معناها ودليلها
فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ الله الحرام.
_________________
(١) لا يقوم الإسلام إلا على هذه الأركان، إذا فُقِدَتْ فإن الإسلام لا يستقيم، وبقية الطاعات مكملات لهذه الأركان، كل الطاعات وأفعال الخير كلها مكملات لهذه الأركان، ولهذا «سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة قال: أخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» . ففسر الإسلام بأنه هذه الأركان الخمسة، لكن حديث ابن عمر بين أن هذه الخمسة هي مباني الإسلام فقال: «بني»
[ ١٦٢ ]
فدليل الشهادة: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] [٣٣] .
_________________
(١) «الإسلام على خمس» أي: أن هذه الخمس ليست هي الإسلام كله لكنها أركانه ومبانيه التي يقوم عليها وبقية المشروعات مكملات ومتممات لهذه الأركان.
(٢) قوله تعالى: شهد، أي حكم وقضى وأعلم وبين وألزم، فالشهادة من الله تدور على هذه المعاني الخمسة: الحكم والقضاء والإعلان والبيان والإلزام. فمعنى شهد، أي: قضى سبحانه وأعلم وأخبر وألزم عباده بذلك، أنه لا إله إلا هو. لا إله: لا نافية تنفي جميع ما عبد من دون الله. إلا هو: مثبت العبادة لله وحده ومعنى أنه لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا الله ﷾، أما من عبد غير الله فإن عبادته باطلة لقوله تعالى:
[ ١٦٣ ]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]
شهد لنفسه ﷾ بالوحدانية وهو أصدق القائلين، وشهادته ﷾ أصدق الشهادات؛ لأنها صادرة عن حكيم خبير عليم، يعلم كل شيء فهي شهادة صادقة والملائكة: شهدوا أنه لا إله إلا هو، وهم عالم خلقهم الله لعبادته، ملائكة كرام عباد مكرمون خلقهم الله لعبادته، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأيضًا خلقهم الله لتنفيذ أوامره في الكون، وكل إليهم تنفيذ ما يأمر به ﷾ من أمور الكون، فكل ملك منهم موكل بعمل، وشهادتهم شهادة صدق؛ لأنهم أهل علم وعبادة ومعرفة بالله ﷿، وهم من أفضل الخلق على الخلاف، هل صالح البشر أفضل من الملائكة أو الملائكة أفضل من صالح البشر، على خلاف.
وأولو العلم: صنفان؛ الملائكة، والصنف الثاني أولو العلم من البشر، وأولو العلم لا يشهدون إلا بما هو حق، بخلاف الجهال لا اعتبار بشهادتهم، وكل عالم من خلق الله يشهد لله بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو، وهذا فيه تشريف
[ ١٦٤ ]
لأهل العلم حيث إن الله قرن شهادتهم مع شهادته ﷾ وشهادة ملائكته، اعتبر شهادة أهل العلم من الخلق ودل على فضلهم وشرفهم ومكانتهم، على أعظم مشهود به وهو التوحيد.
والمراد بأولي العلم، أهل العلم الشرعي لا كما يقوله بعض الناس: إن أهل العلم المراد بهم أهل الصناعة والزراعة فهؤلاء لا يقال لهم أهل العلم على وجه الإطلاق؛ لأن علمهم محدود مقيد، بل يقال: هذا عالم بالحساب، عالم بالهندسة، عالم بالطب، ولا يقال لهم: أهل العلم مطلقًا؛ لأن هذا لا يطلق إلا على أهل العلم الشرعي، وأيضًا أكثر هؤلاء أهل علم دنيوي، وفيهم ملاحدة يزيدهم علمهم -غالبًا- جهلًا بالله ﷿، وغرورًا وإلحادًا كما تشاهدون الآن في الأمم الكافرة، متقدمون في الصناعات وفي الزراعة لكنهم كفار، فكيف يقال: إنهم أهل العلم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هذا غير معقول أبدا.
