قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – في رسالته إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته:
بسم الله الرحمن الرحيم
أشهد الله، ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة.
قوله: «أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم»، كأن هذا مأخوذا من قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فهو يشهد الله – جل وعلا -، ويشهد الملائكة، ويشهد العلماء على عقيدته، وأنه ما جاء بشيء جديد أو بتغيير لدين الله كما يقال عنه، وإنما جاء بالحق الصريح.
وقوله: «أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية»، عقيدة الفرقة الناجية هي التي قال فيها النبي ﷺ: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
[ ١٥ ]
سميت الناجية لأنها نجت من النار، كل هذه الفرق في النار إلا هذه الفرقة، فهي الناجية من النار، وهذه أوصافها:
أولا: أنها الناجية.
ثانيا: أنهم أهل السنة، الذين يأخذون بالسنة، وهي طريقة الرسول ﷺ. وهي تعني القرآن وتعني الأحاديث الصحيحة، ما كان عليه الرسول ﷺ؛ كما قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، ولم يأخذوا بمذهب الجهمية أو المعتزلة أو الخوارج أو غيرهم من الفرق، إنما أخذوا منهج أهل السنة المتمسكين بالسنة.
ثالثا: «والجماعة»، سموا بالجماعة؛ لأنهم مجتمعون على الحق، ليس بينهم اختلاف، لا يختلفون في عقيدتهم، إنما عقيدتهم واحدة، وإن كانوا يختلفون في المسائل الفقهية والمسائل الفرعية المستنبطة، فهذا لا يضر، الاختلاف في الفقه لا يضر؛ لأنه ناشئ عن اجتهاد، والاجتهاد يختلف، والناس ليسوا على حد سواء في ملكة الاجتهاد، أما العقيدة فإنها لا تقبل الاجتهاد، بل يجب أن تكون واحدة؛ لأنها توقيفية، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، هذه أمة واحدة لا تقبل الاختلاف، تعبد ربا واحدا، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٢، ٥٣] .
ذم الذين اختلفوا؛ لأن الاختلاف في العقيدة لا يجوز، فالله أمرهم أن يكونوا أمة واحدة فعصوه، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾، أي:
[ ١٦ ]
كتبا؛ كما قال قتادة ومجاهد، كل واحد عنده كتاب، وكل واحد عنده عقيدة، وعقيدة هذا غير عقيدة هذا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ كل يرى أنه على الحق وغيره على الباطل، لا يقول: نرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، بل كل يقول إنه على الحق وحده ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ومقتنع بما لديه، بل ومتعصب له، ولا يرى أن قوله عرضة للخطأ والصواب.
[ ١٧ ]