ثالثا: إحسان الصنعة وإتقانها، إذا صنع الإنسان شيئا أو عمل عملا فإنه يجب عليه أن يتقنه ويتمه.
النوع الأول: وهو الإحسان بين العبد وربه، بينه الرسول ﷺ «لما سأله جبريل بحضرة الصحابة كما يأتي، فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
فالإحسان بين العبد وبين ربه هو إتقانه العمل الذي كلفه الله به، بأن يأتي به صحيحا خالصا لوجه الله ﷿، عمل الإحسان بين العبد وربه ما توفر فيه الإخلاص لله ﷿، والمتابعة للرسول ﷺ، وقد بين النبي ﷺ أن الإحسان على مرتبتين، واحدة أعلى من الأخرى.
الأولي: أن تعبد الله كأنك تراه، بأن يبلغ بك اليقين والإيمان بالله كأنك تشاهد الله عيانا، ليس عندك تردد أو أي شك، بل كأن الله أمامك ﷾ تراه عيانا، فمن بلغ هذه المرتبة فقد بلغ غاية الإحسان، تعبد الله كأنك تراه من كمال اليقين وكمال الإخلاص، كأنك ترى الله عيانا، والله جل وعلا لا يرى في الدنيا، وإنما يرى في الآخرة، ولكن تراه بقلبك حتى كأنك تراه بعينيك، ولذلك يجازى أهل الإحسان بالآخرة بأن يروه ﷾، لما عبدوه وكأنهم يرونه
[ ٢٢٢ ]
في الدنيا جازاهم الله بأن أفسح لهم المجال بأن يروه بأبصارهم في دار النعيم.
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، الزيادة هي النظر لوجه الله، السبب أنهم أحسنوا في الدنيا، فأعطاهم الله الحسنى، وهي الجنة، وزادهم رؤية الله ﷿، تعبد الله كأنك تراه على المشاهدة، والمحبة والشوق إلى لقائه ﷾، تتلذذ بطاعته، وتطمئن إلى طاعته ﷾، تشتاق إليها، هذه طريقة المحسنين.
المرتبة الثانية: إذا لم تبلغ هذه المرتبة العظيمة فإنك تعبده على طريقة المراقبة، بأن تعلم أن الله يراك، ويعلم حالك، ويعلم ما في نفسك، فلا يليق بك أن تعصيه، وأن تخالف أمره، وهو يراك ويطلع عليك، وهذه حالة جيدة، ولكنها أقل من الأولى، وما دمت أنك تعلم أنه يراك فإنك تحسن عبادته وتتقنها؛ لأنك تعلم أن الله يراك، ولله المثل الأعلى لو كنت أمام مخلوق له منزلة وأمرك بأمر، وأنت تنفذ هذا الأمر أمامه وينظر إليك، هل يليق بك أن يقع منك إخلال بهذا الفعل؟
[ ٢٢٣ ]
الحاصل: أن الإحسان على مرتبتين:
مرتبة المشاهدة القلبية: وهي أن تعبد الله كأنك تراه من شدة اليقين والإيمان، كأنك ترى الله ﷿ عيانا.
والمرتبة الثانية: وهي أقل منها، أن تعبد الله وأنت تعلم أنه يراك ويطلع عليك، فلا تعصيه ولا تخالف أمره ﷾.
هذه مرتبة الإحسان، وهي أعلى مراتب الدين، من بلغها فإنه بلغ أعلى مراتب الدين، وقبلها مرتبة الإيمان، وقبلها مرتبة الإسلام.
فالدين دوائر:
الدائرة الأولى: الإسلام، وهي واسعة حتى إنه يدخل فيها المنافق، ويقال له مسلم ويعامل معاملة المسلمين؛ لأنه استسلم في الظاهر، فهو داخل في دائرة الإسلام، ويدخل فيها ضعيف الإيمان الذي ليس معه من الإيمان إلا مثقال حبة خردل.
الدائرة الثانية: وهي أضيق من الأولى وأخص، دائرة الإيمان، وهذه لا يدخل فيها المنافق النفاق الاعتقادي أبدا،
[ ٢٢٤ ]
دليل الإحسان
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧-٢٢٠]، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .
_________________
(١) وإنما يدخل فيها أهل الإيمان، وهم على قسمين: إيمان كامل، وإيمان ناقص، فيدخل فيها مؤمن فاسق، أو مؤمن تقي. الدائرة الثالثة: وهي أضيق من الثانية، دائرة الإحسان، وهي كما بينها النبي ﷺ، ولا يدخل فيها إلا أهل الإيمان الكامل.
(٢) هذا دليل المرتبة الأولى من الإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، دلت الآية أن الله مع المحسنين
[ ٢٢٥ ]