من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
هذه أصول الإيمان وأركانه، يؤمن بها الشيخ، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ كما في حديث جبريل لما سأل النبي ﷺ بحضرة أصحابه، فقال: «أخبرني عن الإيمان، فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . قال العلماء: هذه أركان الإيمان.
والإيمان له أركان، وله شعب، أركانه ستة، وشعبه: «بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق..»، فالإيمان له شعب كثيرة، وأما أركانه – أي جوانبه التي يقوم عليها – فهي ستة أركان:
الركن الأول: الإيمان بالله، وهو الأساس، والإيمان بالله يشمل أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
الركن الثاني: الإيمان بالملائكة، أنهم عباد من عباد الله تعالى لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يأتمرون، خلقهم الله من نور، وهم من عالم الغيب الذين لا نراهم، ولكن نؤمن بهم، وقد جعلهم الله أصنافا، كل صنف من الملائكة له عمل يقوم به في هذا الكون، فمنهم الحفظة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويكتبونها ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾
[ ١٨ ]
[الانفطار: ١٠ – ١٢]، ومنهم حملة العرش، ومنهم الموكل بالوحي وهو جبريل ﵇، ومنهم الموكل بالقطر وهو ميكال، ومنهم الموكل بالموت: وهو ملك الموت، ومعه ملائكة الموت، ومنهم أصناف لا يعلمها إلا الله ﷾: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، جنود الله ﷿ كثيرة.
الركن الثالث: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على الرسل، فالله – جل وعلا – أرسل الرسل وأنزل الكتب من عنده سبحانه، بوحيه وشرائعه وأمره ونهيه، منها التوراة، ومنها الإنجيل، ومنها الزبور، ومنها القرآن، ومنها كتب لم يذكرها الله لنا، ولكننا نؤمن بها جملة، ونؤمن بما ذكره الله باسمه مفصلا، وآخرها وأعظمها: القرآن العظيم الذي أعجز الثقلين – الجن والإنس – على أن يأتوا بسورة واحدة من مثله.
الركن الرابع: الإيمان بالرسل الذين أرسلهم الله بشرائعه ودينه لهداية خلقه، الله – جل وعلا – أرسل الرسل ليبين للناس ما يضرهم وما ينفعهم، ويبين لهم دينهم، والله – جل وعلا – أقام الحجة بهم ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، أما عددهم فلا يعلمهم إلا الله، وهم كثيرون، ومنهم من سمى الله لنا في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ – ٨٦] . فهؤلاء سماهم الله،
[ ١٩ ]
فنؤمن بهم بأعيانهم، ومن لم يسمه الله نؤمن به جملة.
قال الله – جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فنؤمن بهم جميعا من سمى الله، ومن لم يسم منهم، فمن كفر بنبي واحد كفر بالجميع، فلا بد من الإيمان بهم جميعا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، والله – جل وعلا – قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر، وهو البعث بعد الموت؛ لأن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، والدنيا مزرعة للآخرة، فهي دار عمل وليس فيها جزاء، والآخرة دار جزاء وليس فيها عمل، لا بد من الإيمان باليوم الآخر، من لم يؤمن باليوم الآخر فهو كافر، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]، أيها الإنسان تعيش في هذه الدنيا وتأكل وتشرب وتكفر وتفسق كأنه ليس أمامك بعث وحساب وجزاء، فالله – جل وعلا – جعل الآخرة للجزاء، وهذا عدل منه سبحانه أنه لا يضيع عمل العاملين، يجازي كلا بعمله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، لو لم يكن هناك بعث لصار الخلق عبثا، والله سبحانه منزه عن العبث.
الركن السادس: الإيمان بالقدر، والقدر هو سر الله – جل وعلا -،
[ ٢٠ ]
والقدر هو ما قدره الله مما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، جرى القلم بالمقادير، وكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلا يقع شيء إلا بقدر ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فالأمور ليست عبثا أو أنفا، بل هي مقدرة من قبل ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ هو اللوح المحفوظ، وقوله: ﴿قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ يعني: نخلقها ونوجدها.
والإيمان بالقدر على أربع مراتب:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله – جل وعلا – الأزلي الأبدي المحيط بكل شيء، أي: نعتقد أن الله علم كل شيء، علم ما كان وما يكون.
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة والإرادة، ما شاءه الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
المرتبة الرابعة: مرتبة خلق الأشياء في أوقاتها المقدرة لها، كل شيء في وقته، كل شيء في حينه الذي قدره الله - جل وعلا -.
لا بد من الإيمان بهذه المراتب الأربع: مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة، مرتبة الخلق والإيجاد. هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر.
[ ٢١ ]