العقائد على أدلة الكتاب والسنة، وعلى النظر في آيات الله الكونية من أجل أن ترسخ وتثبت في القلب، وتزول جميع الشبه.
وأما العقائد المبنية على الشبهات وعلى الشكوك وعلى أقوال الناس والتقليد الأعمى فإنها عقائد زائلة لا تثبت، وهي عرضة للنقض، وعرضة للإبطال.
فلا تثبت العقيدة ولا سائر الأحكام الشرعية إلا بأدلة الكتاب والسنة، وبالأدلة العقلية المسلمة. ولهذا أكثر الشيخ - ﵀ - من سياق الأدلة على هذه الأصول الثلاثة، فلا يمر أصل منها إلا وقد دعمه بالأدلة والبراهين اليقينية التي تطرد الشكوك والأهواء، وترسخ العقيدة في القلب.
قوله - ﵀ -: فإذا قيل لك: أي سئلت من ربك؟ وهذا سؤال وارد ستسأل عنه في الدنيا والآخرة، فلا بد أن تعرف ربك - ﷿ - وأن تجيب بجواب صحيح مبني على اليقين والبرهان، فقل: ربي الله - هذا هو الجواب - الذي رباني، وربى جميع العالمين بنعمه، هذا استدلال عقلي.
فالرب - جل وعلا - هو الذي يربي جميع عباده بنعمه، ويغذيهم برزقه، يخلقهم - بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا -
[ ٩٥ ]
في بطون أمهاتهم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث، ويوصل إليهم الرزق حتى في بطون أمهاتهم؛ ولذلك ينمو جسم الجنين في بطن أمه ويكبر، لأنه يصل إليه الرزق من الله ﷾، ويصل إليه الغذاء.
ثم تنفخ فيه الروح فيتحرك ويحيا بإذن الله، هذه تربية في البطن، ثم إذا خرج فإن الله سبحانه يربيه بنعمه بالصحة والعافية، ويدر عليه لبن أمه، فيتغذى إلى أن يأكل الطعام ويستغني عن الحليب، ثم ينمو شيئا فشيئا، عقله وسمعه وبصره، ينمو شيئا فشيئا حتى يبلغ الحلم، ثم ينمو وينمو حتى يبلغ أشده ويبلغ أربعين سنة، ويكون في غاية القوة.
فمن الذي يغذيه من يوم أن خلقه في بطن أمه إلى أن يموت، من الذي يغذيه، ثم من الذي يسوغ هذا الطعام وهذا الشراب في جسمه، فيصل إلى كل خلية وعضلة، وإلى كل مكان في جسمه، من الذي يشهي إليه الطعام والشراب، من الذي يصرفه ويخرج منه ضرره، من الذي يفعل هذا ويربي هذا الإنسان، أليس هو الله ﷾؟ هذا هو الرب ﷾ الذي يربي، الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته.
[ ٩٦ ]
وهو معبودي ليس لي معبود سواه
_________________
(١) كل ما على وجه الأرض من العوالم الآدمية والحيوانية، وعالم البر والبحر، من أكبر مخلوق إلى أصغر مخلوق، في البر والبحر، كلها تتغذى بنعمه ورزقه، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] . وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] . هذا هو الرب سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [يونس: ٣] أما غير الله - جل وعلا - فلا يملك من ذلك شيئا، لا الأصنام ولا غيرها، لا أحد يملك من الرزق شيئا، وإنما هو مرزوق، مخلوق مثلك.
(٢) قوله: وهو معبودي: الرب الذي هذا شأنه هو الذي يستحق العبادة مني ومن غيري، ثم أيضا نبه الشيخ - ﵀ - أنه لا يكفي الإقرار بالربوبية، لا يكفي أن تقول ربي الله الذي رباني بنعمه. هذا لا يكفي، لا بد أن تعترف له بالعبودية، وأن تخلص له بالعبادة، وهذا هو الفرق ما بين الموحد والمشرك، فالموحد يقر بربوبية الله - ﷿ - وبعبوديته وحده لا شريك له،
[ ٩٧ ]
والمشرك يقر بربوبية الله، ولكنه مشرك في عبادته، يشرك معه غيره في عبادته، يشرك معه من لا يخلق ولا يرزق ولا يملك شيئا، هذا هو الفرق ما بين الموحد والمشرك؛ الموحد يقول: ربي الله، وهو معبودي، وليس لي معبود سواه، أما المشرك يقول: ربي الله؛ لكن العبادة عنده ليست خاصة بالله، فيعبد مع الله الأشجار والأحجار والأولياء والصالحين والقبور، فلذلك صار مشركا، ولم ينفعه الإقرار بالربوبية، ولم يدخله في الإسلام.
