وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ (٣): الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ وَالإِحْسَانُ، وَكُلُّ مرتبة لها أركان (٤) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(٣) بين المؤلف رحمه الله تعالى أن الدين الإسلامي ثلاث مراتب بعضها فوق بعض وهي الإسلام، والإيمان، والإحسان.
(٤) دليل ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين جاء جبريل يسأل النبي ﷺ عن الإسلام والإحسان وبين له ﷺ ذلك وقال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١)
(٥) دليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله، وإقام
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٦٩ ]
الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ الله الحرام". (١)
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإيمان باب: قول النبي ﵊: "بني الإسلام على خمس " ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
[ ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) اللهِ (١)، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ. فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) [سورة آل عمران، الآية: ١٨] الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ الله الحرام". (١)
(٢) شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله ركن واحد وإنما كانتا ركنا واحدًا مع أنهما من شقين لأن العبادات تبني على تحقيقهما معًا، فلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص لله ﷿ وهو ما تتضمنه شهادة أن محمدًا رسول الله.
(٣) في الآية الكريمة شهادة الله لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وشهادة الملائكة وشهادة أهل العلم بذلك وأنه تعالى قائم بالقسط أي العدل ثم قرر ذلك بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وفي هذه الآية منقبة عظيمة لأهل العلم حيث أخبر أنهم شهداء معه ومع الملائكة والمراد بهم أولو العلم بشريعته ويدخل فيهم دخولًا أوليًا رسله الكرام. وهذه الشهادة أعظم شهادة لعظم الشاهد والمشهود به، فالشاهد هو الله وملائكته، وأولو العلم، والمشهود به توحيد الله في ألوهيته وتقرير ذلك ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
(٤) رواه البخاري، كتاب الإيمان باب: قول النبي ﵊: "بني الإسلام على خمس " ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
[ ٧٠ ]
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله؛ "لا اله" نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ " إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه لا شريك له في ملكه (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قوله ومعناها أي معنى لا إله إلا الله ألا معبود بحق إلا الله فشهادة أن لا إله إلا الله أن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لا معبود حق إلا الله ﷿ لأنه "إله" بمعنى مألوه، والتأله التعبد، وجملة " لا إله إلا الله" مشتملة على نفي وإثبات، أما النفي فهو " لا إله" وأما الإثبات "إلا الله" و"الله" لفظ الجلالة بدل من خبر " لا " المحذوف والتقدير "لا إله حق إلا الله" وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة "حق" يتبين الجواب عن الإشكال التالي: وهو كيف يقال " لا إله إلا الله" مع أن هناك آلهة تعبد من دون الله وقد سماها الله تعالى آلهة وسماها عابدوها آلهة قال الله ﵎: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [سورة هود، الآية: ١١٠] وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله ﷿ والرسل يقولون لأقوامهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؟ [سورة الأعراف، الآية: ٥٩] والجواب على هذا الأشكال يتبين بتقدير الخبر في " لا إله إلا الله" فنقول: هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقة وليس لها من حق الألوهية شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة الحج، الآية: ٦٢] ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ
[ ٧١ ]
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (١) لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ (٢) مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي (٣) فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٤) وَجَعَلَهَا. (٥) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم، الآيات: ١٩-٢٣] وقوله تعالى عن يوسف ﵊: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سورة يوسف الآية: ٤٠] إذن فمعنى " لا إله إلا الله " لا معبود حق إلا الله ﷿، فأما المعبودات سواه فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدوها ليست حقيقة أي ألوهية باطلة.
_________________
(١) إبراهيم هو خليل الله إمام الحنفاء، وأفضل الرسل بعد محمد ﷺ وأبوه آزر.
(٢) (براء) صفة مشبهة بالبراءة وهي أبلغ من بريء. وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ يوافي قول " لا إله ".
(٣) خلقني إبتداء على الفطرة وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يوافي قوله "إلا الله" فهو ﷾ لا شريك له في ملكه ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] ففي هذه الآية حصر الخلق والأمر لله رب العالمين وحده فله الخلق وله الأمر الكوني الشرعي.
(٤) ﴿سَيَهْدِينِ﴾ سيدلني على الحق ويوفقني له. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي هذه الكلمة وهي البراءة من كل معبود سوى الله.
[ ٧٢ ]
كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٧ [سورة آل عمران، الآية: ٦٤] .
_________________
(١) ﴿في عقبه﴾ في ذريته.
(٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها من الشرك.
(٣) الخطاب للنبي ﷺ لمناظرة أهل الكتاب اليهود والنصارى.
(٤) ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ هذه الكلمة هي ألا نعبد إلا الله هي معنى "لا إله إلا الله"، ومعنى ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أننا نحن وإياكم سواء فيها.
(٥) أي لا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ﷿ بحيث يعظم كما يعظم الله ﷿، ويعبد كما يعبد الله، ويجعل الحكم لغيره.
(٦) ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عما دعوتموهم إليه.
(٧) أي فأعلنوا لهم واشهدوهم أنكم مسلمون لله، بريئون مما هم عليه من العناد والتولي عن هذه الكلمة العظيمة "لا إله إلا الله".
[ ٧٣ ]
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾ (٤) [سورة التوبة، الآية: ١٢٨] .
_________________
(١) قوله ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي من جنسكم بل هو من بينكم أيضًا كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٢] .
(٢) أي يشق عليه ما شق عليكم.
(٣) أي على منفعتكم ودفع الضر عنكم.
(٤) أي ذو رأفة ورحمة بالمؤمنين، وخص المؤمنين بذلك لأنه ﷺ مأمور بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، وهذه الأوصاف لرسول الله ﷺ تدل على أنه رسول الله حقًا كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٩] وقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٥٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا تدل على أن محمدًا رسول الله حقًا.
[ ٧٤ ]