فالمسلم يوالي أولياء الله بمعنى أنه يحصر محبته على أولياء الله ويناصرهم، فالمسلم يكون مع المسلمين بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] . فالتعاقل في ديات الخطأ يكون بين المسلمين، وهو ما يسمى بالتكافل، كل هذا يدخل في الولاء، فلا يكون بين مسلم وكافر، والمحبة والنصرة والميراث والعقل وولاية النكاح وولاية القضاء إلى غير ذلك، فلا يكون بين مسلم وكافر؛ وإنما يكون هذا بين المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . هكذا يجب أن يتميز المؤمنون عن الكفار، فلا يجوز لمن وحد الله وأطاع الرسول - ﷺ - موالاة من حاد الله.
والمحادة معناها: أن يكون الإنسان في جانب، والله ورسوله والمؤمنون في جانب، ويكون المحاد في جانب الكفار هذه هي المحادة.
قوله: ولو كان أقرب قريب: أي نسبًا، فإذا كان قريبك محادا لله ورسوله فيجب عليك محادته ومقاطعته، ومن كان وليا لله ورسوله وجب عليك أن تحبه وتواليه، ولو كان
[ ٦١ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
_________________
(١) بعيدًا من النسب عنك، لو كان أعجميا أو أسود أو أبيض أو أحمر يجب عليك أن تواليه وأن تحبه سواء كان من بلدك أو من أقصى الشرق أو من أقصى الغرب، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، أي: بينهم المحبة والتناصر والتعاون، وبينهم الألفة هذا بين المؤمنين.
(٢) قوله تعالى: (لا تجد): هذا خطاب للنبي - ﷺ -، أي: لا يقع هذا ولا يكون موجودًا أبدًا أن يكون مؤمن بالله ورسوله يحب الكفار، فإن أحبهم؛ فإنه ليس بمؤمن، ولو كان يدعي ذلك.
[ ٦٢ ]
قال ابن القيم - ﵀ - في الكافية الشافية:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حبا له ما ذاك بإمكان
وكذا تعادي جاهدًا أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان
فهذا لا يمكن أبدًا أن يحب الكفار، يقول: أنا أحب الله ورسوله لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] . وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] . هذه ملة إبراهيم تبرأ من أبيه، أقرب الناس إليه لما تبين له أنه عدو الله.
ودلت الآية أيضًا على أن محبة الكافر تتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، إما مع أصله أو مع كماله، لكن إن كانت محبتهم معها تأييد لمذهبهم وكفرهم فهذا خروج عن
[ ٦٣ ]
الإسلام، أما إن كان مجرد محبة من غير مناصرة لهم فهذا يعتبر منقصًا للإيمان وفسقًا ومضعفًا للإيمان.
قيل: إن هذه الآية نزلت في أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنه - لما قتل أباه يوم بدر؛ لأن أباه كان على الكفر، وكان يريد أن يقتل ابنه أبا عبيدة، فقتله أبو عبيدة - ﵁ - لأنه عدو الله ولم يمنعه أنه أبوه، لم يمنعه ذلك من قتله غضبًا لله - ﷾ -.
قوله تعالى: (﴿أُولَئِكَ﴾): أي الذين يبتعدون عن محبة ومودة من حاد الله ورسوله.
قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾: أي أثبت الله في قلوبهم ورسخ الله في قلوبهم الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: التأييد معناه التقوية، قواهم بروح منه، والروح لها عدة إطلاقات في القرآن، منها الروح التي هي النفس التي بها الحياة، ومنها الوحي كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ومنها جبريل - ﵇ - أنه روح القدس، والروح الأمين.
[ ٦٤ ]
قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ومنها ما في هذه الآية وهي القوة.
فأيدهم بروح منه أي بقوة منه ﷾، قوة إيمان في الدنيا، وفي الآخرة ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ جمع جنة، والجنة في اللغة البستان، سمي جنة لأنه مجتن بالأشجار، أي: مستتر ومغطى بالأشجار الملتفة، لأن الجنة ظلال وأشجار وأنهار وقصور وأعلاها وسقفها عرش الرحمن ﷾.
قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي باقين فيها لا يتحولون عنها قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] لا يخافون من موت ولا يخافون من أحد يخرجهم ويطردهم، مثل ما في الدنيا، قد يكون الإنسان في الدنيا في قصور لكن لا يسلم من الموت فيخرج منها، ولا يسلم من الأعداء يتسلطون عليه ويخرجونه، الإنسان في الدنيا دائمًا خائف.
[ ٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: لما أغضبوا أقرباءهم من الكفار وعادوهم منحهم الله الرضا منه ﷾ جزاءً لهم، فهم عوضوا بإغضابهم لأقاربهم الكفار، عوضوا برضا الله ﷾، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾: أي جماعة الله، وأما الكفار فهم حزب كما قال الله تعالى عنهم: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩] أي جماعة الشيطان وأنصار الشيطان، أما هؤلاء فهم أنصار الرب.
