فالمسلمون على أقسام يوم القيامة:
القسم الأول منهم: من لا يحاسب ويدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب كما في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
القسم الثاني من الناس: من يحاسب حسابًا يسيرًا وهو العرض فقط، لا يحاسب حساب مناقشة وإنما يحاسب حساب عرض فقط، وهذا أيضا من السعداء، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] .
القسم الثالث: من يحاسب حساب مناقشة وهذا تحت الخطر لقوله ﷺ: «من نوقش الحساب عذب» .
أما الكفار فقد اختلف العلماء فيهم هل يحاسبون أو لا يحاسبون، فمن العلماء من يقول: إن الكفار لا يحاسبون لأنهم ليس لهم حسنات وإنما يذهب بهم إلى النار لأنهم ليس
[ ٢٨٣ ]
وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] .
_________________
(١) لهم حسنات، ومن العلماء من يقول: إنهم يحاسبون حساب تقرير، أي بأعمالهم وكفرهم وإلحادهم، ثم يذهب بهم إلى النار. والميزان: معناه الآلة التي توزن بها أعمال العباد توضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون١٠٢- ١٠٣] فإذا ثقلت السيئات خسر الإنسان وإذا ثقلت الحسنات ربح الإنسان. هذا الميزان ميزان الأعمال، كذلك من أوتي كتابه بيمينه فحسابه يسير، ومن أوتي كتابه بشماله فحسابه عسير، وسيرى الأهوال والأخطار جسيمة، ومن خطر إلى خطر في مواقف القيامة والحساب والحشر، هذه أمور هائلة لو فكرنا فيها.
(٢) قوله: من كذب بالبعث كفر: لأنه جحد ركنًا من أركان الإيمان، ولأنه مكذب لله ولرسله ولكتبه؛ لأن الله جل وعلا أخبر عن البعث، والرسل أخبرت عن البعث، والكتب أخبرت عن البعث، فمن أنكره فهو كافر والدليل قوله تعالى:
[ ٢٨٤ ]
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الزعم هو الكذب، ﴿أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ فدلت الآية على أن إنكار البعث كفر، يقولون ليس بعد الموت بعث، المشركون وعبدة الأصنام في عهد النبي ﷺ كانوا يجادلون بالبعث: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١١- ١٢] وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . ومن مجادلتهم: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥، ٣٦] إلى غير ذلك من مقالات الكفار من الأمم السابقة ومن المشركين في عهد النبي ﷺ فمن كذب بالبعث فهو مع هؤلاء الكفرة.
لا ينكر البعث إلا كافر، ولقد أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ أن يقسم به على البعث، قال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ هذا قسم، ﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ هذه الآية إحدى الآيات الثلاث التي أمر الله نبيه فيها أن يقسم على البعث.
الآية الأولى: في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] .
الثانية في سورة سبأ:
[ ٢٨٥ ]
الإيمان بالرسل
وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] .
_________________
(١) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٣ - ٤] فالله أمر نبيه أن يقسم به على البعث وعلى قيام الساعة. الآية الثالثة: هي التي معنا من سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] . فالحكمة من البعث هي جزاء العباد على أعمالهم، وقوله تعالى: لتنبئن، أي: لتخبرن بأعمالكم وتجازون بها.
(٢) الإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان الستة، قال ﷺ: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» .
[ ٢٨٦ ]