﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: كما فرض على الذين من قبلكم من الأمم، فدل على أن الصيام كان معروفًا عند الأمم السابقة وفي الشرائع القديمة، ولم تختص به شريعة محمد ﷺ.
والنفس قد تتثاقل الصيام لما فيه من كبح جماحها ومنعها من الشهوات، والله جل وعلا بين أنه سنته في خلقه، وأنه على جميع الأمم، حتى في الجاهلية كان الصيام معروفًا، كانوا يصومون يوم عاشوراء.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هذا بيان للحكمة من الصيام، فلعلكم تتقون: بيان للحكمة في مشروعية الصيام، وهو أنه يسبب التقوى؛ لأن الصيام يترك به الإنسان مألوفاته وشهواته ومرغوباته تقربًا إلى الله ﷾ فيكسبه التقوى، كما أنه يكسر أيضًا شهوة النفس وحدتها؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فمع تناول الشهوات يتسلط الشيطان، ومع ترك الشهوات يضعف مجرى الدم فيطرد الشيطان عن المسلم، ففي الصيام حصول التقوى التي هي جماع الخير كله.
فهذه فائدة الصيام أنه يسبب التقوى، تقوى الله ﷾، واتقاء المحارم والشهوات المحرمة؛ لأن الإنسان إذا
[ ١٩١ ]
ودليل الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] [٤١] .
_________________
(١) ترك المباحات طاعة لله كان من باب أولى أن يترك المحرمات، الصيام يدربه على تجنب الحرام، ويدربه على التمكن من نفسه الأمارة بالسوء، ويطرد عنه الشيطان، ويلين قلبه للطاعة، ولذلك تجد الصائم أقرب إلى الخير من المفطر، تجده يحرص على تلاوة القرآن وعلى الصلاة، ويذهب إلى المسجد مبكرًا، الصيام لينه للطاعة وهذبه، كل هذا داخل في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . فالشاهد من الآية قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ هذا دليل على فرضية الصيام، وفسره بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] لأن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ مجمل فسره بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
(٢) ادعى اليهود أنهم مسلمون، وأنهم على دين إبراهيم، فامتحنهم الله جل وعلا في هذه الآية وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
[ ١٩٢ ]