وكذلك قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] المراد علماء الشرع الذين يعرفون الله حق معرفته
[ ١٦٥ ]
ويعبدونه حق عبادته ويخشونه، أما هؤلاء فأغلبهم لا يخشون الله ﷿ بل يكفرون بالله ويجحدونه، ويدعون أن العالم ليس له رب، وإنما الطبيعة هي التي توجده وتتصرف فيه، كما هو عند الشيوعيين، إنهم ينكرون الرب ﷾ مع أن عندهم علما دنيويًّا كيف نقول: إن هؤلاء هم أهل العلم.
هذا غلط، فالعلم لا يطلق إلا على أهله، وهو لقب شريف لا يطلق على الملاحدة والكفار، ويقال: هؤلاء أهل العلم.
فالملائكة وأولو العلم شهدوا لله بالوحدانية، إذًا لا عبرة بقول غيرهم من الملاحدة والمشركين والصابئين الذين يكفرون بالله ﷿، هؤلاء لا عبرة بهم ولا بقولهم؛ لأنه مخالف لشهادة الله وشهادة ملائكته وشهادة أولي العلم من خلقه.
وقوله " قائمًا بالقسط ": منصوب على الحال من شهد، أي: حالة كونه قائمًا ﷾، والقسط: العدل، أي أن الله ﷾ قائم بالعدل في كل شيء
[ ١٦٦ ]
ومعناها لا معبود بحق إلا الله، (لا اله) نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دون الله (إلا الله) مثبتًا العبادة له وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ كَمَا أنه ليس له شريك في ملكه.
_________________
(١) والعدل ضد الجور، وهو ﷾ حكم عدل لا يصدر عنه إلا العدل في كل شيء. لا إله إلا هو: تأكيد للجملة الأولى. العزيز الحكيم: اسمان لله ﷿ يتضمنان صفتين من صفاته وهما العزة والحكمة.
(٢) قوله: ومعناها لا معبود بحق إلا الله، أي معنى لا إله إلا الله ليس كما يقول أهل الباطل: لا خالق ولا رازق إلا الله؛ لأن هذا توحيد الربوبية يقر به المشركون، وهم لا يقولون: لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] آلهتنا، أي: معبوداتنا ﴿لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يعنون الرسول ﷺ وصفوه بالشعر والجنون؛ لأنه قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام.
[ ١٦٧ ]
ولما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] يحسبون الآلهة متعددة.
فدل على أن معناها لا معبود بحق إلا الله، ولو كان معناها لا خالق ولا رازق إلا الله، فإن هذا يقرون به ولا يمارون فيه، فلو كان هذا معناها، ما امتنعوا من قول لا إله إلا الله؛ لأنهم يقولون إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض يقولون: الله، إذا سئلوا من الذي يخلق؟ من الذي يرزق؟ من الذي يحيي ويميت؟ ويدبر الأرض؟ يقولون: الله. هم يعترفون بهذا فلو كان هذا معنى لا إله إلا الله لأقروا بهذا، لكن معناها لا معبود بحق إلا الله.
لو قلت: لا معبود إلا الله، هذا غلط كبير؛ لأن المعبودات كلها تكون هي الله -تعالى الله عن هذا- لكن إذا قيدتها وقلت: بحق، انتفت المعبودات كلها إلا الله ﷾، لا بد أن تقول لا معبود حق، أو لا معبود بحق إلا الله. ثم بين ذلك على لفظ الكلمة.
لا إله: النفي، نفي للعبودية عما سوى الله.
إلا الله: هذا إثبات للعبودية لله وحده لا شريك له.
[ ١٦٨ ]
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٨] [٣٥] .
_________________
(١) فلا إله إلا الله تشتمل على نفي وإثبات، ولا بد في التوحيد من النفي والإثبات لا يكفي الإثبات وحده، ولا يكفي النفي وحده، بل لا بد من النفي والإثبات كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] . فلو قلت: الله إله، هذا لا يكفي، اللات إله، والعزى إله، ومناة إله، كل الأصنام تسمى آلهة. فلا بد أن تقول: لا إله إلا الله، فلا بد من الجمع بين النفي والإثبات حتى يتحقق التوحيد وينتفي الشرك.
(٢) خير ما يفسر القرآن القرآنُ، فلا إله إلا الله فسرها الله في القرآن، وذلك في قول الخليل ﵊ فيما ذكر الله عنه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ هذا النفي لا إله، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: يعني إلا الله، هذا الإثبات. فهذه الآية تفسير معنى لا إله إلا الله تمامًا.
