أسري وعرج بروحه وجسمه معًا يقظة لا منامًا، لأن بعض الناس يقولون: أسرى بروحه، وأما جسده فلم يبرح مكة وإنما أسري وعرج بروحه وهذا كلام باطل، بل أنه أسري بروحه وجسده ﵊ وحمل على البراق، وكان ذلك يقظة لا منامًا إذ لو كان بروحه فقط أو كان منامًا فما الفرق بينه وبين الرؤيا، والله جل وعلا يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
فالعبد يطلق على الروح والبدن جميعا لا يطلق على الروح وحدَها أنها عبد، ولا يطلق على البدن وحده أنه عبد، لا يطلق إلا على مجموع الروح والبدن، لم يقل: سبحان الذي أسرى بروح عبده، بل قال: أسرى بعبده، والعبد هو مجموع الروح والبدن، والله جل وعلا لا يعجزه شيء وهو القادر على كل شيء.
قال ﵀: وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثلاث سنين.
وكان يصليها ركعتين ركعتين فلما هاجر النبي ﷺ أتمت الرباعية إلى أربع إلا الفجر فإنها تطول فيها القراءة. فبقيت
[ ٢٥٩ ]
ركعتين كما هي، وإلا المغرب فإنه ثلاث من أول ما فرضت لأنها وتر النهار، أما الظهر والعصر والعشاء وكانت في مكة ركعتين ركعتين فلما هاجر النبي ﷺ أتمت أربع ركعات.
كما في الحديث: «أول ما فرضت الصلاة ركعتين فلما هاجر النبي ﷺ أتمت صلاة الحضر وبقيت صلاة السفر» هذا بإجماع أهل العلم، أن الصلاة فرضت بمكة، وأن النبي ﷺ صلاها بمكة، لكن اختلفوا هل هي فرضت قبل الهجرة بثلاث سنين؟
هذا هو الراجح، كما ذكر الشيخ هنا، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: قبل الهجرة بسنة واحدة، وقيل: بسنة ونصف، لكن الراجح هو ما ذكره الشيخ أنها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهل فرض مع الصلاة شيء آخر من أركان الإسلام؟ هذا محل خلاف بين العلماء، منهم من يرى أن الزكاة فرضت أيضا بمكة وإنما بينت أنصبتها ومقاديرها وأهل الزكاة في المدينة، أما أصل فرضيتها فهو في مكة.
[ ٢٦٠ ]
الهجرة إلى المدينة
وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة.
_________________
(١) والدليل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . والمراد بحقه هنا الزكاة، والسورة مكية كلها، وكذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] . أيضا السورة مكية، والمراد بالحق المعلوم: الزكاة، ففرض أصلها في مكة، لكن بينت تفاصيلها بالمدينة هذا قول. والقول الثاني: وهو الذي يظهر من كلام الشيخ هنا أن الزكاة إنما فرضت في المدينة، ولم يفرض في مكة غير الركن الأول وهو التوحيد، والركن الثاني، وهو الصلاة، هذا ظاهر كلام الشيخ.
(٢) قوله ﵀: وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة: لما اشتد أذى قريش وزاد شرهم بالصد عن سبيل الله ومضايقة المسلمين، وتعذيب من ليس له جماعة تحميه من مستضعفي المسلمين، أذن الله ﷾ للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة، الهجرة الأولى؛ لأن فيها مَلِكًا لا يظلم أحد عنده
[ ٢٦١ ]