ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا.
هذا القسم الثاني من الضلال في أسماء الله وصفاته: الممثلة، زادوا في الإثبات وغلوا في الإثبات، ولم يفرقوا بين صفات الله وصفات خلقه، ولا يبين أسمائه وأسماء خلقه، هؤلاء مشبهة والعياذ بالله؛ ولهذا قال أهل العلم: «المعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما» . فقولهم: المعطل يعبد عدما؛ لأن الذي ليس له أسماء وصفات: عدم، والممثل يعبد صنما من البشر؛ لأنه جعل الله مثل البشر، تعالى الله عن ذلك.
فقوله: «ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه»، يعني: لا أعلم كيفيتها ولا مثليتها، وإنما هذا من علم الله - جل وعلا -، لا يعلم كيفية صفاته إلا هو، ولا يعلم كيفية ذاته إلا هو ﷾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فالمؤمنون يعلمون ربهم، وأنه هو ربهم وخالقهم، ويعلمون وجوده وكماله، لكن لا يحيطون به.
وقوله: «لا سمي له»، يعني: لا أحد يستحق اسمه على الحقيقة، وليس معنى «لا سمي له»: لا أحد يسمى باسمه؛ لأنه يسمى المخلوق: العزيز، والملك، يسمى المخلوق بما يوافق اسم الخالق في الحروف
[ ٢٤ ]
والمعنى، لكن لا يوافقه في الكيفية، فمعنى «لا سمي» يعني: لا أحد يستحق اسمه على الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي لا أحد يساوي الله - جل وعلا – في أسمائه وصفاته.
وقوله: «ولا كفؤ»؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، أي لا أحد يكافيه سبحانه ويساويه - جل وعلا -.
وقوله: «ولا ند له»، الند: هو المثيل أيضا ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ جمع ند، وهو المثيل، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فالذين عبدوا الأصنام جعلوها أندادا لله، مشابهة له ﷾، وإلا لماذا عبدوها معه؟ ولهذا يوم القيامة يقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، يعترفون أنهم ساووهم برب العالمين في الدنيا، فاستحقوا النار يوم القيامة من باب التحسر. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يعني: يساوون به غيره من المخلوقين.
وقوله: «ولا يقاس بخلقه»، فهو سبحانه لا يقاس بخلقه في أسمائه وصفاته، فالأسماء والصفات وإن كانت تشترك في اللفظ وجملة المعنى لكنها تختلف في الحقيقة والكيفية.
وقوله: «فهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره»، هو أعلم بنفسه وأما غيره فلا يعلم عن الله إلا ما علمه الله - جل وعلا -؛ الملائكة تقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، والله - جل وعلا – يقول لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، والله - جل وعلا – يقول: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، ويقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[ ٢٥ ]
[الإسراء: ٨٥]، فهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأما غيره فلا يعلم حقيقة الله وكيفية الله - جل وعلا -، لا يعلمها إلا الله ﷾.
وقوله: «وأصدق قيلا وأحسن حديثا»؛ كما في القرآن: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، لا أحد أحسن من الله ولا أصدق من الله، والله قال في كتابه أنه سميع، وأنه بصير، وأنه حكيم، وأنه عليم، وأن له وجها، وأن له يدين، قال هذا عن نفسه ﷾، فهو أعلم بنفسه.
ثم يأتي هؤلاء المعطلة ويقولون: هذا لا يليق بالله، ما يليق بالله أن يقال: له وجه، ولا يقال: له يد، ولا يقال: إنه سميع ولا بصير؛ لأن هذه الصفات في الخلق موجودة وإذا أثبتناها شبهنا الله بخلقه!!.
[ ٢٦ ]