وقد ضل قوم من أهل الزيغ فأنكروا عذاب القبر، ونعيمه، زاعمين أن ذلك غير ممكن لمخالفة الواقع، قالوا فإنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا ضيق.
وهذا الزعم باطل بالشرع، والحس، والعقل:
أما الشرع: فقد سبقت النصوص الدالة على ثبوت عذاب القبر، ونعيمه في فقرة (ب) مما يلتحق بالإيمان باليوم الآخر. (١)
وفي صحيح البخاري – من حديث – ابن عباس ﵄ قال: "خرج النبي ﷺ من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما" (٢) وذكر الحديث، وفيه: "أن أحدهما كان لا يستتر من البول" وفي –رواية – " من (بوله) وأن الآخر كان يمشي بالنميمة".
وأما الحس: فإن النائم يرى في منامه أنه كان في مكان فسيح بهيج يتنعم
_________________
(١) أنظر: ص ١٠٣
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء باب: من الكبائر أن لا يستبرأ من بوله. ومسلم، كتاب الطهارة باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الإستبراء منه.
[ ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فيه، أو أنه كان في مكان ضيق موحش يتألم منه، وربما يستيقظ أحيانًا مما رأى، ومع ذلك فهو على فراشه في حجرته على ما هو عليه، والنوم أخو الموت ولهذا سماه الله تعالى " وفاة " قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ﴿سورة الزمر، الآية: ٤٢ ﴿. وأما العقل: فإن النائم في منامه يرى الرؤيا الحق المطابقة للمواقع، وربما رأى النبي ﷺ على صفته، ومن رآه على صفته فقد رآه حقًا ومع ذلك فالنائم في حجرته على فراشه بعيدًا عما رأى، فإن كان هذا ممكنًا في أحوال الدنيا، أفلا يكون ممكنًا في أحوال الآخرة؟! وأما إعتمادهم فيما زعموه على أنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا ضيق، فجوابه من وجوه منها: الأولى: أنه لا تجوز معارضة ما جاء به الشرع بمثل هذه الشبهات الداحضة التي لو تأمل المعارض بها ما جاء به الشرع حق التأمل لعلم بطلان هذه الشبهات وقد قيل: وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم الثاني: أن أحوال البرزخ من أمور الغيب التي لا يدركها الحس، ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمنون بالغيب، والجاحدون في التصديق بها. الثالث: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه إنما يدركها الميت
[ ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) دون غيره، وهذا كما يرى النائم في منامه أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، وهو بالنسبة لغيره لم يتغير منامه هو في حجرته وبين فراشه وغطائه. ولقد كان النبي صلى اله عليه وسلم يوحى إليه وهو بين أصحابه فيسمع الوحي، ولا يسمعه الصحابة، وربما يتمثل له الملك رجلًا فيكلمه والصحابة لا يرون الملك، ولا يسمعونه. الرابع: أن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله تعالى من إدراكه ولا يمكن أن يدركوا كل موجود، فالسماوات السبع والأرض ومن فيهن، وكل شيء يسبح بحمد الله تسبيحًا حقيقيًا يسمعه الله تعالى من شاء من خلقه أحيانًا. ومع ذلك هو محجوب عنا، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٤٤] وهكذا الشياطين، والجن، يسعون في الأرض ذهابًا وإيابًا، وقد حضرت الجن إلى رسول الله ﷺ واستمتعوا لقراءته وأنصتوا وولوا إلى قومهم منذرين. ومع هذا فهم محجوبون عنا وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢٧] وإذا كان الخلق لا يدركون كل موجود، فإنه لا يجوز أن ينكروا ما ثبت من أمور الغيب، ولم يدركوه.
[ ١١٠ ]
وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ (١) وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأركان الستة قوله
_________________
(١) القدر بفتح الدال: "تقدير الله تعالى للكائنات، حسبما سبق علمه، وأقتضته حكمته".
[ ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ
[ ١١٢ ]