[ ١٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] [٣٦] .
_________________
(١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ هذه الآية من سورة آل عمران نزلت في وفد نجران النصارى الذين قدموا على النبي ﷺ وناظروه وسألوه، وحصل بينهم وبينه كلام طويل، وهم نصارى من نصارى العرب، وفي النهاية طلب النبي ﷺ منهم المباهلة: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] . فلما طلب منهم المباهلة خافوا ولم يباهلوه ﵊، ودفعوا له الجزية؛ لأنهم يعلمون أنهم على باطل، وأنه رسول الله ﷺ. نبتهل: أي ندعو باللعنة على الكاذب منا، وكانوا يعلمون أنهم هم الكاذبون، ولو باهلوه لنزلت عليهم النار
[ ١٧٠ ]
وأحرقتهم في مكانهم، فقالوا: لا، لكن ندفع الجزية ولا نباهلكم، فقبل النبي ﷺ منهم الجزية، لقد تبين أن الله أمره بما في هذه الآية.
وهذه الآية فيها معنى لا إله إلا الله، قوله: ألا نعبد هذا النفي، وقوله: إلا الله هذا الإثبات، وهذا هو العدل الذي قامت له السماوات والأرض، فالسماوات والأرض قامت على التوحيد والعدل، لا نشرك في عبادته شيئًا لا المسيح الذي تزعمون أنه رب وتعبدونه من دون الله، ولا غير المسيح ولا محمد ﵊، ولا أحد من الأنبياء ولا من الصالحين ولا من الأولياء، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ .
﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كما اتخذتم الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] واتخاذ الأحبار والرهبان من دون الله بينه رسول الله ﷺ في أنه طاعتهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل
[ ١٧١ ]
الله هذا معنى اتخاذهم أربابًا من دون الله، إذا كانوا يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل، فإذا أطاعوهم في ذلك، فقد اتخذوهم أربابا؛ لأن الذي يشرع للناس ويحلل ويحرم هو الله ﷾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: ولم يقبلوا دعوة التوحيد. ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أشهدوهم على أنكم موحدون وأنهم كفار، بينوا لهم بطلان ما هم عليه، ففي هذه الآية البراءة من دين المشركين والمصارحة بذلك، اشهدوا بأنا مسلمون ففي هذا وجوب إعلان بطلان ما عليه المشركون وعدم السكوت عن ذلك، والإعلان عن بطلان الشرك والرد على أهله.
والخلاصة:
أن لا إله إلا الله لها ركنان: هما النفي والإثبات، فإذا قيل لك: ما هي أركان لا إله إلا الله، فتقول النفي والإثبات.
[ ١٧٢ ]
وشروطها سبعة لا تنفع إلا بهذه الشروط نظمها بعضهم بقوله:
علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها
فالعلم: ضده الجهل، فالذي يقول: لا إله إلا الله بلسانه ويجهل معناها هذا لا تنفعه لا إله إلا اله.
واليقين: فلا يكون عنده شك؛ لأن بعض الناس قد يعلم معناها ولكن عنده شك في ذلك، فليس علمه بصحيح، لا بد أن يكون عنده يقين بلا إله إلا الله وأنها حق.
والإخلاص: ضده الشرك، بعض الناس يقول: لا إله إلا الله؛ ولكنه لا يترك الشرك، مثل ما هو الواقع الآن عند عباد القبور، هؤلاء لا تنفعهم لا إله إلا الله؛ لأن من شروطها ترك الشرك.
والصدق: ضده الكذب؛ لأن المنافقين يقولون: لا إله إلا الله؛ لكنهم كاذبون في قلوبهم، لا يعتقدون معناها، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:١، ٢] .
[ ١٧٣ ]
والمحبة: أن تكون محبًّا لهذه الكلمة وليًّا لأهلها، أما الذي لا يحبها أو لا يحب أهلها فإنها لا تنفعه.
والانقياد: ضد الإعراض والترك، وهو الانقياد لما تدل عليه من عبادة الله وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، ما دمت اعترفت وشهدت أنه لا إله إلا الله يلزمك أن تنقاد لأحكامه ودينه، أما أن تقول: لا إله إلا الله، ولا تنقاد لأحكام الله وشرعه فإنها لا تنفعك لا إله إلا الله.