فهذه المسألة تتعلق بعداوة الكفار وعدم موالاتهم، وهي لا تقتضي أننا نقاطع الكفار في الأمور والمنافع الدنيوية، بل يستثنى من ذلك أمور:
الأول: أنه مع بغضنا لهم وعداوتنا لهم يجب أن ندعوهم إلى الله ﷾، يجب أن ندعوهم إلى الله ولا نتركهم ونقول هؤلاء أعداء الله وأعداؤنا، يجب علينا أن ندعوهم إلى الله لعل الله أن يهديهم، فإن لم يستجيبوا فإنا نقاتلهم مع القدرة، فإما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يبذلوا الجزية إن كانوا من اليهود والنصارى أو المجوس
[ ٦٦ ]
وهم صاغرون، ويخضعون لحكم الإسلام، ويتركون على ما هم عليه، لكن بشرط دفع الجزية وخضوعهم لحكم الإسلام، أما إن كانوا غير كتابيين وغير مجوس ففي أخذ الجزية منهم خلاف بين العلماء.
الثاني: لا مانع من مهادنة الكفار عند الحاجة، إذا احتاج المسلمون لمهادنتهم لكون المسلمين لا يقدرون على قتالهم ويخشى على المسلمين من شرهم، لا بأس بالمهادنة إلى أن يقوى المسلمون على قتالهم أو إذا طلبوا هم المهادنة ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] فيهادنون، لكن ليس هدنة دائمة، إنما هدنة مؤقتة مؤجلة إلى أجل حسب رأي إمام المسلمين، لما فيه من المصلحة.
الثالث: لا مانع من مكافأتهم على الإحسان إذا أحسنوا للمسلمين، لا مانع أنهم يكافئون على إحسانهم قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] .
[ ٦٧ ]
رابعًا: الوالد الكافر يجب على ولده المسلم أن يبر به، لكنه لا يطيعه في الكفر لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥] الوالد له حق وإن كان كافرًا، لكن لا تحبه المحبة القلبية، بل تكافئه على تربيته لك، وأنه والد وله حق تكافئه على ذلك.
خامسًا: تبادل التجارة معهم والشراء منهم، شراء الحاجات منهم واستيراد البضائع والأسلحة منهم بالثمن لا بأس بذلك، وقد كان النبي - ﷺ - يتعامل مع الكفار وكذلك عامل - ﷺ - أهل خيبر وهم يهود على أن يزرعوا الأرض بجزء مما يخرج منها، ليس هذا من الموالاة والمحبة، وإنما هو تبادل مصالح. يجب أن نعرف هذه الأمور، وأنها لا تدخل في الموالاة، وليس منهيا عنها.
كذلك الاستدانة منهم، النبي - ﷺ - «استدان من اليهودي طعامًا، ورهن درعه عنده ومات - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي بطعام اشتراه لأهله»، لا مانع من هذا؛ لأن هذه أمور
[ ٦٨ ]
اعلم أرشدك الله لطاعته
_________________
(١) دنيوية ومصالح، ولا تدل على المحبة والمودة في القلوب، فلا بد أن نفرق بين هذا وهذا، لأن بعض الناس إذا سمع نصوص العداوة للكفار وعدم محبتهم قد يفهم أنه لا يتعامل معهم، ولا يتصل بهم نهائيًا، وأن تكون مقاطعة نهائية. لا! هذا محدد بأحكام وبحدود وبشروط معروفة عند أهل العلم، مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -. سادسًا: أباح الله التزوج من نساء أهل الكتاب بشرط أن يكن عفيفات في أعراضهن، وأباح الله لنا أكل ذبائحهم. سابعًا: لا بأس بإجابة دعوتهم، وأكل طعامهم المباح كما فعل النبي - ﷺ -. ثامنًا: الإحسان إلى الجيران من الكفار؛ لأن لهم حق الجوار. تاسعًا: لا يجوز ظلمهم قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] .
(٢) قوله: اعلم أرشدك الله: هذا كأنه بداية رسالة ثالثة لأنه مضى رسالتان: الرسالة الأولى: المسائل الأربع
[ ٦٩ ]
التي تضمنتها سورة العصر، والرسالة الثانية: المسائل الثلاث التي سبقت، والرسالة الثالثة: هي هذه، وستأتي الرسالة الرابعة وهي ثلاثة الأصول، فقوله - ﵀ -: اعلم: تقدم الكلام على لفظها وبيان معناها، والمقصود من الإتيان بها.
قوله: أرشدك الله: هذا دعاء من الشيخ - ﵀ - لكل من يقرأ هذه الرسالة متفهمًا لها يطلب العمل بها بأن يرشده الله، والإرشاد هو الهداية إلى الصواب والتوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، والرشد ضد الغي، قال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] والرشد هو دين الإسلام، والغي دين أبي جهل وأمثاله.
قوله أرشدك الله لطاعته: هذا دعاء عظيم، فإن المسلم إذا أرشده الله لطاعته فقد سعد في الدنيا والآخرة، والطاعة هي امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه، هذه هي الطاعة، أن تطيع الله في أوامره فتفعلها، وفي نواهيه فتجتنبها امتثالا لأمر الله وابتغاء وجه الله - ﷿ - ترجو ثوابه، وتخاف عقابه، فمن وفق لطاعة الله، وأرشد لطاعة الله فإنه يسعد في الدنيا والآخرة.
[ ٧٠ ]