الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ: وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ: لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإيمان.
_________________
(١) فالإيمان أعم من الإسلام، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، فالإيمان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أهله. والإيمان في اللغة: التصديق، قال تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، أي: بمصدق لنا. وأما الإيمان في الشرع: فهو كما فسره أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وهو بهذا التفسير يكون حقيقة شرعية؛ لأن الحقائق ثلاث: حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية.
[ ١٩٧ ]
فتفسير الإيمان بهذا التفسير هو حقيقة شرعية، فالإيمان نقل من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي.
فالإيمان: قول باللسان، لا بد من النطق والاعتراف باللسان، واعتقاد بالقلب، لا بد من أن يكون ما ينطق به بلسانه معتقدا له بقلبه، وإلا كان مثل إيمان المنافقين الذين ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] .
ولا يكفي القول باللسان والاعتقاد بالقلب، بل لا بد من العمل بالجوارح أيضا، لا بد من أداء الفرائض، وتجنب المحرمات، فيفعل الطاعات، ويتجنب المحرمات، كل هذا من الإيمان، وهو بهذا التعريف يشمل الدين كله، لكن هذه الطاعات والشرائع الكثيرة منها ما هو جزء من حقيقة الإيمان للإيمان، ومنها ما هو مكملات للإيمان.
والإيمان له أركان وله شعب، وقد بينها النبي ﷺ في حديثين، بين أركان الإيمان في حديث جبريل، وبين شعب الإيمان في حديث «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، وهذا يأتي إن شاء الله.
والإيمان والإسلام إذا ذكرا جميعا صار لكل واحد معنى، وإذا ذكر منهما واحد فقط دخل في الآخر، فإذا ذكرا
[ ١٩٨ ]
جميعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وهي أركان الإسلام الخمسة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهي الأركان الستة، ومحلها القلب، ولا بد من اجتماعها في المسلم، لا بد أن يكون مسلما مؤمنا، يقيم أركان الإسلام، ويقيم أركان الإيمان، لا بد من اجتماعها.
قال ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة» روايتان.
قوله: بضع: البضع هو ما بين الثلاثة إلى التسعة، فإذا قيل: بضعة عشر: هو ما بين ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، وإذا قيل: بضع فقط فهو ما بين الثلاثة إلى التسعة.
قوله: شعبة: الشعبة هي القطعة من الشيء، أي: أن الأركان بضع وسبعون قطعة أو جزءا.
قوله: أعلاها: أي: أعلى هذه الشعب قول: لا إله إلا الله، فهي رأس الإسلام، ورأس الإيمان، وهي الركن الأول، وهي مدخل الدين.
[ ١٩٩ ]
قوله: أدناها أي: آخرها وأقلها.
قوله: إماطة الأذى عن الطريق أي: إزالة الأذى عن الطريق المسلوك، والأذى كل ما يؤذي الناس من شوك أو حجر أو قاذورات أو مخلفات، كل ما يؤذي الناس في طريقهم، ووضع الأذى في الطريق محرم؛ لأن الطريق للمارة، فالأذى يعطل المارة، أو يعرضهم للخطر، مثل أن يوقف سيارته في الطريق، هذا من الأذى، إرسال الماء من البيت في الطريق، هذا من الأذى، وضع القمامات في الطريق، هذا من الأذى، سواء كان الطريق في البلد أو في البر، وضع الحجارة، وضع الأخشاب، وضع الحديد بطرقات الناس، حفر الحفر في طرقات الناس، كل هذا من الأذى.
فإذا جاء مسلم وأزاح هذا الأذى، أخلى الطريق منه، فهذا دليل على إيمانه، فوضع الأذى في الطريق من شعب الكفر، وإزالة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان.
قوله: والحياء شعبة من الإيمان: الحياء خلق يجعله الله في الإنسان، يحمله على فعل ما يجمله ويزينه، ويمنعه مما يدنسه ويشينه، والحياء الذي يحمل صاحبه على الخير، ويبعده عن الشر، هذا محمود، أما الحياء الذي يمنع الإنسان
[ ٢٠٠ ]
أركان الإيمان
قال: وأركانه ستة: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
_________________
(١) من فعل الخير، وطلب العلم، والسؤال عما أشكل عليه، فهذا حياء مذموم لأنه خجل. وشعب الإيمان كثيرة كما عرفتم، بضع وسبعون، وقد كتب الإمام البيهقي مؤلفا كبيرا بين فيه شعب الإيمان، وله مختصر مطبوع. ومن أدلة العلماء على أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، قوله ﷺ: «أعلاها لا إله إلا الله»، هذا يدل على القول، وقوله ﷺ: «أدناها إماطة الأذى عن الطريق»، هذا عمل دل على أن الأعمال من الإيمان، وقوله ﷺ: «الحياء شعبة من الإيمان»، هذا في القلب، الحياء إنما يكون في القلب، فهذا دليل على أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.
(٢) الإيمان يتكون من أركان وشعب، فما الفرق بينهما؟
[ ٢٠١ ]