وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
_________________
(١) لما ذكر الشيخ هذه الأركان ذكر دليلها من القرآن ومن السنة؛ لأن أي شيء من أمور الدين والعبادة والعقيدة وأمور الأحكام الشرعية يحتاج إلى دليل، وإن لم يكن له دليل لم يكن صحيحا، لما ذكر الشيخ أركان الإيمان الستة ذكر دليلها من القرآن أولا ثم من السنة. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، البر: هو فعل الخير الذي يقرب من الله، ويوصل إلى جنته، فكل أفعال الخير هي من البر، فالبر لفظ عام يجمع جميع أنواع الخير، وأنواع الطاعات كلها داخلة تحت مسمى البر، وتحت مسمى التقوى. فالبر والتقوى من الأسماء العامة التي تجمع كل خصال الخير، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ هذا رد على اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة
[ ٢١٩ ]
من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، استنكروا هذا وجحدوه مع العلم أنهم يعلمون أنه حق، لكن جحدوه من باب العناد والمكابرة والحسد للنبي ﷺ ولهذه الأمة.
يقول الله: ليس البر أن تولوا وجوهكم جهة من الجهات من غير أمر من الله، ولكن البر طاعة الله ﷾، إذا أمركم بأمر وجب عليكم امتثاله، هذا هو البر، فإذا أمركم باستقبال بيت المقدس فالبر في ذاك الوقت هو استقبال بيت المقدس؛ لأنه طاعة لله ﷿، ثم إذا أمركم أن تستقبلوا الكعبة فالبر هو استقبال الكعبة، فالبر يدور مع أمر الله ﷾.
أنتم عبيد يجب عليكم الامتثال، إذا أمركم الله أن تستقبلوا جهة من الجهات وجب عليكم الامتثال، أما أن تتعصبوا لجهة معينة وتقولوا: لا يصح إلا استقبالها فهذا معناه اتباع الهوى والعصبية، والعبد الصادق يدور مع أوامر الله حيث دارت، ولا يعترض على أمر الله؛ لأن استقبال جهة بعد نسخ استقبالها لا يكون طاعة لله ﷿، فالعمل بالمنسوخ وترك الناسخ ليس طاعة لله ﷿، وإنما هو طاعة للهوى والعصبية، فالبر متعلق بطاعة الله، فحيث وجهك تتوجه إن كنت محقا في عبوديتك لله ﷿:
[ ٢٢٠ ]
ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . [٤٥] .
المرتبة الثالثة: الإحسان
تعريف الإحسان
المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد، وهو " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
_________________
(١) ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
(٢) دليل الركن السادس من أركان الإيمان: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، أي: كل شيء خلقه الله فإنه مقدر في علمه وكتابته ومشيئته وإرادته ﷾، وليس هو عفويا أو صدفيا، إنما هو أمر سابق في علم الله، ومكتوب في اللوح المحفوظ، وسابق في مشيئة الله وإرادته ﷾.
(٣) الإحسان في اللغة: إتقان الشيء وإتمامه، مأخوذ من الحسن، وهو الجمال، ضد القبح، وهو ينقسم إلى أقسام: أولا: إحسان بين العبد وبين ربه، وهذا هو المقصود. ثانيا: إحسان بين العبد وبين الناس.
[ ٢٢١ ]