وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٨] . [٦٧]
وأكمل اللهُ بِهِ الدِّينَ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
_________________
(١) هذا كما سبق بيانه أن الشريعة نزلت بالتدريج حتى تكاملت -ولله الحمد- قبل وفاة النبي ﷺ وأنزل الله عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وبعد نزول هذه الآية بمدة يسيرة توفي النبي ﷺ ودينه باق إلى أن تقوم الساعة.
(٢) فلم يتوف ﷺ إلا بعد أن أكمل الله به الدين وأتم به النعمة، وأنزل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو واقف في عرفة في حجة الوداع من يوم الجمعة، وعاش بعدها ﷺ مدة يسيرة وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
[ ٢٧١ ]
وفي هذه الآية شهادة من الله ﷾ على كمال هذا الدين وشموله لمصالح العباد وحل قضاياهم ومشاكلهم إلى أن تقوم الساعة، وهو صالح لكل زمان ومكان لا يحتاجون بعده إلى شريعة أخرى، أو إلى كتاب ينزل أو إلى رسول يبعث بعد الرسول ﷺ، فما من قضية تجد وما نازلة تنزل إلى يوم القيامة إلا وفي شريعة محمد ﷺ حلها والحكم فيها، ولكن الشأن فيمن يحسن الاستنباط والاستدلال في الأحكام والقضايا، فإذا توفر أهل العلم وأهل الاجتهاد الذين تتوفر فيهم شروط الاجتهاد فإن هذه الشريعة كاملة وفيها حل المشاكل كلها، وإنما يحصل النقص من ناحيتنا نحن، من ناحية قصور العلم وعدم إدراك ما أنزل الله ﷾، أو من ناحية الهوى بأن يكون هناك هوى يصرف عن الحق، وإلا فهذا الدين صالح وشامل وكامل قد أغنى الله به الأمة الإسلامية إلى أن تقوم الساعة إذا ما عملت به حق العمل، ورجعت إليه في أمورها.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الرد إلى الله هو الرد إلى كتاب الله، والرد إلى الرسول بعد وفاته هو الرد إلى سنته، قال تعالى:
[ ٢٧٢ ]
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فهذه الآية فيها رد على الذين يرمون الشريعة الإسلامية بالقصور أو النقص من الملاحدة والزنادقة أو أنصاف المتعلمين الذين قصرت أفهامهم عن إدراك أسرار هذه الشريعة، فنسبوا القصور إلى الشريعة ولم يعلموا أن القصور من عندهم هم، ففيها رد على من اتهم الشريعة بالنقص، وأنها لم تتناول حاجات العباد ومصالح العباد إلى أن تقوم الساعة، أو قال: إنها مخصوصة بالزمان الأول؛ لأن كثيرًا من الجهال إذا قيل لهم هذا الحكم الشرعي قالوا: هذا زمان الرسول والزمان الأول، أما الآن تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور، والأحكام الشرعية هذه لأناس مضوا ولمشاكل انتهت، يقولون هذا وهذا كفر بالله ﷿ وتكذيب لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أكمل الله الدين لهذه الأمة إلى أن تقوم الساعة لكل زمان ولكل مكان ولكل جيل من الناس وفيها رد أيضا على المبتدعة الذين يحدثون عبادة من عند أنفسهم وينسبوها إلى الدين وليس لها دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وإنما ابتدعوها باستحسانهم أو بتقليدهم لمن يحسنون به الظن من المخرفين وأصحاب المطامع والشهوات، فيحدثون
[ ٢٧٣ ]
في الدين عبادة ما أنزل الله بها من سلطان، وقد قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقال ﵊: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» .
فالذي يحدث عبادات ليس لها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسول الله فإنه متهم لهذا الدين بعدم التمام، وهو يريد أن يكمل الدين من عنده، ولا يعترف بتكميل الله له، فما لم يكن دينًا في عهد النبي ﷺ فإنه لا يكون من بعده دينًا أبدًا، فهذا رد على هذه الطوائف، الطائفة التي تقول: إن الإسلام لا يصلح لكل زمان، أو الذين يبتدعون البدع المحدثات التي ليس لها دليل من كتاب الله وسنة رسوله وينسبونها إلى الدين ففي هذه الآية رد عليهم لأن الدين أكمله الله ﷾.
فلا مجال للزيادة فيه، ولا النقصان، ولا مجال للتشكيك والتلبيس بأنه لا يصلح لأهل الزمان المتأخر: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذا كلام الله ﷾ وهو أصدق القائلين
[ ٢٧٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ هذا آخر ما نزل على النبي ﷺ، وهو شهادة من رب العاملين لهذا الدين بالكمال والشمولية والصلاحية لكل زمان ومكان.
فقوله تعالى خطاب لهذه الأمة من أولها إلى آخرها ليس خطابًا للجيل الأول فقط إنما هو خطاب لكل الأمة إلى أن تقوم الساعة.
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وفاته ﷺ لم يخالف في هذا إلا المخرفون الذين يقولون: إن الرسول ما مات، وينفون الموت عن الرسول ﷺ، هذا كلام ساقط كلام مردود واضح، يرده الحس والواقع، فإن الرسول ﷺ توفي بين أصحابه وغسل وكفن وصلي عليه ودفن ﵊، هل هذه الأعمال تعمل مع إنسان حي؟ ! عومل ﷺ معاملة الأموات غسل وكفن وصلي عليه ثم دفن ﷺ في قبره.
هذه سنة الله ﷿ في خلقه، ثم أين الرسل الذين من قبله؟ سنته سنة الرسل الذين من قبله وقد ماتوا وهو واحد منهم يموت، هذا بإجماع أهل السنة والجماعة ولم يخالف في هذا إلا المخرفون الذين يتعلقون على الرسول ﷺ ويستغيثون به من دون الله ويقولون: هو حي.
[ ٢٧٥ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [سورة الزمر: ٣٠ - ٣١] [٦٩] .
_________________
(١) النبي ﷺ لما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة توفاه إليه كما هي سنة الله ﷾ في خلقه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والأنبياء والرسل داخلون في هذا العموم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فالنبي ﷺ قد توفي وانتقل من هذه الدنيا إلى ربه ﷿، وهذا ثابت بالنص والإجماع والقياس، أما النص ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ هذا إخبار من الله لرسوله ﷺ أنه سوف يموت ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أي: تموت فيقال للذي يموت، هذا ميِّت، وأما الذي توفي بالفعل يقال له: ميْت بالتخفيف لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] الميْت هو الذي فارقت روحه جسده أما، الْمَيِّت فهو الذي سيموت في المستقبل.
[ ٢٧٦ ]