ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .
وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال؛ كالخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أصحاب الكبائر، ويقولون: إنهم خالدون مخلدون في النار لا تنفعهم شفاعة الشافعين. أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة، ولكن شفاعة النبي ﷺ وغيره من الشفعاء لا تكون إلا بشرطين، ذكرهما الله في القرآن:
الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، وليس كما يكون من ملوك الدنيا الذين يشفع عندهم الشفعاء ولو لم يأذنوا.
الشرط الثاني: أن يرضى عن المشفوع فيه، بأن يكون من أهل التوحيد، ومن أهل الإيمان، ولو كان عنده ذنوب يستوجب بها دخول النار، أو دخل بها النار، فهذا مؤمن تنفعه الشفاعة بإذن الله، أما الكافر فلا تنفعه الشفاعة، إلا ما استثني من شفاعة أبي طالب، وهذه خاصة.
[ ٨٩ ]
وقوله: «وهو لا يرضى إلا التوحيد»، لا يرضى عن المشرك، وإنما يرضى لأهل التوحيد، «ولا يأذن إلا لأهله»، ولا يأذن للشفعاء إلا في أهل التوحيد.
«وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب» . قال تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٣]، من الأسباب التي أدخلتهم النار: أنهم لم يكونوا من المصلين، فدل على أن من ترك الصلاة متعمدا فهو كافر مخلد في النار، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن ترك الصلاة كفر أصغر. بل هو كفر أكبر بدليل هذه الآية: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ يعني لا يصلون ولا يدفعون الزكاة، والصلاة والزكاة قرينتان في كتاب الله، فدل على أن ترك الصلاة كفر من وجهين:
الوجه الأول: أن الله ذكر ترك الصلاة مع هذه الأمور التي هي كفر بالإجماع: التكذيب بيوم الدين هذا كفر بالإجماع، منع الزكاة جحدا لوجوبها هذا كفر بالإجماع، الخوض في آيات الله ﷿ هذا من الكفر بالإجماع، فدل على أن ترك الصلاة كفر؛ لأنه قرن مع هذه الأشياء.
الوجه الثاني: قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، فدل على أن تارك الصلاة عمدا لا تقبل فيه الشفاعة، وهذا إنما يكون في الكافر، فلو كان مؤمنا لقبلت فيه الشفاعة.
[ ٩٠ ]