والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] .
_________________
(١) انتقل إلى أصل آخر وهو الإيمان بالبعث، أي: أنه ليس المراد موت فقط، نحن علمنا وكل يعلم حتى الكفار والملاحدة والزنادقة، كلهم يعلمون أنه لا بد من الموت، لا أحد ينكر الموت لأنه شيء محسوس، لكن الشأن في البعث بعد الموت، هذا هو محل النزاع بين المؤمنين والكفار، البعث بعد الموت، وهو إعادة الأجسام التي تفتت وصارت رميما وترابا وتفرقت في الأرض، تعاد وتبنى كما كانت؛ لأن القادر على إنشائها أول مرة قادر على إعادتها، ثم تنفخ فيها الأرواح ثم تتحرك وتسير من القبور إلى المحشر لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] . وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي﴾ [القمر: ٧، ٨] لا أحد يتخلف، فهذا البعث
[ ٢٧٧ ]
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [سورة نوح: ١٧ - ١٨] .
_________________
(١) حق لا ريب فيه، ومن أنكره فهو كافر بالله ﷿، والإيمان بالبعث هو أحد الأركان الستة للإيمان التي قال فيها النبي ﷺ: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» فمن لم يؤمن بالبعث واليوم الآخر فإنه يكون كافرًا بالله ﷿ ولو شهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولو صلى وصام وحج وزكى وفعل الطاعات، فإذا أنكر البعث أو شك فيه فإنه يكون كافرًا بالله ﷿. وأدلة البعث كثيرة منها قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] . يعني الأرض حينما خلق آدم ﵇ أبا البشرية ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ يعني بعد الموت في القبور ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ هذا هو البعث. فهذه الآية تضمنت البدء والإعادة: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ .
(٢) ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ حينما خلق منها آدم ﵇، ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ أي: بالموت والقبور
[ ٢٧٨ ]
﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ هذا هو البعث، يخرجون من القبور ويسيرون إلى المحشر، قال تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] أي تحيون على ظهرها، وفيها تموتون ومنها تخرجون للبعث يوم القيامة.
هذه أدلة من القرآن على البعث، أيضا دليل عقلي من القرآن نفسه وهو أن الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] الذي قدر على إيجاد الناس من عدم قادر على إعادتهم بعد الموت من باب أولى، هذا دليل سمعي عقلي.
ومن الأدلة على البعث ما يحصل للأرض من الحياة بالنبات، أنت ترى الأرض ميتة ليس فيها نبات جرداء، ثم إن الله ﷾ ينزل عليه المطر، ثم ينبت النبات الذي كان هشيما ميتا، كذلك الأجسام في الأرض كانت مخزنة في الأرض فينزل الله عليها مطرًا، ثم تنبت الأجسام وتتكامل، ثم تنفخ فيها الأرواح، فأنتم ترون الأرض كيف تكون قاحلة، ثم تحيا بما نبت فيها، الله جل وعلا هو الذي يحيي الأرض بعد
[ ٢٧٩ ]
موتها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] فالذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها لأن الكل أحياء بعد الموت.
ومن الأدلة على البعث أنه لو لم يكن هناك بعث للزم أن يكون خلق الناس عبثا حيث إنهم يعيشون منهم المطيع المتقي المؤمن بالله ورسله، ومنهم الكافر الملحد والزنديق والجبار والمتكبر والعاصي، كلهم يعيشون ثم يموتون دون أن ينال هذا المؤمن شيئًا من جزائه أو ينال هذا الكافر وهذا الزنديق وهذا الملحد وهذا الطاغية المتجبر على الناس دون أن ينال جزاءه.
فهل يليق بالله أن يترك الناس هكذا دون أن يجازي أهل الإيمان بإيمانهم، وأهل الإحسان بإحسانهم، وأهل الإجرام والكفر بإجرامهم وكفرهم؟ هذا لا يليق بحكمة الله ﷾، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] هذا لا يكون إلا في يوم القيامة وكذلك في قوله سبحانه:
[ ٢٨٠ ]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
وقال ﷾: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] وقال ﷾: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦- ٤٠] ورد على الكافر الذي قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨- ٨٠] الذي قدر على إخراج النار المحرقة من الشجر الأخضر الرطب الذي قدر على هذا ألا يقدر على إحياء الأموات.
ومن أدلة البعث الاستدلال بخلق السماوات والأرض فالذي خلق هذه المخلوقات الهائلة العظيمة الكبيرة قادر على أن يعيد الإنسان؛ لأن القادر على الشيء العظيم يقدر على ما دونه من باب أولى.
[ ٢٨١ ]
الحساب والميزان
وبعد البعث محاسبون ومجزون بِأَعْمَالِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [سورة النجم: ٣١] .
_________________
(١) قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] . وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] . فهذه أدلة البعث التي تثبت أن الله ﷾ يبعث من في القبور، وأنه يجازي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرا فشر، فليكفر الكافر وليفسق الفاسق والزنديق والملحد فإن أمامه البعث والنشور والجزاء والحساب، أما المؤمن المتقي الذي يعبد الله ويتقرب إلى الله فإن عمله لن يضيع، فإن هناك موعدًا يوفيه الله فيه عمله ويضاعف له أجره ويعطيه ما لم يقع في ظنه وحسبانه.
(٢) من أعمال يوم القيامة، الحساب والميزان، الحساب بمعنى مناقشة أهل المعاصي.
[ ٢٨٢ ]