بعد وفاة الرسول ﷺ قاتلهم أبو بكر ﵁ وقال: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا - وفي رواية " عناقًا"- كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه ".
فالزكاة حق واجب في الأموال، وهي ركن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله ﷿ في كثير من الآيات ومنها هذه الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ .
دليل التوحيد في أولها في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هذا هو تفسير التوحيد، وهو عبادة الله مع الإخلاص له وترك عبادة ما سواه، فالدين والتوحيد والعبادة بمعنى واحد، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: العبادة، هذا تفسير التوحيد، لا كما يقوله علماء الكلام: أنه الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت هذا توحيد الربوبية، والمطلوب هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، ولا يصير المسلم مسلمًا إلا إذا جاء به.
أما من جاء بتوحيد الربوبية فقط فهذا ليس مسلمًا بدليل أن المشركين يعتقدونه وينطقون به ويعترفون به ولم يدخلهم
[ ١٨٧ ]
في الإسلام، ولم يمنع من قتلهم وسبي أموالهم توحيدهم هذا؛ لأنهم ليسوا موحدين لما أشركوا بالله ﷿ في العبادة، هذا هو تفسير التوحيد من كتاب الله لا من كتاب فلان وعلان كتاب "الجوهرة" أو كتاب "المواقف" أو كتب علماء الكلام، لا يؤخذ تفسير التوحيد من هذه الكتب وإنما يؤخذ من كتاب الله ومن سُنة رسول الله ﷺ، ومن كتب أهل السنة والجماعة الذين يتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
ودليل الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ والمعنى أن يأتوا بها كما أمر الله ﷿ بشروطها وأركانها وواجباتها، أمر مجرد صورة الصلاة فإنها لا تكفي؛ ولهذا لم يقل: ويصلوا، بل قال: ويقيموا الصلاة، ولا تكون الصلاة قائمة إلا إذا أتى بها كما أمر الله ﷾، أما الذي يصلي مجرد صورة في أي وقت يشاء أو بدون طهارة وبدون طمأنينة، ولا يأتي بمتطلبات الصلاة، هذا لم يصل، ولهذا
[ ١٨٨ ]
قال ﷺ للمسيء في صلاته الذي لا يطمئن في صلاته قال له: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ليس مقصودًا صورة الصلاة من قيام وركوع وسجود وجلوس فقط، ليس هذا المقصود، بل المقصود أن يؤتى بها كما شرع الله ﷾ مستوفية لكل متطلباتها الشرعية.
ثم ذكر دليل الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: يدفعوا الزكاة للمستحقين لها، الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] .
ذكر ثمانية مصارف وحصرها بـ (إنما) فلا يكون صرفها في غير هذه المصارف الثمانية، فمن صرفها في غير مصارفها الثمانية لم يكن قد آتى الزكاة ولو أنفق أموالًا طائلة ملايين أو مليارات وسماها زكاة، ولا تكون زكاة حتى توضع في مواضعها التي حصرها الله تعالى فيها، هذا معنى إيتاء الزكاة، وأيضًا في وقتها، أي: يخرجها وقت وجوبها. لا يتباطأ
[ ١٨٩ ]
ودليل الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] [٤٠] .
_________________
(١) ويتأخر ويتكاسل، طيبة بها نفسه، أي لا يعتبرها مغرمًا أو خسارة، وإنما يعتبرها مغنمًا له. هذه الأمور الثلاثة هي: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ الدين: الملة، القيمة: صفة لموصوف محذوف تقديره دين الملة القيمة، أي المستقيمة. هذا دليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد.
(٢) الصيام لا يجب إلا على المسلمين أما الكفار لو فعلوه ما صح منهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، ما داموا على الكفر فإنهم لا تنفعهم العبادات لا صيام ولا غير صيام، ولذلك خاطب به المؤمنين خاصة؛ لأنهم هم الذين يستجيبون، وهم الذين يصح منهم الصيام، ويقبل منهم الصيام. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ معنى كتب: فرض، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] يعني فرض عليكم القتال، فالكتب في كتاب الله معناه الفرض.
[ ١٩٠ ]