وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا (٢): مِثْلُ الإسلام، والإيمان،
_________________
(١) لما بين المؤلف رحمه الله تعالى أن الواجب علينا أن نعبد الله وحده لا شريك له، بين فيما يأتي شيئًا من أنواع العبادة مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان. وهذه الثلاثة الإسلام، والإيمان، والإحسان هي الدين كما جاء ذلك فيما رواه مسلم من حديث عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ﵁- قَالَ: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه، قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال؟ رسول الله ﷺ "أن تشهد أن لا إله إلا اله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إليه سبيلًا". قال صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فاخبرني عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشره". قال: صدقت. قال: فأخبرني عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تراه
[ ٥٣ ]
والإحسان؛ ومه الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا كُلُّهَا للهِ تَعَالَى (١) . وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن، الآية: ١٨]، فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) [سورة المؤمنون، الآية: ١١٧] .
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: فأخبرني عن الساعة؟ قال: مال الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان، ثم أنطلق فلبثت مليًا ثم قال لي ياعمر: أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١) فجعل النبي ﷺ هذه الأشياء هي الدين وذلك أنها متضمنة للدين كله.
ــ
(١) أي كل أنواع العبادة مما ذكر وغيره لله وحده لا شريك له فلا يحل صرفها لغير الله تعالى:
(٢) ذكر المؤلف رحمه الله تعالى جملة من أنواع العبادة وذكر أن من صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كافر واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٤٠، وانظر: شرح الحديث في " مجموع الفتاوى والرسائل" لفضيلة شيخنا- حفظه الله ورعاه - المجلد الثالث، ص ١٤٥
[ ٥٤ ]
فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وبقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ووجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى أخبر أن المساجد وهي مواضع السجود أو أعضاء السجود لله ورتب على ذلك قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ أي لا تعبدوا معه غيره فتسجدوا له، ووجه الدلالة من الآية الثانية بأن الله ﷾ بين أن من يدعو مع الله إله آخر فإنه كافر لأنه قال: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفة كاشفة مبينة للأمر وليست صفة مقيدة تخرج ما فيه برهان لأنه لا يمكن أن يكون برهان على أن مع الله إلها آخر.
[ ٥٥ ]