اعْلَمْ (١) أَرْشَدَكَ اللهُ (٢) لِطَاعَتِهِ (٣): أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ (٤) مِلَّةَ (٥) إِبْرَاهِيمَ (٦): أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ (٧) مُخْلِصًا لَهُ الدين (٨) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تقدم الكلام على العلم فلا حاجة إلى إعادته هنا.
(٢) الرشد: الاستقامة عن طريق الحق.
(٣) الطاعة: موافقة المراد فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور.
(٤) الحنيفية: هي الملة المائلة عن الشرك، المبينة على الإخلاص لله ﷿.
(٥) أي طريقه الديني الذي يسير ﵊.
(٦) إبراهيم هو خليل الرحمن قال ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [سورة النساء، الآية: ١٢٥] وهو أبو الأنبياء وقد تكرر ذكر منهجه في مواضع كثيرة للإقتداء به.
(٧) قوله "أن تعبد الله" هذه خبر "أن" في قول "أن الحنيفية" والعبادة بمفهومها العام هي "التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه". أما المفهوم الخاص للعبادة-يعين تفصيلها- فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "العبادة أسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة كالخوف، والخشية، والتوكل والصلاة والزكاة، والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام.
(٨) الإخلاص هو التنقية والمراد به أن يقصد المرء بعبادته وجه الله ﷿ والوصول إلى دار كرامته بحيث لا يعبد معه غيره لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا
[ ٣٧ ]
وَبِذَلِكَ (١) أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] ومعنى يعبدون يوحدون (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـتـ
مرسلًا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٣] . وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآيات: ١٣٠-١٣٢] .
(١) أي بالحنيفة وهي عبادة الله مخلصًا له الدين أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٥] وبين الله ﷿ في كتابه أن الخلق إنما خلقوا لهذا فقال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] .
(٢) يعني التوحيد من معنى العبادة وإلا فقد سبق لك معنى العبادة وعلى أي شيء تطلق وأنها أعم من مجرد التوحيد.
وأعلم أن العبادة نوعان:
عبادة كونية وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [سورة مريم، الآية: ٩٣] فهي شاملة للمؤمن والكافر،
[ ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والبر والفاجر. والثاني: عبادة شرعية وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى وأتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٦٣] . فالنوع الأول لا يحمد عليه الإنسان لأنه بغير فعله لكن قد يحصل منه من شكر عند الرخاء وصبر على البلاء بخلاف النوع الثاني فإنه يحمد عليه.
[ ٣٩ ]