والقبول: القبول المنافي للرد، بأن لا ترد شيئًا من حقوق لا إله إلا الله، وما تدل عليه بل تقبل كل ما تدل عليه لا إله إلا الله، تتقبله تقبلًا صحيحًا.
وزيد شرط ثامن:
وزيد ثامنها الكفران بما مع الإله من الأشياء قد ألها
أي: البراءة من الشرك، فلا يكون موحدًا حتى يتبرأ من الشرك: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] .
هذه شروط لا إله إلا الله، ثمانية شروط.
[ ١٧٤ ]
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] [٣٧] .
_________________
(١) الركن الأول من أركان الإسلام مكون من شيئين: الأول: شهادة أن لا إله إلا الله. والثاني: شهادة أن محمدًا رسول الله. فهما ركن واحد، الشق الأول: يعني الإخلاص في العبادة، والشق الثاني: يعني متابعة الرسول ﷺ. ودليل شهادة أن محمدا رسول الله قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وأدلة شهادة أن محمدا رسول الله كثيرة من الكتاب والسنة والمعجزات الباهرات الدالة على رسالته ﷺ، ومن الكتاب هذه الآية، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
[ ١٧٥ ]
فهذه شهادة من الله لهذا الرسول ﷺ بالرسالة وبيان صفاته.
قوله تعالى: لقد جاءكم: اللام هذه لام القسم، ففيها قسم مقدر، تقديره والله لقد جاءكم.
قد: حرف تحقيق وتأكيد بعد تأكيد.
جاءكم: أيها الناس، هذا خطاب لجميع الناس؛ لأن رسالته ﷺ عامة لجميع الثقلين، الإنس والجن.
رسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، سمي رسولًا؛ لأنه مرسل من قبل الله ﷾.
من أنفسكم: أي من جنسكم من البشر، وليس ملكًا من الملائكة، وهذه سنة الله ﷾ أنه يرسل إلى البشر رسلًا منهم من أجل البيان، ومن أجل أن يتخاطبوا معهم، ولأنهم يعرفونه، لو أرسل إليهم ملكا ما استطاعوا أن يتخاطبوا معه؛ لأنه ليس من جنسهم، وأيضًا لا يقدرون على رؤية الملك؛ لأنه ليس من جنسهم، من رحمته ﷾ أن أرسل إلى الناس رسولًا من جنسهم، بل ومن العرب ومن أشرف بيوت العرب نسبًا، من بني هاشم الذين
[ ١٧٦ ]
هم أشرف أنساب قريش، وقريش أشرف أنساب العرب، فهو خيار من خيار يعرفونه، ويعرفون شخصه، ويعرفون نسبه، ويعرفون قبيلته، ويعرفون بلده، ولو كانوا لا يعرفونه فكيف يصدقونه؟ ولو كان بغير لغتهم فكيف يفهمون كلامه؟ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ .
فقوله: عزيز: يعني شاق عليه ﷺ.
ما عنتم: يعني ما يشق عليكم، العنت معناه: التعب والمشقة، والرسول ﷺ يشق عليه ما يشق على أمته، وكان لا يريد لها المشقة وإنما يريد لها اليسر والسهولة.
ولذلك جاءت شريعته ﷺ سهلة سمحة، قال ﷺ: «بعثت بالحنيفية السمحة» قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] فشريعته سهلة تتماشى مع قدرة الناس واستطاعة المكلفين ولا تحملهم ما لا يطيقون.
[ ١٧٧ ]
ولهذا كان النبي ﷺ يحب لهم التيسير، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وكان يحب أن يأتي بالعمل ويتركه شفقة بأمته، يترك العمل وهو يحب أن يأتي به من الأعمال الصالحة من أجل أن لا يشق على أمته، هذه من صفاته، أنه يشق عليه ما يشق على أمته، ويسر بسرورها، ويفرح بفرحها، ومن كانت هذه صفته فلا شك أنه لا يأتي إلا بالخير والرحمة ﷺ.
