فإذا قيل لك بما عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته
_________________
(١) أنت قلت: الله ربي، أو ربي الله الذي رباني بنعمه، ما هو الدليل على أن الله ربك الذي رباك بنعمه؟ جاء الشيخ بأدلة من الوحي ومن العقل كما سيأتي، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ لأن من ادعى شيئا فلا بد أن يقيم الدليل على دعواه: والدعاوى إذا لم يقيموا عليها بينات أهلها أدعياء لا بد لكل مدع أن يقيم الدليل على دعواه، وإلا كانت دعواه غير صحيحة، أنت قلت: ربي الله الذي رباني، وربى جميع العالمين بنعمه، ما الدليل؟ فقل: الدليل آياته ومخلوقاته. الآيات: جمع آية، والآية لغة: العلامة على الشيء، والدلالة على الشيء، كما قال - ﷺ -: " «آية المنافق ثلاث» " أي: علامته. قوله: بآياته: أي العلامات والدلالات الدالة عليه ﷾. فجميع هذه الكائنات التي ترونها كلها
[ ١٠٢ ]
كانت معدومة، ثم إن الله أوجدها وخلقها بقدرته ﷾.
ومنها خلق يتجدد مثل النبات والمواليد وأشياء ما كانت موجودة ثم وجدت، وأنتم تنظرون إليها، من الذي يخلقها؟ هو الله ﷾. هل تخلق نفسها، هل أحد من البشر خلقها؟ لا أحد ادعى هذا ولا يستطيع أن يدعي.
قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦] . هذه الأشياء ما أوجدت نفسها، أو أوجدها غيرها من المخلوقات، أبدا ما أحد خلق شجرة، ما أحد خلق بعوضة أو ذبابا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] .
فهذا الخلق يدل على الخالق ﷾، ولهذا لما قيل لأعرابي على البديهة بم عرفت ربك؟ قال: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، ألا يدل هذا الكون على اللطيف الخبير.
إذا رأيت أثر قدم على الأرض أما يدلك هذا على أن أحدا مشى على هذه الأرض، إذا رأيت بعر بعير، ألا يدلك
[ ١٠٣ ]
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته: السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما
_________________
(١) هذا على أن هذه الأرض فيها إبل، أو مر عليها بعير، البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير.
(٢) قوله: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر: فالآيات على قسمين: آيات كونية تشاهد مثل السماوات والأرض والنجوم والشمس والقمر والجبال والشجر والبحار، سميت آيات، لأن بها دلالات على خالقها ﷾، ولهذا يقول الشاعر: فيا عجبا كيف يعصى الإل هـ أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ولله في كل تحريكة وتسكينة في الورى شاهد فكيف يجحد أحد الله - جل وعلا - ويقول: ليس هناك رب، هذا الكون كله، وهذه المخلوقات وجدت من غير خالق، وإن وجدت بخالق فمن هو هذا الخالق غير الله - جل وعلا - بين لي؟ لا تجد خالقا غير الله ﷾:
[ ١٠٤ ]
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] .
القسم الثاني: الآيات القرآنية التي تتلى من الوحي المنزل على الرسول - ﷺ - هذه كلها أدلة على وجود الرب ﷾، وعلى كماله وصفاته وأسمائه، وعلى أنه مستحق للعبادة وحده لا شريك له، كلها تدل على ذلك، الآيات الكونية والآيات القرآنية.
الآيات الكونية تدل على خالقها وموجدها ومدبرها، والآيات القرآنية فيها الأمر بعبادة الله، وفيها تقرير توحيد الربوبية، والاستدلال به على توحيد الألوهية، والأمر بعبادة الله ﷾، كل القرآن يدور على هذا المعنى، وأنزل من أجل هذا المعنى.
ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، هذه من أعظم آياته ﷾، الليل المظلم الذي يغطي هذا الكون، والنهار المضيء الذي يضيء هذا الكون، فينتشر الناس لأشغالهم، قال تعالى:
[ ١٠٥ ]
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣] .
هذا من أعظم آيات الله، هذا الليل وهذا النهار، لا الوقت كله ليل، ولا الوقت كله نهار، لأنه لو كان كذلك تعطلت مصالح العباد وتعبوا.
جعل الله لهم الليل والنهار يتعاقبان، ثم إن الليل والنهار منتظمان لا يتخلف واحد منهما ولا يتغير، على نظام واحد، مما يدل على حكمة الحكيم ﷾، أفعال العباد وصناعاتهم تخرب وتختلف مهما كانت وتتعطل، وأما مخلوقات الله - ﷿ - فإنها لا تخرب إلا في وقت يأذن الله فيه بخرابها.
فالليل والنهار مستمران، لم يتعطل أحد فيهما، بينما صناعة الخلق تتعطل وتخرب وتفنى، وإن كانت قوية أو ضخمة.
كم تشاهدون من السيارات المرمية والطائرات والبواخر، مع أنها قوية ومعتنى بها، لكنها تخرب وتتعطل، هل تعطل
[ ١٠٦ ]
الدليل على ربوبيته وإلاهيته ﷾
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]
_________________
(١) الليل أو تعطل النهار؟ لأن صانعه قدير حكيم - جل وعلا -: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] .
(٢) هذا دليل على ربوبيته وإلهيته ﷾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ . الشمس والقمر: الشمس الكوكب العظيم الذي يضيء الكون سراجا وهاجا، كما قال الله تعالى، والقمر نور يضيء الليل، ويضيء الطريق للناس، ومن مصالحهما أيضا إصلاح الكون بأشجاره وثماره وبحاره، فلو اختفت الشمس عن الكون لتضرر الكون وفسدت كثير من معايش الناس ومصالحهم، ولو اختفى القمر كذلك، القمر أيضا فيه منافع للثمار والأشجار، مع ما فيه أيضا من معرفة الحساب،، قال تعالى:
[ ١٠٧ ]