فالعبادة مبنية على هذين الأمرين: غاية الحب، وغاية الذل، ففي الحب الطلب، وفي الذل الخوف والهرب، فهذا هو الإحسان في عبادة الله ﷿. وإذا كان الإنسان يعبد الله على هذا الوجه، فإنه سوف يكون مخلصًا لله – ﷿ – لا يريد بعبادته رياء ولا سمعة، ولا محًا عند الناس، وسواء اطلع النسا عليه أم لم يطلعوا، الكل عنده سواء، وهو محسن العبادة على كل حال، بل إن من تمام الإخلاص أن يحرص الإنسان على ألا يراه الناس في عبادته، وأن تكون عبادته مع ربه سرًا، إلا إذا كان في إعلان ذلك مصلحة للمسلمين والإسلام، مثل أن يكون رجلًا متبوعًا يقتدي به، وأحب أن يبين عبادته للناس ليأخذوا من ذلك نبراسًا يسيرون عليه أو كان هو يحب أن يظهر العبادة ليقتدي بها زملاؤه وقرناؤه وأصحابه ففي هذا خير، وهذه المصلحة التي يلتفت إليها قد تكون أفضل وأعلى من مصلحة الإخفاء، لهذا يثني الله – ﷿ – على الذين ينفقون أموالهم سرا وعلانية، فإذا كان السر أصلح وأنفع للقلب وأخشع وأشد إنابة إلى الله أسروا، وإذا كان في الإعلان مصلحة للإسلام بظهور شرائعه، وللمسلمين يقتدون بهذا الفاعل وهذا العامل أعلنوه.
والمؤمن ينظر ما هو الأصلح، كلما كان أصلح وأنفع في العبادة فهو أكمل وأفضل.
[ ١٢٠ ]
والدليل من السنة: حديث جبرائيل المشهور عن عمر ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عند رسول الله ﷺ ذات يوم إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شديد سواد الشرع لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ منا أحد، حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رسول الله ﷺ "الإسلام أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا" قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ ويصدقه. قال: فأخبرني عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشره"، قال: صدقت، قال: فأخبرني عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، قال: فأخبرني عن الساعة، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ" قَالَ: فَمَضَى فَلَبِثْنَا مَلِيَّا فقال: "ياعمر أتدري من السائل"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "قَالَ هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم". (١)
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام، وغالب هذا الحديث تقدم شرحه ولنا شرح عليه في مجموع الفتاوى والرسائل ٣/١٤٣.
[ ١٢١ ]