الطائفة الثالثة المنحرفة في موضوع العبودية: هم الصوفية، وانحراف الصوفية في العبودية جاء متنوعًا، فهم انحرفوا في وسيلة العبودية لله ﷿، حيث جعلوا الخلوة والأوراد البدعية والذكر المبتدع بالاسم المفرد والاسم المضمر -كما سيأتي معنا- هي الطريق الموصلة إلى عبودية الله ﷾، وهذه لا شك أنها بدع، والبدع لا توصل إلى الله ﷿، وإنما تبعد عن الله ﷾.
وأما بالنسبة للغاية فإن الغاية من العبودية عند الصوفية هو الوصول للكشف، والوصول للكشف عندهم يعتبرونه منحةً قد تحصل للإنسان بعد ملازمة الطريق وقد لا تحصل، والكشف هذا هو خيالات، وأمور تحصل في النفس، وإشراقات -كما يسمونها- وتأملات، هذه الاشراقات وهذه التأملات التي تحصل في النفس يعتبرونها يقينية، وأنها مستمدة من العلم الإلهي، وأنه لا شك فيها، بل إن أبا حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين يرى أن الكشف يمكن أن تؤول النصوص القرآنية والنبوية بسببه؛ لأن الكشف عندهم قطعي، بينما النصوص الشرعية مع الأسف عندهم ظنية.
وأيضًا جاء الانحراف في باب العبودية من جهة أخرى عند الصوفية، وهو أنهم بنوا على منهج المعتزلة والأشعرية في التوحيد، وجعلوا حقيقة التوحيد هو توحيد الربوبية الذي فنوا فيه، فاشتغال الصوفية بالتعبد هو في حقيقته اشتغال بتوحيد الربوبية وترك للتأله الذي أمر الله ﷿ به، والذي جاءت النصوص الشرعية بالأمر به، مثل محبة الله ﷿، والتوكل على الله، ومقامات القلوب العظيمة، وجعلوا غاية التعلق هو بمعاني الربوبية كما سنتبين من خلال القراءة في هذا الكتاب.
ومن جهة أخرى لما بنوا على منهج الأشعرية ومنهج المعتزلة في باب التوحيد، ترتب على ذلك عندهم أن كثيرًا منهم صار يمارس الشركيات عند القبور ويستحلها، ولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في غير هذا الكتاب: أكبر من نشر القبورية في العالم الإسلامي طائفتان: الشيعة قبحهم الله، والصوفية، فإن الشيعة والصوفية هم الذين نشروا عبادة القبور في العالم الإسلامي، فأصبحوا يعظمون القبور التي لأوليائهم ولأئمتهم، ويجعلون لها صناديق متخصصة للنذور، ولها مطاف، وهناك مذبح ومنحر، وهناك سدنة أشبه ما يكون بسدنة المعابد -يعني: المخالفة للشرع- هذه الأعمال سوغت للشرك في حياة المسلمين تسويغًا كبيرًا، والشيعة أكبر خطر من الصوفية في باب العبودية، فإنهم يعبدون أئمتهم من دون الله ﷿، ويرون أن كلام أئمتهم معصوم ككلام الله، وككلام الرسول ﷺ، ويرون أنهم يكملون الدين، ويرون أيضًا أن كلام أئمتهم لا يجوز الاعتراض عليه، وأن من اعترض عليه فهو زنديق كافر، وهذا لا شك أنه خطير على عقيدة الإنسان، هذا فضلًا عن سبهم لأصحاب النبي ﷺ، وثلبهم لأمهات المؤمنين، وقدحهم في سادات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
والمصنف في هذا الكتاب لم يتحدث إلا عن طائفة واحدة وهم الصوفية فقط، فالعلمانية لم تكن موجودة في زمانه، وأما المعتزلة والأشعرية فإنه تحدث عنهم في غير هذا الكتاب، والصوفية تحدث عنهم في بعض المواطن، ولهذا يمكن أن نوزع هذا الكتاب إلى مجموعة موضوعات.
[ ٦ ]