القرآن، وهذا كله تقدم وانتهى، ثم ذكر الشيخ ﵀ دليل هذه المراتب من السنة، سنة الرسول ﷺ، فذكر حديث جبريل وأنه أتى النبي ﷺ وهو مع أصحابه، أتاهم في صورة رجل، وجلس إلى النبي ﷺ، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم سأله عن الساعة، وسأله عن أماراتها، هذا ما يسمى بحديث جبريل أو حديث عمر، وهو حديث ورد من عدة طرق عن جماعة من الصحابة، فهو حديث صحيح، وذكر الشيخ ﵀ رواية عمر بن الخطاب في هذا الحديث مع اختلاف في ألفاظ الحديث في طرق أخرى، ولكن المعنى واحد.
قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ»، كان من عادتهم ﵃ أنهم يجتمعون عند النبي ﷺ في المسجد، ويتلقون عنه العلم، ويستمعون إلى أجوبته ﷺ على ما يرده من الأسئلة، فبينما هم كذلك على عادتهم «إذ دخل عليهم رجل من الباب، رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ»، أي: أن جبريل ﵇ تمثل في صورة هذا
[ ٢٣٠ ]
«لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ منا أحد، حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام» .
_________________
(١) الرجل، ولم يأتهم بصورته الملكية؛ لأنهم لا يطيقون النظر إليه في صورته الملكية.
(٢) لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ منا - أي: من الحاضرين - أحد، فهذا من العجائب أنه ليس قادما من سفر حتى يقال: إنه من غير أهل المدينة، وهم لا يعرفونه، وهو ليس من أهل البلد حتى يعرفوه، فتحيروا في شأنه، لا هو قادم، ولا هو من أهل البلد، لو كان قادما من سفر لظهر عليه أثر السفر في ثيابه وفي لونه؛ لأن المسافر تظهر عليه آثار السفر، فلا يعرفه أحد من الحاضرين، فليس هو من أهل البلد، وليس هو قادما من سفر، فمن أين يكون هذا الرجل؟ هذا الذي استغربوه. فجلس إلى النبي ﷺ بين يديه جلوس المتعلم من معلمه، وأسند ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ، أي: أنه قريب منه جدا، ووضع يديه على فخذيه، أي: فخذي النبي ﷺ.
[ ٢٣١ ]
«قال: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ، وأن محمدا رسول الله ﷺ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا، فقال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه» .
_________________
(١) فقال يا محمد: خاطبه باسمه، ولم يقل: يا رسول الله، ولعله فعل ذلك ﵇ من أجل أن يظن الصحابة أنه من البادية؛ لأن من عادة أهل البادية أنهم يخاطبون النبي ﷺ باسمه؛ لأن أهل البادية على طبيعتهم وعادتهم، وهو زيادة في الإغراب والتعمية حتى لا يعرفوه. قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، أي: اشرح لي معنى الإسلام.
(٢) قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا: ذكر له النبي ﷺ أركان الإسلام التي لا بد منها، والتي إن تحققت ووجدت تحقق الإسلام، وما زاد عليها من الأمور الأخرى فهي مكملات، فالرسول ﷺ اقتصر على بيان أركان الإسلام؛ لأن الجواب كلما كان مختصرا كان أسهل على المتعلم والسامع، وسهل
[ ٢٣٢ ]
«قال: فأخبرني عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشره، قال: صدقت» .
_________________
(١) عليه حفظه ووعيه، بينما لو طول الجواب تشعب على الحاضرين، وربما أن أكثرهم لا يستوعبه، فهذا دليل على أن المسئول ينبغي أن يتوخى الاختصار مهما استطاع، ويقتصر على الشيء الضروري، وإلا فالإسلام أكثر من ذلك، هذه أركانه ودعائمه التي يقوم عليها. قال: صدقت: هذه عجيبة ثانية. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه: فدل على أنه عالم، وأنه لا يسأل سؤال جاهل، وإنما يسأل وهو عالم بدليل أنه قال: صدقت، فدل على أنه عالم، فلماذا يسأل؟
(٢) قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، فذكر له ﷺ أركان الإيمان الستة بعدما ذكر له أركان الإسلام، والإسلام والإيمان إذا ذكرا جميعا فالإسلام معناه الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة، أعمال القلوب، وما يقوم به من التصديق والعلم، ولا بد من الإسلام والإيمان
[ ٢٣٣ ]
«قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل» . [٥٢] .