حريص عليكم؛ أي: على هدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور، ولذلك كان يتحمل المشاق في دعوة الناس طلبًا لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى قال الله له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] أي لعلك مهلك نفسك أن لا يكونوا مؤمنين من أجل الحزن عليهم، فلا تحزن عليهم، وهذا من كمال نصحه ﷺ.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
رءوف: من الرأفة وهي الرفق واللطف.
رحيم: وصفه بالرحمة فليس بغليظ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
[ ١٧٨ ]
كان ﷺ متواضعًا لينا مع المؤمنين، يخفض لهم جناحه ويستقبلهم بالبشر والمحبة والعطف والإحسان، هذه من صفاته ﷺ.
ذكر الله خمس صفات في هذا الرسول ﷺ.
الأولى: أنه منكم.
الثانية: عزيز عليه ما عنتم.
الثالثة: حريص عليكم.
الرابعة: بالمؤمنين رءوف.
الخامسة: رحيم.
خمس صفات من صفات هذا النبي ﷺ، وخص المؤمنين بالرأفة والرحمة؛ لأنه ﷺ كان غليظًا على المشركين والمعاندين، يغضب لغضب الله ﷾، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] الرحمة والرأفة خاصة بالمؤمنين، وهكذا المؤمنون بعضهم مع بعض: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] هذه صفاته ﷺ.
[ ١٧٩ ]
وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
_________________
(١) شهادة أن محمدًا رسول الله لها معنى ومقتضى ليست لفظًا يقال فقط. فمعناها أن تعترف بلسانك وبقلبك أنه رسول الله، تنطق بلسانك وتعتقد ذلك بقلبك أنه رسول الله ﷺ، أما التلفظ باللسان والإنكار بالقلب فهذه طريقة المنافقين كما أخبرنا الله عنهم بقوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ١، ٢] جعلوا أيمانهم، أي: شهاداتهم سترة يسترون بها، فصدوا عن سبيل الله، فدل على أن النطق باللسان لا يكفي. وكذلك اعتقاد القلب مع عدم النطق باللسان لمن يقدر على النطق أيضًا لا يكفي، فإن المشركين يعلمون أنه رسول الله لكنهم يعاندون، كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . فهم بقلوبهم يعترفون بالرسالة، ويعرفون أنه رسول الله، لكن منعهم الكبر ومنعهم العناد من الإقرار برسالته.
[ ١٨٠ ]
وكذلك منعهم الحسد كما عند اليهود وعند مشركي العرب، وكان أبو جهل عمرو بن هشام يعترف ويقول: كنا نحن وبنو هاشم متساوين في كل الأمور لكنهم قالوا: منا رسول وليس منكم رسول من أين نأتي برسول؟ فلذلك أنكروا رسالته حسدًا لبني هاشم. ويقول أبو طالب في قصيدته:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا
يعترف بقلبه برسالة محمد لكن منعته الحمية الجاهلية لقومه فلم يكفر بدين عبد المطلب الذي هو عبادة الأصنام، فهم يعترفون بنبوته بقلوبهم، فلا يكفي الاعتراف بالقلب أنه رسول الله بل لا بد أن ينطق بلسانه.
ثم لا يكفي النطق باللسان والاعتراف بالقلب، بل لا بد من أمر ثالث وهو الاتباع، قال الله تعالى فيه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
[ ١٨١ ]
حتى لو نصره مثل أبي طالب وحامى دونه، وهو يعرف أنه رسول الله لكن لم يتبعه، فإنه ليس بمسلم حتى يتبعه، ولهذا قال الشيخ: وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
فلا بد مع الاعتراف برسالته ظاهرًا وباطنًا واعتقادًا، ولا بد من اتباعه ﷺ، ويتلخص ذلك في هذه الأربع كلمات التي ذكرها الشيخ ﵀:
الأولى: طاعته فيما أمر: يقول الله جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] .
فقرن طاعة الرسول مع طاعته ﷾، وقرن معصية الرسول مع معصيته ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] وقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] فلا بد من طاعته ﷺ، فالذي يشهد أنه رسول الله تلزمه طاعته فيما أمر لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
[ ١٨٢ ]
وقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، عن أمره: أي عن أمر الرسول فلا بد من طاعة الرسول ﷺ.
