فإذا خالطها شرك فسدت كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] . فالعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا خالط الشرك العبادة أفسدها، كما أن الطهارة إذا خالطها ناقض من نواقض الوضوء أفسدها وأبطلها، ولهذا يجمع الله في كثير من الآيات بين الأمر بعبادته والنهي عن الشرك.
قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] . وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . فقوله تعالى: لا إله إلا أنا، فيه أمران: فيه نفي الشرك، وفيه إثبات العبادة لله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] . ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . قرن بين عبادة الله واجتناب
[ ٥٣ ]
الطاغوت؛ لأن عبادة الله لا تكون عبادة إلا مع اجتناب الطاغوت وهو الشرك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
فالإيمان بالله لا يكفي إلا مع الكفر بالطاغوت، وإلا فالمشركون يؤمنون بالله لكنهم يشركون به، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] . بين سبحانه أن عندهم إيمان بالله ولكن يفسدونه بالشرك والعياذ بالله.
هذا معنى قول الشيخ، أن من عبد الله وأطاع الرسول فإنه لا يشرك بالله شيئًا، لأن الله لا يَرْضَى أَنْ يُشرك مَعَهُ أَحَدُ في عبادته.
قال - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ - قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» هناك قوم يصلون ويشهدون أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويكثرون من ذلك ويصومون ويحجون لكنهم يدعون الأضرحة، ويعبدون الحسن والحسين والبدوي
[ ٥٤ ]
لا ملك مقرب ولا نبي مرسل
_________________
(١) وفلانًا وعلانًا، ويستغيثون بالأموات، هؤلاء عبادتهم باطلة، لأنهم يشركون بالله - ﷿ -، يخلطون العبادة بالشرك، فعملهم باطل حابط حتى يوحدوا الله - ﷿ - ويخلصوا له العبادة ويتركوا عبادة ما سواه. وإلا فإنهم ليسوا على شيء فيجب التنبيه لهذا، أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد كائنًا من كان، لا يرضى سبحانه بمشاركة أحد مهما كان؛ لئلا يقول أحد أنا أتخذ من الأولياء الصالحين والطيبين شفعاء، أنا لا أعبد الأصنام والأوثان كما هو في الجاهلية، أنا أتخذ هؤلاء شفعاء فنقول له: هذه مقالة الجاهلية اتخذوهم شفعاء عند الله لأنهم صالحون وأولياء من أولياء الله، والله لا يرضى بهذا.
(٢) قوله: لا ملك مقرب ولا نبي مرسل: الملك المقرب هو أفضل الملائكة مثل: جبريل - ﵇ -، وحملة العرش ومن حوله، والملائكة المقربون من الله - ﷾ -، فمع قرب المكان من الله - ﷿ - وقرب العبادة والمكانة عند الله، لو أشركهم أحد مع الله في العبادة فإن الله لا يرضى بأن يشرك معه ملك مقرب ولا نبي مرسل كمحمد - ﷺ -
[ ٥٥ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] .
_________________
(١) وعيسى ونوح وإبراهيم أولي العزم، لا يرضى أن يشرك معه أحد ولو كان من أفضل الملائكة، ولو كان من أفضل البشر. فهو لا يرضى أن يشرك معه أحد من الملائكة ولا من الرسل، فكيف بغيرهم من الأولياء والصالحين، فغير الملائكة والرسل من باب أولى لا يرضى الله بإشراكهم معه في العبادة، وهذا رد على أولئك الذين يزعمون أنهم يتخذون الصالحين والأولياء شفعاء عند الله ليقربوهم عند الله زلفى، كما قال أهل الجاهلية: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] . وإلا فهم يعتقدون أن هؤلاء لا يخلقون ولا يرزقون ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورا؛ وإنما قصدهم التوسط عند الله - ﷿ -؛ ولذلك صرفوا لهم شيئًا من العبادة تقربًا إليهم، ذبحوا للقبور، ونذروا للقبور، واستغاثوا وهتفوا بالأموات.