_________________
(١) جميعا، الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة؛ لقوله ﷺ: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب»، فإن ذكرا جميعا صار لكل واحد معنى خاص به، وإذا ذكر واحد منهما دخل فيه الآخر، إذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان؛ لأنه لا يصح إسلام بدون إيمان، ولا يصح إيمان بدون إسلام، لا بد من الاثنين، فهما متلازمان، ولهذا يقولون: إن الإسلام والإيمان من الأسماء التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا انفردت اجتمعت، أي: يدخل بعضها في بعض لأنهما متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر. فسأله عن الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، وبين له ﷺ أركان كل من الإسلام والإيمان.
(٢) قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله، سبق أن المحسن هو من يعبد الله على المشاهدة واليقين كأنه يرى
[ ٢٣٤ ]
الله، أو يعبده على المراقبة، وهو يعلم أن الله يراه فيحسن العمل؛ لأن الله مطلع عليه، فالمحسن يعبد الله إما على المشاهدة في القلب، وهذا أكمل، وإما على المراقبة، وأن يعلم أن الله يراه في أي مكان، أو في أي عمل يعمله، هذا هو الإحسان.
قال: صدقت، فأخبرني عن الساعة، أي: عن قيام الساعة متى؟ ولما كان هذا السؤال لا يعلم أحد الجواب عنه إلا الله ﷾؛ لأن قيام الساعة لا يعلم تحديده إلا الله ﷿.
نحن نعلم أنها ستقوم الساعة لا نشك في هذا، من شك في هذا فهو كافر، نعلم أنها ستقوم الساعة ولا بد، ولكن الوقت الذي تقوم فيه الساعة الله ﷿ لم يخبرنا عنه، ولم يبينه لنا، واستأثر بعلمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، هو الذي يعلمها سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ومنها وقت قيام الساعة.
[ ٢٣٥ ]
«قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأمة ربتها» .
_________________
(١) «قال ﷺ لجبريل: ما المسئول عنها بأعلم من السائل»، أي: أنا وأنت سواء لا نعلم متى تقوم الساعة، الله جل وعلا لم يطلع على هذا لا الملائكة، ولا الرسل، ولا أحدا، بل استأثر بعلمها ﷾.
(٢) قال: أخبرني عن أماراتها: الأمارات جمع أمارة، وهي العلامة، أما الإمارة بالكسر فهي الولاية. أخبرني عن أماراتها، أي: العلامات التي تدل على قرب قيامها، نعم الساعة لها أمارات، وقد بينها الله ﷾، منها أمارات صغيرة، ومنها علامات كبيرة، ومنها متوسطة، ومنها علامات مقاربة للساعة تكون عند قيام الساعة، تكون قريبا من قيامها، أما العلامات الأخرى فإنها متقدمة، العلماء يقولون: علامات الساعة على ثلاثة أنواع: هي علامات صغيرة ومتقدمة، وعلامات متوسطة، وعلامات كبيرة. العلامات الصغيرة والعلامات المتوسطة كلها حصلت أو حصل معظمها، أما العلامات الكبار ظهور الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، فهذه تكون عند قيام الساعة وتتتابع.
[ ٢٣٦ ]
«وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان» .
_________________
(١) قال: أخبرني عن أماراتها: ولما كانت أماراتها معلومة أجابه الرسول ﷺ قال: " «أن تلد الأمة ربتها» " هذا من علامات الساعة، الأمة هي المملوكة، وربتها سيدتها.
(٢) قال الشراح: معناه والله أعلم أنه في آخر الزمان يكثر التسري، يعني يكثر وطء الإماء - أي: المملوكات - فيلدن بنات، تكون بنتها حرة، وتكون سيدة لأمها ومالكة لها، وقيل: معناه أنه يكثر العقوق، فتكون البنت كأنها سيدة لأمها. وأن ترى الحفاة: هذه علامة ثانية. الحفاة: الذين ليس لهم نعال من الفقر والفاقة. العراة: الذين ليس لهم لباس. العالة: الفقراء. رعاء الشاء: جمع راعٍ، الذين يرعون الأغنام، هؤلاء كانوا في الأصل في البراري في بيوت ينتقلون من محل إلى آخر، وفي آخر الزمان يستوطنون في المدن، ويبنون القصور والعمارات الشاهقة، هذا من علامات الساعة، إذا تحولت البادية إلى حاضرة، وصاروا يتطاولون في المباني، ويتباهون
[ ٢٣٧ ]
«قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: يَا عُمَرُ أتدري من السائل؟ قلت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يعلمكم أمر دينكم» .