الثانية: تصديقه فيما أخبر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر عن أمور كثيرة مغيبة، أخبر عن الله وعن الملائكة، وأخبر عن أمور غائبة، وأخبر عن أمور مستقبلة من قيام الساعة وأشراط الساعة والجنة والنار، وأخبر عن أمور ماضية عن أحوال الأمم السابقة، فلا بد من تصديقه فيما أخبر؛ لأنه صدق لا كذب فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
الرسول ﷺ لا يتكلم بهذه الأخبار أو هذه الأوامر والنواهي، لا يتكلم بشيء من عنده ﵊، إنما يتكلم بوحي من الله ﷿ فأخباره صدق، ومن لم يصدقه فيما أخبر فليس بمؤمن ولا صادق في شهادته أنه رسول الله، كيف يشهد أنه رسول الله ويكذبه في أخباره؟ كيف يشهد أنه رسول الله ولا يطيع أمره؟! .
الثالثة: اجتناب ما نهى عنه وزجر: اجتنب ما نهاك عنه الرسول ﷺ؛ نهاك عن أقوال وأفعال وصفات كثيرة، ولا
[ ١٨٣ ]
ينهى ﷺ إلا عن شيء فيه ضرر وفيه شر، ولا يأمر إلا بشيء فيه خير وفيه بر، فإذا لم يجتنب ما نهى عنه رسول الله ﷺ لم يكن شاهدًا له بالرسالة بل صار متناقضًا، كيف يشهد أنه رسول الله ولا يجتنب ما نهاه عنه الرسول ﷺ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] قال ﷺ: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فلا بد من اجتناب ما نهى عنه ﷺ.
الرابعة: أن لا يُعبد الله إلا بما شرع: تقيد في العبادات بما شرعه الله لرسوله ﷺ فلا تأت بعبادة لم يشرعها الرسول ﷺ، وإن كان قصده حسنًا، وإن كنت تريد الأجر، لكن هذا عمل باطل؛ لأنه لم يأت به الرسول ﷺ. النية لا تكفي بل لا بد من الاتباع.
فالعبادات توقيفية لا يجوز الإتيان بعبادات لم يشرعها رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «من عمل عملا ليس»
[ ١٨٤ ]
«عليه أمرنا فهو رد» وقال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
فالإتيان بعبادة لم يشرعها رسول الله ﷺ تعتبر بدعة منكرة منهيًّا عنها، وإن قال بها فلان أو فلان، أو فعلها من فعلها من الناس ما دامت خارجه عن ما جاء به الرسول ﷺ فإنها بدعة وضلالة، فلا يعبد الله إلا بما شرع على لسان رسوله، والمحدثات والخرافات كلها عمل باطل ونقص وضلال على من أتى بها، وإن كان يقصد بها الخير ويريد الأجر، فإن العبرة ليست بالمقاصد، وإنما العبرة بالاتباع والطاعة والانقياد، ولو كنا أحرارًا نأتي بما نشاء ونستكثر من العبادات ما نشاء لما احتجنا إلى بعثة الرسول ﷺ.
ولكن من رحمة الله بنا لم يكلنا إلى عقولنا، ولم يكلنا إلى فلان وعلان من الناس؛ لأن هذه الأمور مردها إلى
[ ١٨٥ ]
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] [٣٩] .
_________________
(١) الشرع إلى الله ورسوله، ولا ينفع منها إلا ما كان موافقًا لما شرعه الله ورسوله، ففي هذا الابتعاد عن جميع البدع، ومن ابتدع شيئًا في الدين لم يأت به الرسول ﷺ، فإنه لم يشهد أنه رسول الله، لم يشهد الشهادة الحقيقية؛ لأن الذي يشهد أنه رسول الله ﷺ شهادة حقيقية يتقيد بما شرعه، ولا يحدث شيئًا من عنده أو يتبع شيئًا محدثًا ممن سبقه. هذا معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ليست ألفاظًا تقال باللسان فقط من غير التزام ومن غير عمل ومن غير تقيد بما جاء به هذا الرسول ﷺ.
(٢) فالصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، والزكاة هي الركن الثالث وهي قرينة الصلاة في كتاب الله، الصلاة عمل بدني، والزكاة عمل مالي. وقد قال أبو بكر الصديق ﵁: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " لما امتنع أناس من دفع الزكاة
[ ١٨٦ ]