(٢) لا يرضى الله بمشاركة أحد كائنًا من كان، وهذا صريح في القرآن والسنة، لكن لمن يعقل ويتدبر وينبذ التقليد الأعمى، والتعلل الباطل، ويتنبه لنفسه والدليل على أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد كائنًا من كان قوله تعالى:
[ ٥٦ ]
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ المساجد هي بيوت الله، وهي المواطن المعدة للصلاة، وهي أحب البقاع إلى الله، وهي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يجب أن تكون هذه المساجد مواطنا لعبادة الله وحده لا يحدث فيها شيء لغير الله، فلا يبنى عليها القبور والأضرحة لأن النبي - ﷺ - لعن من فعل ذلك، وأخبر أن هذا هو فعل اليهود والنصارى، ونهانا عن ذلك في آخر حياته، وهو في سكرات الموت ﵊ بقوله: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد» [هذا يقوله وهو في سياق الموت] «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» ويقول - ﷺ -: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
فالمساجد يجب أن تطهر من آثار الشرك والوثنية، وألا تقام على القبور أو يدفن فيها الأموات بعد بنائها بل تكون مواطن عبادة الله وحده، تقام فيها الصلاة ويذكر فيها اسم
[ ٥٧ ]
الله، ويتلى فيها القرآن، وتقام فيه الدروس النافعة، ويعتكف فيها للعبادة هذه هي وظيفة المساجد.
أما أن تقام فيها أوثانًا تعبد من دون الله فهذه ليست مساجد، هذه مشاهد شرك وإن سماها أهلها أنها مساجد، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ أي: لا لغيره؛ ولأن المساجد هي محل اجتماع الناس وتلاقيهم، فيجب أن تكون طاهرة من الشرك والبدع والخرافات، لأن الناس يتلقون فيها العلم والعبادة، فإذا وجدوا في المساجد شيئًا من الشرك والخرافات تأثروا بذلك ونشروه في الأرض، فيجب أن تكون المساجد مطهرة من الشرك.
وأعظمها المسجد الحرام كما أمر الله - جل وعلا - بتطهيره قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] . طهره من ماذا؟ طهره من الشرك والبدع والخرافات كما أنه أيضًا يُطهر من النجاسات والقاذورات.
فقوله تعالى: لا تدعوا: لا ناهية، وتدعو: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون لأن أصله تدعون فدخل عليه الجازم وهو لا الناهية.
[ ٥٨ ]
فلا تدعوا أيها الناس مع الله أحدًا، لا تستغيثوا بأحد مع الله؛ كأن يقول: يا الله يا محمد، يا الله يا عبد القادر، أو يقول: يا عبد القادر يا محمد، أو ما أشبه ذلك، فإن الله لا يرضى بذلك ولا يقبله.
وقوله تعالى: " أحدًا ": نكرة في سياق النهي فتعم كل أحد، لا يستثنى أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صنم ولا وثن ولا قبر ولا شيخ ولا ولي ولا حي ولا ميت كائنًا من كان.
فهي تعم كل من دعي من دون الله ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ فدلت هذه الآية على أن العبادة لا تنفع إلا مع التوحيد، وأنها إذا خالطها الشرك فإنها تبطل وتكون وبالًا على صاحبها، ثم قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ يجب أن تبنى بنية خالصة لا يكون القصد من بنائها الرياء والسمعة وتخليد الذكر كما يقولون وتكون آثارا إسلامية هذا كله باطل.
المساجد تبنى للعبادة وبقصد العبادة وتكون النية فيها خالصة لله - ﷿ -، وأيضًا تبنى من كسب طيب، لا تبنى من
[ ٥٩ ]
الوَلاء وَالبَرَاء
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ، لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله ولو كان أقرب قريب
_________________
(١) كسب حرام لأنها لله - ﷿ -، «الله لا يقبل إلا طيبًا» فتبنى المساجد من نفقة حلال، وتكون نية بانيها خالصة لوجه الله - ﷿ - لا يريد من بنائه مدحًا من الناس، أو تخليدًا لذكره، أو رياء أو سمعة فإن بناء المساجد عبادة والعبادة يجب أن تكون خالصة لله - ﷿ -.
(٢) لا يجوز لمن فعل ذلك موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب. هذه مسألة الولاء والبراء وهي تابعة للتوحيد، من حقوق التوحيد الولاء لأولياء الله والبراء من أعداء الله، والموالاة والولاء بمعنى واحد، والولاء يراد به المحبة بالقلب، ويراد به المناصرة والمعاونة، ويراد به الإرث والعقل في الديات.
[ ٦٠ ]