_________________
(١) بها وينمقونها، وهم ليس من عادتهم، يتحولون إلى أغنياء، إلى أصحاب ثروة وأصحاب مظاهر، هذه من علامات الساعة. وكما تعلمون فإن الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، كما تعلمون الآن كيف حال الناس، لقد تغيرت الأحوال وتحول الفقراء إلى أغنياء أصحاب ثروات، وتحضرت البادية وبنوا وتطاولوا في البنيان، وهذا مصداق ما قاله رسول الله ﷺ.
(٢) قال: ثم خرج ولبثنا مليا: يعني وقتا قصيرا. فقال النبي ﷺ: يا عمر أتدري من السائل؟ أو أتدرون من السائل؟ وفي رواية «أن النبي ﷺ قال: علي بالرجل، فطلبوه فلم يقدروا عليه» . قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم: هذا الذي دخل وسأل هذه الأسئلة هو جبريل ﵇، وجاء في
[ ٢٣٨ ]
صورة رجل كما وصف لغرض تعليم الحاضرين أمور دينهم على طريق السؤال والجواب.
فدل هذا الحديث على مسائل عظيمة:
الأولى: أن الدين ينقسم إلى ثلاثة مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، كل مرتبة أعلى من التي قبلها، وأن كل مرتبة لها أركان: أركان الإسلام، وأركان الإيمان والإحسان ركن واحد.
الثانية: فيه التعليم بطريق السؤال والجواب، وهذه طريقة تعليمية ناجحة؛ لأنها أدعى للانتباه وتلقي العلم، كونه يسأل ويتهيأ ذهنه يتطلب الجواب، ثم يلقي عليه الجواب وهو يتطلع إليه، يكون هذا أثبت.
الثالثة: في الحديث دليل على أن من سأل عن علم وهو لا يدري أن يقول: الله ورسوله أعلم، يكل العلم إلى عالمه، فلا يتكلم بالجواب وهو لا يعرفه ويتخرص، هذا لا يجوز، والرسول ﷺ لما سئل عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولما قال للصحابة: أتدرون من السائل؟ وهم لا يعرفونه قالوا: الله ورسوله أعلم.
[ ٢٣٩ ]
فدل ذلك على أن مسائل الشرع ومسائل الدين لا يجوز التخرص فيها؛ لأن هذا من التكلف، ولكن من كان عنده علم فإنه يجيب، ومن ليس عنده علم يقول: الله أعلم، ومن قال: لا أدري فقد أجاب.
قد سئل الإمام مالك ﵀ عن أربعين مسألة فأجاب عن ست منها، وقال في الباقية: لا أدري، فقال له السائل: أنا جئت من كذا وكذا، وسافرت وأتعبت راحلتي، وتقول: لا أدري، قال: اركب راحلتك، واذهب إلى البلد الذي جئت منه، وقل: سألت مالكا فقال: لا أدري، هذا ليس عيبا أن الإنسان إذا كان لا يعرف الجواب في الأمور الشرعية أنه يقول: لا أدري ولو كان عالما، الرسول ﷺ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل.
وكان ﷺ إذا سئل في بعض الأسئلة ولم يكن عنده وحي من الله ﷿، انتظر حتى ينزل الوحي من الله ﷿، ألستم تقرءون: يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا، قل كذا؟
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
[ ٢٤٠ ]
فالرسول ﷺ كان إذا سئل ولم يكن عنده جواب ينتظر حتى ينزل عليه الوحي من الله، وكذلك غيره من باب أولى ينتظر حتى يسأل غيره، أو غيره يبحث عن المسألة في كتب أهل العلم ليتحصل على جواب، أما أن يستعجل فهذا فيه خطورة عظيمة، وفيه سوء أدب مع الله ﷿؛ لأن الذي يجيب يجيب عن شرع الله، يقول: الله أحل كذا أو حرم كذا أو شرع كذا، فالأمر فيه خطورة جدا.
المسألة الرابعة: في الحديث دليل على آداب المتعلم، جبريل وهو سيد الملائكة يجلس بين يدي الرسول ﷺ وهو يسند ركبتيه إلى ركبتي الرسول ﷺ، ويضع يديه على فخذيه، يسأل بأدب، هذا من أجل أن يعلم الناس كيف يتأدبون مع العلماء.
هذا بعض ما يدل عليه الحديث وفيه:
مسألة خامسة: وهي بيان بعض علامات الساعة، ذكر علامتين: أن تلد الأمة ربتها، وبعض العلماء يقول: معنى أن تلد الأمة ربتها أنه يكثر العقوق في آخر الزمان حتى تصبح البنت كأنها سيدة على والدتها، تأمرها وتنهاها وتغلظ عليها.
[ ٢٤١ ]