فقوله: وهو معبودي: أي الإله الذي أعبده.
وقوله: ليس لي معبود سواه: لا من الملائكة ولا من الرسل ولا من الصالحين ولا من الأشجار والأحجار ولا من أي شيء، ليس لي معبود سواه ﷾، هذا تقرير التوحيد بالدليل، وهذا دليل عقلي، ثم ذكر الدليل النقلي من القرآن.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
هذه الآية هي أول القرآن في المصحف، ليس قبلها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آخر كلام أهل الجنة، قال
[ ٩٨ ]
تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، والله - جل وعلا - افتتح بها الخلق، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . وختم بها الخلق، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] فتح بها الخلق وختم بها، فهي كلمة عظيمة.
فقوله تعالى: الحمد: الثناء على المحمود مع محبته وإجلاله، و(أل): في الحمد للاستغراق، أي جميع المحامد لله ملكا واستحقاقا، فهو المستحق للحمد المطلق، وأما غيره فيحمد على قدر ما يفعل من الجميل ومن الخير، وأما الحمد المطلق الكامل فهو لله - ﷿ - لأن النعم كلها منه.
وحتى المخلوق إذا أسدى إليك شيئا من الإحسان فإنه من الله - ﷿ - هو الذي سخر لك هذا المخلوق، وهو الذي مكنه من أن يحسن إليك، فالحمد يرجع إلى الله ﷾.
وقوله: لله: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، أي: الحمد كائن أو مستقر لله - ﷿ -.
[ ٩٩ ]
والله: معناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وهذا الاسم لا يسمى به غيره سبحانه، لا أحد تسمى بالله، حتى فرعون ما قال أنا الله، لكنه قال: أنا ربكم، فهذا الاسم خاص بالله، لا أحد يتسمى به أبدا، ولا أحد يجرؤ أن يقول أنا الله.
رب: نعت لاسم الجلالة، وهو مجرور، وهو مضاف.
العالمين: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
فواضح أن الحمد كله والثناء كله لله رب العالمين.
وعالم الملائكة وعالم الجمادات والطيور وعالم السباع وعالم الحيوانات وعالم الحشرات والذر، عوالم في البر والبحر لا يعلمها إلا الله، ولا يحصيها إلا الله، كلها الله ربها.
رب العالمين: وهذا لا يقال إلا على الله سبحانه - ﷿ -، لا يمكن لأحد أن يقال له: رب العالمين.
فإذا قيل: الرب: فهذا لا يطلق إلا على الله - جل وعلا - ولا ينصرف إلا إليه، أما المخلوق فيقيد، فيقال: رب الدار، رب البهيمة، أي: مالكها وصاحبها.
[ ١٠٠ ]
وكل ما سِوَى اللهِ عَالَمٌ وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العالم
_________________
(١) ثم بين الشيخ - ﵀ - وجه الاستدلال بهذه الآية. فقوله: وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم: فيكون الله ربي؛ لأن الله رب العالمين، وأنا واحد من العالمين، فيكون الله ربي، فلا أحد يستطيع أن يقول: أنا لي رب غير رب العالمين، لا الكافر ولا المسلم، هذا لا يمكن أبدا، ولا يقوله عاقل، هذا دليل على ربوبية الله - ﷿ - وما دام أنه رب العالمين فهو المستحق للعبادة، وهذا يبطل عبادة غيره ﷾، ولذلك قال بعدها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . وهذا يفيد الحصر، لأن تقديم المعمول - إياك - وتأخير العامل - نعبد - يدل على الحصر، فإياك نعبد يختلف عن نعبدك، لأن نعبد هذا إثبات فقط، لكن إياك نعبد يتضمن النفي والإثبات، أي لا نعبد غيرك، والعبادة لا تصح إلا مع النفي والإثبات، وهو معنى لا إله إلا الله، فيها نفي وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله، وإثباتها لله - ﷿ -.
[ ١٠١ ]